نداء مفتوح إلى سعادة السفير الأمريكي في أنقرة، والمبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا، بشأن العدالة الغائبة وحق الشعب الكوردي المغيّب

د. محمود عباس

 

سعادة السفير توم باراك المحترم

مع كامل الاحترام والتقدير، إن بيانكم الأخير، الذي قُدِّم بوصفه تعبيرًا عن نوايا طيبة تجاه المنطقة، يُعيد إحياء المنطق ذاته الذي تأسس عليه اتفاق سايكس-بيكو، وإنْ بصيغة دبلوماسية أكثر نعومة. فالدعوة إلى “حلول إقليمية”، كما وردت في خطابكم، لا تمثّل في جوهرها سوى إعادة إنتاج لأساليب الفرض الخارجي، تمت إعادة صياغتها لتتلاءم مع مفردات الجغرافيا السياسية المعاصرة. ولعل كان من الأجدر الإشارة بوضوح إلى أن الاتفاق المذكور لم “يُقسّم سوريا والمنطقة الأوسع”، بل قسّم كوردستان والمنطقة بأسرها، بينما كانت سوريا، في صورتها الحديثة، دولة مصطنعة وُلدت على حساب جزء من الجغرافيا الكوردية، وتم توسيع حدودها اصطناعيًا. إلا إذا كان المقصود بـ “المنطقة الأوسع” هو كامل جغرافية كوردستان، وبـ “سوريا” تلك التي كانت تشمل لبنان وأجزاء من فلسطين تحت الهيكل الانتدابي. كما كان من الأولى أن يقال إن مأساة الشرق الأوسط وُلدت من تقسيم غير عادل، خصوصًا تقسيم كوردستان بين أربع دول تشكّلت على أنقاضها، لا أن يُقال إن (مأساة سوريا وُلدت من الانقسام) بما يحمل من اختزال مخلّ لطبيعة المأساة التاريخية الأوسع.

ورغم المظهر الرصين لهذا الطرح، إلا أنه يشكّل طعنة جديدة لضمير الإنسانية، بل هو، في جوهره، تكريس للظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الكوردي، ذلك الشعب الذي كان، وما زال، الأكثر تضررًا من خيانة سايكس-بيكو، والمستبعَد الأكبر من موائد الدول. فالكورد ليسوا هامشًا في خريطة الشرق الأوسط، بل أمّة ذات أرض واضحة المعالم، وعدد سكان يضاهي، بل ويفوق، شعوبًا مُنحت دولًا بقرارات استعمارية.

لقد مضى قرن من الزمن، وما زالت المشاهد تتكرر، تُرسم خرائط المصير الإقليمي دون إشراك الشعوب الأكثر تهميشًا. ومن المؤلم أن نُقِرّ بأن الإنسانية لم تتجاوز بعد أمراضها القديمة، ولا تزال المصالح تطغى على المبادئ، كما فعلت بريطانيا وفرنسا حين قسّمتا المنطقة وتجاهلتا حق الكورد في تقرير مصيرهم.

بيانكم، وإن اتّسم بنبرة دبلوماسية، تجاهل الكورد تمامًا. وهذا التجاهل لا يُمكن اعتباره سهوًا، بل هو موقف سياسي متعمَّد. فالشعب الكوردي لا يطلب امتيازات، بل يطالب بحق أساسي نصّت عليه مبادئ الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسون) في نقاطه الأربع عشرة، حق الشعوب في تقرير مصيرها. وبالتالي، حين يُعاد تقديم النظام القائم وكأنه انطلاقة جديدة، فأنتم في الواقع تُكرّسون الظلم القديم بلغة توافقية جديدة.

إن كانت رؤيتكم للسلام لا تتضمّن العدالة للكورد، فهي ليست سلامًا، بل صمتًا مغلفًا بعبارات براقة. تتحدثون عن الكرامة والوحدة، دون أن تمنحوا الشعب الكوردي شيئًا من هذا أو ذاك، تدينون الحدود المصطنعة، لكنكم تُعيدون شرعنتها بتجاهلكم للأمة التي دفعت أغلى الأثمان نتيجة تلك الحدود.

والأشد إثارة للاستغراب والقلق، أن خطابكم منح، وبصورة غير مباشرة، شرعية لقوى لا تزال تحمل إرث الإرهاب لتقود سوريا ما بعد الأسد، بينما يُقصى الكورد، الذين قاتلوا إلى جانب التحالف الدولي وقدّموا آلاف الشهداء في مواجهة داعش، من المشهد تمامًا، بلا ذكر ولا اعتراف.

فكيف يُمكن أن تُمنح مفاتيح سوريا الجديدة لأطراف ساهمت في فوضاها، ويُقصى أولئك الذين شكّلوا ركيزة الشراكة الحقيقية في الحرب على الإرهاب؟

من هنا، نطرح السؤال بوضوح، هل سيكون هذا القرن قرنًا للعدالة، أم مجرد نسخة أكثر أناقة من المحو التاريخي؟

الشراكة الحقيقية لا تبدأ بالإنكار، والكرامة لا تُبنى على قواعد الإقصاء.

مع التقدير

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

26/5/2025م

===========

 

(نص منشور السفارة)

 

 

تصريح

السفير توم باراك

USAMB Turkiye

منشور على منصة إكس،

Ambassador Tom Barrack

@USAMBTurkiye

 

(قبل قرن من الزمن، فرض الغرب الخرائط، والانتدابات، والحدود المرسومة بقلم رصاص، والحكم الأجنبي. اتفاق سايكس-بيكو قسّم سوريا والمنطقة الأوسع لتحقيق مكاسب إمبريالية—not peace—وليس من أجل السلام. هذا الخطأ كلّف أجيالاً، ولن نكرره مجددًا.

لقد انتهى عهد التدخل الغربي. المستقبل بات ملكًا للحلول الإقليمية، وللشراكات، ولديبلوماسية مبنية على الاحترام. كما شدّد الرئيس ترامب في خطابه يوم 13 مايو في الرياض:

“ولّت الأيام التي كان فيها المتدخلون الغربيون يطيرون إلى الشرق الأوسط لإلقاء المحاضرات حول كيفية العيش، وكيفية إدارة شؤونكم.”

مأساة سوريا وُلدت من الانقسام، أما نهضتها فيجب أن تأتي من الكرامة، والوحدة، والاستثمار في شعبها. وهذا يبدأ بالحقيقة، والمحاسبة، والعمل مع المنطقة—not around it—وليس من حولها.

نحن نقف إلى جانب تركيا، ودول الخليج، وأوروبا—وهذه المرة ليس بجنود ومحاضرات، أو حدود وهمية، بل كتفًا إلى كتف مع الشعب السوري نفسه. مع سقوط نظام الأسد، بات الباب مفتوحًا للسلام—ومن خلال رفع العقوبات، نُتيح للشعب السوري أخيرًا فتح ذلك الباب واكتشاف طريق نحو الازدهار والأمن من جديد.)

السفير توم باراك

USAMB Turkiye

25/5/2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…