الكورد والأوطان المزيفة

د. محمود عباس

يُجيد أعداء الشعب الكوردي هندسة الخداع، فيصنعون كأسًا فارغة، يضعونها أمامه، ويطالبونه أن يشرب منها الماء. وحين يرفض، ينهالون عليه باتهامات الجحود والتمرّد، وحين يتصنّع الشرب اتقاءً للصراع، يُمعنون في السخرية “انظروا كم هو غبي، لا يدرك أنها فارغة!” وإن أشار إلى أن الكأس لا تحتوي سوى الفراغ والصدأ، يتّهمونه بناكر الجميل. نتحدث عن الدول التي تعرض ذاتها على إنها أوطان. ودساتيرها الصدأة بمضامينها العنصرية وإلغاء الكورد، والفارغة من القيم الوطنية والإنسانية، فعند رفضها يتهموننا بالانفصال والعنصرية وخيانة ما يسمونه “الوطن الجامع”، ذلك الوطن الذي لم يمنحه سوى الإقصاء والقمع والتنكيل.

هذه هي معادلة الطغيان الممنهج، أن يُفرض عليك الخضوع باسم الوحدة، وأن تُطلب التضحية دون مقابل، وأن تُجبر على الصمت بينما تُنهب جغرافيتك وتُطمس هويتك.

لقد أتقن الكورد لعبة الصبر والمواجهة بالحجة، ولم يُنجرّوا إلى المتاهات التي نصبها لهم خصومهم عبر قرنٍ من التزييف القومي والتضليل الإعلامي، ظلّوا يُنادون بالحق، يرفعون صوتهم بالحوار لا بالرصاص، إلا عندما فرض عليه، حتى وحينها رفعها دفاعا عن الذات وليس من باب التدمير والاعتداء، واليوم ورغم امتلاكهم القوتين الداخلية والخارجية، يطالبون بسوريا عادلة لا سوريا مزوّرة بثقافة الأكثرية العددية. لكن خصومهم لا يريدون شركاء، بل يريدون شعوبًا مسلوبة اللسان، صامتة في وجه القهر، ومرتهنة لفتات الدساتير الجوفاء.

ما يُقدّمه الكورد ليس مشروع انفصال، بل مشروع إعادة تعريف للوطن، وطن يتّسع لكل مكوناته، لا وطن يُبنى على نفيهم، لكنهم، في عرف المتسلطين، قومٌ لا يُقبل منهم سوى التنازل، أما المطالبة بحق تقرير المصير، ضمن وطنٍ عادل، فهي تُعد “نزعة انفصالية”، بينما الحقيقة أن من يسعى لتكريس المركزية القومية والدينية هو من يغذي مشاريع التقسيم والتفكك.

والدليل على ذلك واضح في تسريبات “خريطة المناطق الأمنية” التي وُضعت لسوريا ما بعد التسوية، تلك التي تُقصي الكورد من امتدادهم القومي والجغرافي في عفرين وجبل الكورد. وفي الجنوب السوري وبعملية مماثلة، تُقطع درعا عن عمقها المذهبي القومي وتُربط بالسويداء، في مشهد تقسيمي مموّه، يتم بها الطعن في مطالب المكون الدرزي. تقسيمات مشوهة كارثية لا تضعه الخرائط فقط، بل العقلية التي تديرها، التي ترفض بناء سوريا عصرية مبنية على النظام الفيدرالي اللامركزي والتي يجب ان يتم بها الحفاظ على حقوق مكونات الوطن.

وفي قمة عربية، ترأسها رئيس كوردي واستضافها وزير خارجية كوردي، كان من المنتظر أن تُصحح البوصلة السياسية تجاه الكورد، لا أن تُشهر الطعنات في ظهورهم. لكن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لم يتردد في تحذير واضح مما سماه “المماطلة في تنفيذ الاتفاق مع قسد”، زاعمًا أنها “تغذي النزعة الانفصالية”. وهي تهمة صيغت بعبارات دبلوماسية مزيّفة، لكنها تحمل من السمّ ما يكفي لنسف كل ادعاءات الشراكة الوطنية.

أي وطنية هذه التي تُجيز لوزير أن يهدد طرفًا وطنيًا ساهم في دحر داعش، وساهم في الحفاظ على وحدة الجغرافيا السورية، بينما يتواطأ مع مشاريع تقسيم خبيثة برعاية إقليمية؟ وأي “انفصال” يرتكبه من يطالب بأن يُذكر اسمه في الدستور لا في ملحقاته، ويُحترم تاريخه لا يُمحى، ويُخاطب بلغته لا يُمنع منها؟

المفارقة المؤلمة أن تلك التصريحات المهينة صدرت في حضرة قيادة كورديّة عليا في القمة، دون أن يتحرك فيها إحساس قومي أو وطني. فحتى “وطنية” رئيس المؤتمر ووزير خارجيته، وكلاهما كورديان، لم تهتزّ أمام الاتهامات، ولم تردّ على الشيباني، ولم تُبدِ أدنى انحياز لكرامة شعبهما. وكأنّ الجلوس على الكرسي الإقليمي أو العربي يتطلّب خلع الهويّة الكوردية على أعتاب البروتوكول.

إن من يطلب من الكورد أن يشربوا من الكأس الفارغة مرة أخرى، عليه أن يوقن بأننا لم نعد ذلك الشعب الذي يُخدع بالمفردات العاطفية والوطنية المزيفة.

نحن أبناء ذاكرةٍ مثقلة بالخديعة، وشعبٌ أدرك أخيرًا أن الكأس الفارغة لا تُملأ بالرجاء، بل تُكسر على رؤوس من صاغوها.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

17/5/2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…

قهرمان مرعان آغا يحدث هذا كله، في زمن الرئيس الأمريكي ترامب ، أَنْ تتآمر دولتان (تركيا- سوريا) في مواجهة حارتين ( كورديتين) في مدينة (حلب – الشيخ مقصود و الأشرفية) . تآمر تركيا كان بادياً في الشراكة من خلف الأبواب من خلال وجود وزير خارجيتها في باريس مع ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق ، يوم 6 ك٢ – يناير 2026…

بعد التحية والتقدير أتوجه إليكم بصفتكم وكذلك فيما لو كنتم تمتلكون قرار الحرب والسلم .. وهذا ليس من باب الطعن أو التشكيك وانما بسبب المآل السوري الذي لم يعد أحدا فيه يمتلك إرادة الفعل والقرار فضلا عن تفريخ أمراء الحرب وتجار الدم ومرتزقة الأجندات في كل الجغرافيا السورية والذين لن يتوانو عن ارتكاب الفظائع فيما لو شعروا بأن البساط سينسحب…