لماذا يُشيد الناس بالدمار

مسلم شيخ حسن- كوياني

 

في مشهد يكاد لا يصدق يبتهج بعض شعوب منطقتنا عند سماع دوي الانفجارات تهز عواصم بلدانهم مبددةً معها رموز السيادة والمؤسسات الرسمية التي لطالما كانت أدوات قمع لا حماية. ليس حباً في الحرب ولا تمجيداً للكوارث بل لأن هذه الأنظمة حولت مؤسسات الدولة إلى سوط لضرب المواطنين وأداة إذلال تسلب أنفاسهم بدلاً من حمايتهم.

في العديد من الدول العربية والشرق أوسطية أصبح القصف الخارجي لحظة رمزية للراحة ،حيث يتنفس المواطنون المضطهدون الصعداء، ليس لأنه يؤمنون بالعدوان بل لأنهم يرون في هذا القصف هدماً لهياكل الظلم التي خنقتهم لعقود.

 فكم من المراكز الحكومية هي مراكز تعذيب وتجسس على أحلام الناس العاديين؟

في بعض الدول دمرت وزارات الإعلام  فأسعد الصحفيون الأحرار وقصفت مقار الاستخبارات فتنفس المعتقلون السابقون بدموع وأشواقاً لم يشعروا بها من قبل. أحرقت قصور رئاسية فاختلطت مشاعر الناس بين الفرح والحزن على مصير أوطانهم .

ليس هذا لأن الشعوب تحب الدمار بل لأن أنظمتها حولت كل ما هو وطني إلى عدو داخلي. لو كانت هذه المؤسسات في خدمة الشعب لما حزن على سقوطها أحد أكثر من مواطني البلاد. لكن عندما يصبح العلم الرسمي علماً للترهيب والمستشفيات أوكاراً للفساد والمدارس مصانع للتلقين والولاء ينقلب كل شيء رأساً على عقب ويفقد المواطنون شعورهم بالانتماء.

هذه الظاهرة المؤلمة ” أي الابتهاج بالدمار” ليست دليلاً على خيانة وطنية بل هي نتيجة سنوات من الخيانة السياسية والاجتماعية مورست ضد الشعب.

إنها لحظة صفاء تكشف عمق الفجوة بين الحكومات وشعوبها بين ما يفترض أن يكون رمز أمن وأمل وما أصبح في الواقع كابوساً يومياً.

في النهاية لا أحد يستفيد من الدمار. حتى المبتهجون بعد لحظات من النشوة الرمزية يستيقظون على واقع أشد قسوة لا بنية تحتية ولا دولة راعية ولا مستقبل واضح. ومع ذلك اختاروا هذه اللحظة السعيدة لأنهم لم يمنحوا فرصة التغيير الداخلي ولم يسمح لهم ببناء بلد يحتفلون به بدلاً من الفرح بدماره.

22 / 6 / 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…