تيار مستقبل كردستان سوريا: بين أزمة الهوية وتحديات التجديد..؟

اكرم حسين 
في الذكرى العشرين لتأسيس تيار مستقبل كردستان سوريا، يجب ألّا يبدو الحديث مجرّد وقفة رمزية سنوية، بل أن يكون لحظة مراجعة جادّة، نُعيد فيها طرح الأسئلة الكبرى حول معنى المشروع وجدواه، وموقعه من التحولات العاصفة التي ضربت سوريا والمنطقة ،  ونسأل: هل لا تزال الفكرة التي انطلق منها التيار تملك مشروعية البقاء والاستمرار، أم أن الزمن قد تجاوزها؟
لكن، وقبل كل شيء، لا يمكن المرور على هذه الذكرى دون استحضار الظرف الذي وُلد فيه هذا المشروع. فقد جاء في لحظة سياسية  مُعقدة ، كان فيها العمل السياسي الكردي والسوري عموماً محاصراً، والنظام الأمني يفرض سطوته على كل من يفكر خارج منظومة الطاعة والولاء، بينما كانت المعارضة التقليدية تعاني من عجز بُنيوي، والخطاب الكردي يراوح بين الانغلاق القومي والتبعية الحزبية.
وسط هذا المشهد، أطلق الشهيد مشعل التمو مشروعه الجديد، الذي أراد من خلاله كسر الجدران، والخروج من القوالب الجاهزة، وتقديم نموذج مختلف للسياسة، يقوم على ربط القضية الكردية بالسياق الوطني العام، والإيمان بأن الحرية لا تتجزأ، وأن تحقيق الحقوق الكردية لا يمكن أن يتم خارج أفق بناء دولة ديمقراطية لكل السوريين.
وقد تميّز التيار منذ بداياته بجرأة الخطاب، ووضوح الرؤية، وتماسك البنية الأخلاقية التي تشكّلت حول شخصية التمو، لا باعتباره زعيماً تقليدياً، بل بوصفه مثقّفاً يحمل مشروعاً، ويملك الجرأة على الاشتباك مع الواقع من خارج أدواته المتعارف عليها. ولهذا، استطاع التيار أن يترك بصمته في سنوات قليلة، وأن يتقدّم إلى الصفوف الأولى، خصوصاً مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، حيث كان مشعل التمو من أوائل الشخصيات الكردية التي أعلنت انحيازها الكامل للثورة، ليس كحدث عابر، بل كتحوّل تاريخي يؤسس لعقد اجتماعي جديد في سوريا، ولذلك كان أحد أعضاء الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري 
لكن سرعان ما تعرّضت الروح النضالية والفكرية التي جسّدها التيار لضربة موجعة باغتيال مشعل التمو، وهو اغتيال لم يكن يستهدف مشعل فقط، بل الفكرة ذاتها، ومحاولة إفراغها من مضامينها الجوهرية.
فما بعد التمو، لم يكن كما قبله. فقد واجه التيارانقسامات داخلية عميقة، وصراعات شخصية وتنظيمية أضعفته تدريجياً، ودخل في حالة من التراجع السياسي، وغياب المبادرة، وضمور الحضور في الساحتين الكردية والسورية. كما انعكست التحولات الدراماتيكية في سوريا على بنيته، فبين صعود القوى العسكرية، وظهور سلطات الأمر الواقع، وتفكّك بنى المعارضة التقليدية واصطفافاتها الإقليمية، وجد التيار نفسه في موقع رمادي، لا هو فاعل في الساحة الكردية، ولا حاضر بجدارة في صفوف المعارضة ، وما زاد الأمر تعقيداً هو حالة الرضى و، عدم المراجعة الداخلية والنقد الذاتي، مما أدى إلى ترسيخ حالة الجمود، والتكرار، والانكفاء على الذات.
لكن، ورغم كل هذه التراجعات، فإن السؤال الجوهري الذي لا بد من طرحه في هذه الذكرى هو: هل لا يزال تيار مستقبل كردستان سوريا يمثّل حاجة حقيقية ؟ وهل ثمّة جدوى من بقائه واستمراره؟
الجواب، برأينا، نعم. لأن التيار، رغم كل ما أصابه، لا يزال يمثّل فكرة مركزية في الصراع السياسي السوري، وهي إمكانية بناء تيار سياسي كردي وطني ديمقراطي، لا يسقط في فخ العسكرة، ولا ينغلق في إطار قومي ضيق، ولا يتحول إلى تابع لأجندات إقليمية ، ولأن غياب هذا التيار سيترك فراغاً لا يمكن لأي تشكيل آخر أن يملأه، لا سيما أن المشاريع البديلة المطروحة إما سلطوية، أو مصلحية، أو غير متجذّرة في البنية الكردية السورية.
لكن تأكيد الحاجة لا يعني الرضى عن الواقع، بل يستوجب بالضرورة مراجعة نقدية شاملة، سياسية وتنظيمية وأخلاقية، لمجمل تجربة العشرين عاماً، وفي مقدمتها ما تلا اغتيال التمو من أخطاء وانزلاقات.
المطلوب هو نقد شجاع وعلني، لا يتردّد في تشخيص مكامن الخلل، من ضعف البنية التنظيمية، إلى غياب الخطاب المتجدد، مروراً بقلة الكفاءات، والأنانية الشخصية. كما أن التيار بحاجة إلى ضخ دماء جديدة، من الشباب والنساء، وتبنّي خطاب واقعي يجمع بين التمسّك بالمبادئ والانفتاح على أدوات العصر. كذلك لا بد من إعادة بناء العلاقة مع الحاضنة الاجتماعية الكردية، التي باتت مُحبطة من الأداء السياسي عموماً، وتنظر بعين الريبة إلى التنظيمات الكردية التي فشلت في تحقيق أي تقدّم ملموس في الحقوق والتمثيل.
إن تيار مستقبل كردستان مدعوّ اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة موقعه الطبيعي، عبر عقد مؤتمر -وطني -داخلي- ، تُعاد فيه صياغة الوثيقة السياسية بما يتلاءم مع المرحلة الجديدة، وتُحدّد فيه الأولويات، ويتم عبره انتخاب قيادة جديدة من الكفاءات، تتجاوز منطق الزعامات وتعمل بروح الفريق. كما أن عليه إعادة تموضعه في الساحة الوطنية السورية، من خلال الانخراط في النقاشات الجارية حول مستقبل الدولة السورية، والدفاع عن رؤية ديمقراطية تضمن الحقوق القومية للكرد، والعدالة الانتقالية، والحكم الرشيد. لأن مشروع التيار لم يكن مشروعًا كردياً محضاً، بل مشروعاً لسوريا كلها، ولهذا فإن التيار إذا أراد أن يكون وفيّاً لروحه التأسيسية، فعليه ألّا يكتفي بترداد الشعارات القديمة، بل أن يجتهد في تقديم مقاربات واقعية للحلول، وأن يساهم في بناء جبهة وطنية عريضة للحد من الأخطار التي يواجهها الكرد السوريون، نتيجة محاولات إعادة إنتاج النظام القديم بأشكاله الجديدة.
لقد أثبتت تجربة العقدين الماضيين أن التيارات التي لا تُجدد نفسها، ولا تُنصت إلى متغيرات الواقع، ولا تُفسح المجال للجيل الجديد، سرعان ما تتحوّل إلى عبء على ذاكرتها، بدلاً من أن تكون رافعة لمستقبلها. أما التيارات التي تملك الجرأة على المراجعة، وتتّسم بالتواضع أمام أخطائها، وتستثمر في طاقات الناس لا في خوفهم، فهي التي تستطيع البقاء والاستمرار، حتى ولو تأخّرت لحظتها.
واليوم، وبينما تدخل سوريا مرحلة جديدة، على صعيد الدولة والمجتمع، وتتبدّل فيها الاصطفافات، وتُطرح على الكرد أسئلة المصير والمشاركة والهوية، فإن تيار مستقبل كردستان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستعيد المبادرة، ويُعيد بناء ذاته كتيار ديمقراطي وطني، أو أن يتحوّل إلى جزء من أرشيف التجربة السياسية الكردية، التي تراكمت فيها الكثير من النوايا الحسنة وانتهت إلى نتائج سيئة.
إن الذكرى العشرين يجب ألّا تكون عبارة عن لحظة عابرة، بل أن تكون لحظة تأسيس ثانية، تُبنى فيها الرؤية الجديدة على أنقاض الأخطاء القديمة، ويُستعاد فيها المعنى الأول الذي وُلد لأجله التيار: بأن نكون أوفياء لفكرة الحرية، وأن نُعيد الاعتبار للسياسة كفعل من أجل الإنسان.
وفي هذا، يمكن لتيار مستقبل كردستان أن يبرّر وجوده، لا كتشكيل سياسي تقليدي، بل كمشروع معرفي – سياسي، لم يُستنفذ بعد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…

محي الدين حاجي عند تفكيك المشهد السياسي والأيديولوجي للحركة الكردية العابرة للحدود، يتجلى بوضوح وجود مثلث تحليلي تتوزع فيه الأدوار بدقة بين ثلاثة أطراف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمركز ثقل عقائدي، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كذراع حركي وتطبيقي في سوريا، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) كواجهة سياسية وبرلمانية داخل تركيا. تتحرك هذه الأطراف الثلاثة وفق هندسة فكرية صاغها زعيم…

د. محمود عباس على مدى عقود، جرى تقديم النائب الكوردي حسن خيري بك في جانب واسع من الخطاب السياسي والثقافي الكوردي بوصفه أحد النماذج الجاهزة لـ«الخيانة»، حتى اختُزل الرجل كله في موقف واحد اتخذه في واحدة من أكثر لحظات التاريخ الكوردي حساسية وتعقيدًا. ومع مرور الزمن، تحولت التهمة إلى شبه مسلّمة تُردد أكثر مما تُناقش، وكأن…