إضاءة تحليلية على منشور الأستاذ شاهين الأحمد بعنوان “مشاغبة صباحية”

شيرزاد هواري
الأستاذ شاهين الأحمد كعادته يطرح في منشوره “مشاغبة صباحية” 
تأملات عميقة حول المرحلة الانتقالية في سوريا بعد سقوط نظام البعث في 8 ديسمبر 2024، ويسلط الضوء على الآمال والتطلعات التي يحملها الشعب السوري لمستقبل مختلف. منشوره ينطوي على تساؤلات جوهرية ومشروعة تتعلق بشكل الدولة السورية الجديدة، طبيعة نظام الحكم، العلاقة بين الدين والسياسة، دور المرأة، هوية الدولة، والقضية القومية للشعب الكردي. هذه الأسئلة ليست مجرد استفسارات، بل هي دعوة للحوار العميق حول أسس بناء سوريا المستقبلية. فيما يلي رد تحليلي يعكس قراءة للمنشور مع الإجابة على تساؤلاته بطريقة موضوعية وشاملة.تحليل المنشورالمنشور يعبر عن مزيج من التفاؤل الحذر والقلق المشروع. 
الأستاذ شاهين يبدأ بإشارة إلى التضحيات الجسيمة التي قدمها السوريون، مما يعكس وعياً بثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الإدارة الانتقالية. استخدامه لعبارة “سوريا الجديدة” يحمل دلالات رمزية قوية، حيث يعبر عن رغبة في قطع نهائي مع إرث البعث الذي ارتبط بالقمع والاستبداد. الأسئلة التي يطرحها ليست موجهة فقط إلى قادة الإدارة الانتقالية، بل هي أيضاً دعوة للشعب السوري للتفكير النقدي في المستقبل.
المنشور يعكس أيضاً حساسية تجاه قضايا التنوع الثقافي والقومي في سوريا، خاصة من خلال الإشارة إلى القضية الكردية، مما يشير إلى وعي الكاتب بأهمية إشراك جميع مكونات الشعب السوري في صياغة المستقبل. كما أن إثارته لموضوع العلاقة بين الدين والدولة ودور المرأة تظهر رؤية تقدمية تهدف إلى ضمان بناء دولة عادلة وشاملة.
الرد على الأسئلة المطروحةللإجابة على الأسئلة التي طرحها الأستاذ شاهين، يمكننا تقديم تحليل مبني على الواقع السوري الحالي والتحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية، مع الأخذ بعين الاعتبار التطلعات الشعبية:شكل الدولة السورية الجديدة وطبيعة نظام الحكم
الدولة السورية الجديدة يجب أن تكون قائمة على مبادئ الديمقراطية والتعددية، مع نظام حكم يعتمد على دستور يضمن الفصل بين السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية) ويحمي حقوق جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية. نظام الحكم قد يكون إما جمهورياً مركزياً مع لامركزية إدارية واسعة، أو نظاماً فيدرالياً يعكس التنوع السوري، وهذا يتطلب حواراً وطنياً شاملاً يشارك فيه ممثلو جميع المكونات. 
الانتقال الناجح يعتمد على تجنب تكرار نموذج الاستبداد المركزي الذي ميز نظام البعث.الرؤية السياسية لقضايا مكونات الشعب السوري والقضية القومية الكردية 
الرؤية السياسية يجب أن ترتكز على مبدأ المواطنة المتساوية، مع الاعتراف بالتنوع الثقافي والقومي للشعب السوري. بالنسبة للقضية الكردية، فإن الحل يكمن في ضمان الحقوق الثقافية والسياسية للشعب الكردي ضمن إطار الدولة السورية، بما في ذلك الحق في التعليم باللغة الكردية، التمثيل السياسي العادل، والمشاركة في إدارة المناطق ذات الأغلبية الكردية. أي تجاهل لهذه القضية قد يؤدي إلى استمرار التوترات وإضعاف وحدة الدولة.العلاقة بين الدين ومؤسسات القرار السياسي
العلاقة بين الدين والدولة هي واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياق السوري. الدولة السورية الجديدة يجب أن تكون مدنية، مع فصل واضح بين الدين والسياسة، لضمان عدم استغلال الدين لتبرير القمع أو التمييز. ومع ذلك، يجب احترام الهوية الدينية والثقافية للمجتمع السوري، مع ضمان حرية المعتقد وحماية حقوق الأقليات الدينية.دور المرأة ومشاركتها في القرار السياسي
المرأة السورية لعبت دوراً محورياً في الثورة والتضحيات، وبالتالي يجب أن يكون لها دور قيادي في بناء الدولة الجديدة. ينبغي ضمان مشاركتها في القرار السياسي من خلال تخصيص حصص تمثيلية في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، ودعم سياسات تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً. أي رؤية لا تضع المرأة في صلب العملية السياسية ستكون ناقصة.هوية الدولة السورية
هوية الدولة السورية يجب أن تكون شاملة، تعكس التنوع الثقافي والقومي والديني للشعب السوري. بدلاً من فرض هوية قومية أو دينية ضيقة، يمكن أن تكون الهوية السورية مبنية على مبادئ المواطنة، العدالة، والمساواة. 
هذا يتطلب صياغة دستور يعترف بالتنوع كقوة موحدة، وليس كعامل تقسيم.
هل سوريا الجديدة مختلفة حقاً عن سوريا البعث؟
الإجابة على هذا السؤال تعتمد على مدى التزام الإدارة الانتقالية بالشفافية والشمولية في اتخاذ القرارات. سوريا البعث كانت تتميز بالمركزية الشديدة، القمع، والتهميش المنهجي لفئات واسعة من الشعب. 
سوريا الجديدة ستكون مختلفة إذا نجحت في بناء مؤسسات ديمقراطية، احترام حقوق الإنسان، وإشراك جميع المكونات في الحوار الوطني. أي محاولة لإعادة إنتاج نظام استبدادي تحت مسميات جديدة ستكون خيانة لتضحيات السوريين.
وفي الختام منشور الأستاذ شاهين الأحمد هو دعوة للتفكير النقدي والمسؤول في مرحلة تاريخية حاسمة. الأسئلة التي طرحها ليست مجرد تساؤلات، بل هي خريطة طريق لبناء سوريا عادلة ومزدهرة. الإدارة الانتقالية مدعوة للإجابة على هذه الأسئلة ليس فقط بالكلمات، بل بالأفعال التي تعكس التزاماً حقيقياً بتحقيق أحلام الشعب السوري. صباحكم أمل وتفاؤل، كما تمنى الأستاذ شاهين، ولكن الأمل يحتاج إلى عمل دؤوب لبناء دولة تستحق تضحيات أبنائها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…