عن هشاشة القوى الوطنية السورية..؟

اكرم حسين

لا شك أن فترة حكم الأسدين – الأب والابن – شهدت تصحراً سياسياً غير مسبوق في تاريخ سوريا المعاصر. فقد اختزل نظام الأسد الوطن كله في شخص الحاكم، وجرّد الشعب من حقوقه السياسية والمدنية، وحوّل الدولة إلى مزرعة شخصية تدار بقبضة أمنية شديدة المركزية ،  ومنذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة في انقلاب عام 1970، ساد حكم شمولي استبدادي ألغى التعددية، وصادر المجال العام، وفرض قانون الطوارئ وجعل من كل نشاط سياسي خارج عباءة السلطة جريمة تستحق القمع أو النفي أو الموت.

هذا النهج الديكتاتوري أدى إلى انهيار الحياة السياسية، إذ تم تحجيم الأحزاب المعارضة وتفكيكها بشكل ممنهج. فقد تعرضت تجربة “حزب العمل الشيوعي” و”المكتب السياسي” و”الإخوان المسلمين” لقمعٍ دموي، حيث سُجنت قياداتها لعقود، أو تمت تصفيتهم في السجون والمنافي، كما صدر القانون 49 لعام 1980 الذي قضى بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، ما شكّل ضربة قاصمة للعمل السياسي الإسلامي في سوريا، وزاد من هشاشة القوى المعارضة.

أما الأحزاب الكردية، فرغم أنها كانت تشكل استثناءً نسبياً من حيث البقاء كتنظيمات قائمة، إلا أن النظام تعامل معها بطريقة مختلفة، إذ تركها تنشط ضمن حدود ضيقة، واستخدم سياسة “التحكم والتفكيك” بدلاً من الاستئصال ، وكان ضابط المخابرات العسكرية محمد منصورة هو من تولى الإشراف على ملف هذه الأحزاب، فتمكنت أجهزته من زرع الفتنة والانقسام بين مكوناتها، مما أفقدها أي فعالية مجتمعية . فانتشرت الانشقاقات والانقسامات، وبات لكل حزب شقيقه التوأم المنشق عنه، مما أدى إلى تآكل شرعيتها وضعف تأثيرها في الشارع الكردي، رغم عدالة القضية التي كانت تحملها.

وعندما تشكل “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي” عام 2005، كمظلة جامعة للقوى الوطنية الديمقراطية، بادر النظام كعادته إلى قمعه بسرعة، واعتقل أبرز رموزه مثل رياض سيف وفداء الحوراني وميشيل كيلو وآخرين، مما أدى إلى شلل الإعلان وتوقفه عن لعب دور سياسي فعال ، وبقيت المعارضة مفككة ومبعثرة، حتى جاءت الثورة السورية في آذار 2011.

لقد بدأت الانتفاضة السورية عفوية وشعبية بقيادة الشباب السوري غير المؤطر في أحزاب أو كيانات سياسية. لكن سرعان ما تحولت إلى مسار مختلف بعد أن دخل المال السياسي والجهات الخارجية على الخط، وتصدّر الإسلاميون المشهد، باعتبارهم الأكثر تنظيماً والأوفر دعماً، مما أدى إلى أسلمة الثورة ثم عسكرتها ، وهو ما تسبب في انحرافها عن أهدافها الديمقراطية والوطنية، ودخولها في صراعات إقليمية ودولية على حساب الشعب السوري.

ومع سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، إثر الهجوم الكاسح الذي قادته “هيئة تحرير الشام” ودخولها دمشق، والإعلان عن تشكيل حكومة انتقالية  برئاسة الرئيس الحالي أحمد الشرع، وبدء مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات بدعم دولي من الولايات المتحدة  والسعودية وتركيا ، بدا أن فرصة بناء سوريا جديدة قد أتيحت أخيراً. خاصة مع عقد “مؤتمر الحوار الوطني السوري” والإعلان الدستوري المؤقت، وتشكيل الحكومة الانتقالية والانطلاق نحو إصلاح مؤسسات الدولة ووضع الأسس اللازمة  لنظام جديد مع رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا  .

في هذا السياق، يُفترض أن تعيد القوى الكردية السورية حساباتها بشكل جذري، وتنتقل من مرحلة العزلة اوالرهان على “الاخر” إلى مرحلة الانخراط الفعلي في المشروع الوطني السوري، عبر المشاركة الفعالة في بناء الدولة، وصياغة مستقبلها على أسس المساواة والعدالة والمواطنة.

لقد دفع الكرد السوريون، كغيرهم من مكونات الشعب السوري ، ثمن القمع والتمييز لعقود طويلة، وعانوا من إنكار الهوية والحرمان من الحقوق الأساسية، سواء في اللغة أو الجنسية أو التمثيل السياسي أو غيرها من المشاريع الاستثنائية . واليوم، في ظل النظام الانتقالي الجديد، فإن الفرصة متاحة لتثبيت حقوقهم من خلال الوسائل السياسية والمؤسسية، عبر الحوار والعمل  كي  تستعيد سوريا عافيتها على أسس الشراكة والمساواة .

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على التدخلات الدولية أو دعم القوى الخارجية لم يجلب للكرد سوى مزيد من العزلة والهجمات المتكررة. بل إن التصنيف الخاطئ لبعضهم في خانة  ” اللاوطنية ” او” الانفصال “، جاء نتيجة لهذه  “العلاقة” والتي  تتعارض مع المشروع الوطني السوري ، ما عمّق الفجوة بينهم وبين الشارع السوري، وفاقم من هشاشة حضورهم السياسي الوطني.

لكن الواقع قد تغيّر الآن. فالنظام المركزي الذي أنكر الكرد لعقود قد سقط، والحكومة الانتقالية الجديدة اكدت في المادة السابعة البند ٣ في  الإعلان الدستوري عن ( تكفل الدولة التنوُّع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوِّناته، والحقوق الثقافية واللّغوية لجميع السوريين) ،  وهو ما يتطلب من الكرد السوريين الحوار والتعاطي الايجابي ، بعيداً عن ذهنية العزلة أو التشكيك …!

المطلوب من النخب الكردية أن تضع مشروعاً واضحاً يعكس مطالب الكرد ضمن الإطار الوطني، وأول هذه المطالب هو الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كمكون أصيل من مكونات سوريا، وضمان حقوقه الثقافية والسياسية والإدارية، ومشاركته في مؤسسات الدولة على قدم المساواة. كما يجب أن يكون هناك تمثيل كردي حقيقي في صياغة الدستور الجديد، وبما يضمن عدم العودة إلى عقلية الإقصاء أو تهميش الهويات.

في حين أن المشروع الوطني السوري يجب ألا يقوم على منطق الغلبة أو الأكثرية، بل على أساس التعدد والتوازن واللامركزية. فاللامركزية الإدارية والسياسية تتيح تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها، وتحقيق التنمية المتوازنة، وضمان تمثيل حقيقي لكل المناطق والمكونات.

اخيراّ ، فإن هشاشة القوى الوطنية السورية التي يتحدث عنها البعض ، هي  نتيجة طبيعية لعقود من القمع والاستبداد والانسداد  الممنهج للحياة السياسية. واليوم، ومع انطلاق مرحلة جديدة بعد سقوط النظام البائد ، باتت الفرصة سانحة لاستعادة السياسة من يد السلاح، وبناء مشروع وطني ديمقراطي يشارك فيه الجميع، وفي مقدمهم الكرد السوريون، الذين يملكون من الرصيد النضالي والوطني ما يؤهلهم ليكونوا جزءاً أساسياً من سوريا المستقبل.

ليس المطلوب من الكرد أن يذوبوا في هوية الاكثرية ، بل أن يساهموا في تشكيل هوية وطنية جامعة، تحت سقف دستور جديد يعترف بالتعدد القومي والديني  والثقافي، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، أساسه المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة وبما يضمن سوريا لكل السوريين  .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…