إعادة التوازن الديمغرافي في غربي كوردستان ضرورة تاريخية وعدالة مؤجلة – 2/4

د. محمود عباس

 

منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، بدأ مشروع الاقتلاع الممنهج عبر سلسلة من السياسات الاستيطانية، وضعت أولى لبناتها في عهد الوحدة السورية–المصرية، حين شرع نظام الوحدة السورية – المصرية، نظام جمال عبد الناصر بترسيخ ما يمكن تسميته بـ “الاحتلال البيروقراطي” داخل الجغرافيا الكوردية. آنذاك، تم جلب عائلات عربية من مناطق مثل السلمية، وزُرِعت قسرًا في أراضي الكوجرات الكوردية، التي انتُزعت من أهلها دون أي تعويض، لا بحكم قضائي ولا عبر قانون، بل بفعل سلطة الدولة القاهرة وسيف أيديولوجيا شمولية لا تعترف بالاختلاف.

كانت هذه الخطوة بدايةً لمخطط أشمل وأخطر، لم يُستكمل حينها بسبب انهيار مشروع الوحدة، لكنه أُعيد إنتاجه لاحقًا في عهد البعث، وبوحشية أكثر فجاجة. فعبد الناصر لم يكن بريئًا من التمهيد للنكبة الديمغرافية؛ ففي عهده جرت جريمة حرق سينما عامودا، وجرت محاولات ممنهجة لتجويع المجتمع الكوردي، رغم طبيعته الزراعية والرعوية.

أُجبر الفلاحون الكورد على إرسال قطعانهم إلى منطقة جبل عبد العزيز بذريعة التنظيم، لكن الهدف الحقيقي كان واضحًا، تجويع المجتمع الكوردي، وخلخلة البنية السكانية، وخلط الهويات في معازل مُدجنة، تفقد الفرد انتماءه وتُصيّره مجرد تابع.

أما قانون “الإصلاح الزراعي”، الذي كان يُفترض أن يكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فقد تحوّل في كوردستان إلى وسيلة قمع اقتصادي ممنهجة، استُخدمت للاستيلاء على الأراضي الكوردية تحت ذريعة إعادة التوزيع. لكن الغاية الحقيقية كانت واضحة: إفقار الكورد، وتجريدهم من وسائل الحياة، وإخضاعهم اقتصاديًا تمهيدًا لتفكيكهم قوميًّا، وتحويلهم من أصحاب أرض إلى مجرّد تابعين محرومين من الحد الأدنى من الاستقلال الذاتي.

ولم تكن هذه السياسة معزولة أو آنية، بل كانت تمهيدًا لفصول أخرى من مشروع ديمغرافي متكامل، استُكمل لاحقًا بإصدار مرسوم “الحزام العربي”، أحد أخطر أدوات التغيير السكاني القسري، والذي تزامن مع حملات تهجير جماعي، وتوسيع مستوطنات الغمر العرب، وبناء عشرات القرى الاصطناعية على حساب القرى الكوردية المصادرة.

هكذا تحوّل المشهد الديمغرافي تدريجيًا إلى خريطة مختلّة، يُراد لها أن تطمس الملامح الكوردية التاريخية لجغرافية كوردستان الغربية، وتُعيد رسم الواقع السكاني وفقًا لمخططات السلطة العنصرية، بحيث تبدو الكثافة الكوردية مجرد استثناء في أرضها.

وكان ذلك هو الفصل الأخطر من هذه السلسلة، إذ تجلّى بشكل صارخ بين عامي 1974 و1975، حين أُعلن رسميًا عن تنفيذ مشروع “الحزام العربي”. ورغم أن الفكرة كانت مطروحة منذ عام 1965 في أروقة قيادة حزب البعث، إلا أن التنفيذ الحقيقي بدأ في 24 حزيران/يونيو 1974، مع بدء السلطات بالاستيلاء المنهجي على الأراضي الزراعية في الجزيرة العليا، وهي من أخصب مناطق غربي كوردستان، وتحويلها إلى مستوطنات عربية.

  بُنيت 40 مستوطنة خصيصًا لتوطين آلاف العائلات المستقدم من الرقة وحلب، ضمن شريط طوله نحو 300 كم وعرضه من 10 إلى 15 كم على امتداد الشريط الحدودي مع شمال كوردستان، الواقعة ضمن ما تسمى بالدولة التركية حالياً. لم يكن ذلك مجرد توزيع أراضٍ، بل عملية اقتلاع سكاني وتغيير لجغرافيا الذاكرة والانتماء.

 وتشير الدراسات إلى أن المشروع أدى إلى تهجير ما لا يقل عن 140,000 كوردي من قراهم الأصلية، وتوطين حوالي 40,000 عائلة عربية مكانهم، في واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري الصامت في التاريخ المعاصر لسوريا.

ولم تتوقف الكارثة عند هذا الحد، إذ لحقتها عمليات توسعة المستوطنات، واستُقدمت عائلات إضافية من الغمريين، إمّا تحت ذريعة “لمّ شمل العائلات”، أو بدعوى العمل الزراعي في المستوطنات الجديدة، ليصبح الوافدون بين ليلة وضحاها ملاكًا لأراضٍ كوردية تاريخية، فيما تحوّل أصحاب الأرض الأصليون إلى غرباء في وطنهم.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/5/2025م

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…