السياسات الأمريكية المثيرة للجدل في الشرق الأوسط

فرحان مرعي

 

منذ عهد أوباما، بدأ تفكير جديد في السياسات الأمريكية، وخاصة على صعيد العقلية العسكرية، إشعال الحروب الداخلية في مناطق النزاعات والتوتر، وخاصة المجتمعات العرقية والطائفية المتداخلة، وضرب القوى المحلية ببعضها، وتهجير الشعوب الأصلية، وعدم زج أمريكا في الحروب المباشرة والجبهات الواسعة على غرار الحروب العالمية الأولى والثانية. فالحرب العالمية الثالثة كانت صامتة غير معلنة، حيث الحروب مشتعلة في أكثر من منطقة في الشرق الأوسط، في سوريا (حصل تغيير كبير في سوريا مع سقوط الأسد)، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان، ولبنان، وفلسطين، فيما عدا الحرب الروسية الأوكرانية. وكانت هذه الحروب تُحكم من بعيد ومن وراء الكواليس من قبل القوى الدولية الكبرى. وكانت نزعة أوباما واضحة في الشرق العربي المسلم، وهي ضرب المكون السني، كمكون متشدد وأصولي -كما ترى أمريكا- وخطر على إسرائيل وعلى أمنهم ومصالحهم في المنطقة. وفعلياً، تم إضعاف المكون السني في الشام والعراق، وإنعاش المكون الشيعي والسماح له بالتمدد، حتى أصبحت إيران تحكم بخمس دول عربية: العراق، سوريا، لبنان، اليمن، البحرين. ففي سوريا، مع بدء أزمتها في عام ٢٠١١، تم تدمير المناطق السنية في حرب داخلية مدمرة، وتهجير سكانها وتغيير ديمغرافيتها، حيث تم جلب الفصائل الطائفية من الخارج وحزب الله وتوطينهم في سوريا.

   فمعظم المهجرين من سوريا خلال الحرب كانوا من السُّنَّة، والذين قُدر عددهم بـ١٢ مليون، بين مهجّر ونازح. وسُلم العراق للشيعة بعد ٢٠٠٣. وفي نفس الوقت، وفي خضم الصراعات والحرب، أُنشئت خلافة سنية (دولة الخلافة الإسلامية) من الخط السني الممتد من الرقة إلى الموصل -٢٠١٤- وبينهما تعرضت منطقة سنجار الإيزيدية إلى عملية غزو منظم على غرار غزوات دولة الرسول في الحجاز إبان مرحلة الإسلام الأولى.

   هذه الخلافة كانت تحت سلطة داعش السني المتشدد الإرهابي، في مفارقة عجيبة ومدهشة في سياق الأحداث التي كانت تجري؟! ثم جاء القرار الدولي بإنهاء هذه الخلافة عبر تحالف دولي من الجو، وقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا والبيشمركة في إقليم كوردستان من الأرض في أعوام ٢٠١٨-٢٠١٩. وفعلاً، تم القضاء على دولة الخلافة الإسلامية المزعومة، على الأقل عسكرياً؟! وفجأة، تغيرت المعادلة رأساً على عقب مع تولي ترامب الحكم في المرة الثانية، وقبل ذلك أيضاً في نهاية عهده الأول وذلك بضرب الميليشيات المرتبطة بإيران وضرب النفوذ الشيعي الإيراني في المنطقة، والذي بدأ أولاً بتصفية قاسم سليماني، القائد الفعلي للدول الخمس آنفة الذكر، ثم إنهاء حماس وحزب الله، وإسقاط الأسد، وضرب الحوثيين، والعملية مستمرة بانتظار المعركة الأخيرة في العراق وإيران، في تكويعة مذهلة ومفاجئة لإعادة هيبة السنة الذين كانوا خطرًا على إسرائيل. فتولت هيئة تحرير الشام السلطة في سوريا، وهي منظمة سلفية أصولية متشددة كانت على قائمة الإرهاب الدولية، وأُعيد الاعتبار والدور للسعودية لتتزعم قيادة العالم العربي إلى جانب تركيا وحزب العدالة والتنمية الداعمتين للتيار الإسلامي السياسي السني في المنطقة. السؤال هنا: ما الذي تغير في المكون السني المتشدد المتمثل في الإسلام السياسي والجماعات المسلحة المتطرفة السلفية ليُعاد إليه الاعتبار ويصبح حملًا وديعًا بالنسبة إلى إسرائيل وأمريكا بعد أن كان ذئبًا شرسًا؟

   مع حركة الإصلاح الديني في السعودية على يد ولي العهد محمد بن سلمان، ومشروع إبراهام الإسرائيلي، والتطبيع العربي مع إسرائيل، تم تشكيل تحالف سني جديد معدّل إسرائيليًا ضمن خلطة عجيبة من المسكنات الأمريكية لتغيير وجه الشرق الأوسط، في إعادة تموضع عربي تركي جديد، يعيد أمجاد الإمبراطوريتين العربية والعثمانية ولكن بنكهة إيلون ماسك؟!

    في اعتقادي، هذه عملية التفاف كبيرة تستهدف البنية الفكرية للدين الإسلامي بعد ألف وأربعمائة سنة من التأسيس، لإعادة الهيكلة من جديد، تفكيك وتركيب بما يتلاءم مع التطور البشري الديني، وإنهاء مرحلة الأديان القديمة، وخاصة الأديان السماوية كظواهر تاريخية غير ثابتة، واعتبارها تراثًا بشريًا، وظهور ديانة جديدة: التكنولوجيا المتطورة، الذكاء الاصطناعي نموذجًا، الكفيلة بقلب المفاهيم الدينية القديمة رأسًا على عقب، عملية معقدة في التفكير والجدل، وخاصة مع محاولات اكتشاف الفضاء والبحث عن كواكب جديدة قابلة للحياة، أو فيها الحياة؟!

==========

صحيفة كوردستان – العدد 754

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…