النظام الإيراني ليس من الشعب ولا للشعب!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

 

تقف إيران عند واحدة من أكثر لحظات تاريخها المعاصر حساسية وتحديدًا. لقد نظام الملالي الحاكم في إيران، خاصة في السنوات الأخيرة، عن وجهه الحقيقي أكثر من أي وقت مضى. هذا النظام، الذي بُني منذ البداية على أسس القمع، والحرب، وتصدير الإرهاب، والتطرف الديني، ونفي أي شكل من أشكال الحرية وحقوق الإنسان، يتمسك الآن بهذه السياسات بشدة أكبر. لماذا؟ لأنه في أضعف نقاط حياته، ويشعر بخطر الإطاحة به أكثر من أي وقت مضى. 

لجأ نظام ولاية الفقيه، من أجل بقائه، إلى أداتين رئيسيتين: إشعال الحروب في الخارج والقمع في الداخل. الحرب، في قاموس هذا النظام، تعني تصدير التطرف، والإرهاب، والتفجيرات، والتدخل العلني والخفي في شؤون دول أخرى، ودعم القوى الوكيلة مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، والميليشيات المأجورة في سوريا. تُموَّل هذه الأعمال من موارد الشعب الإيراني؛ ذلك الشعب الذي يعيش في فقر، وغلاء، وبطالة، وقمع. 

من ناحية أخرى، يستمر القمع داخل إيران بكل شدة. الاعتقالات الواسعة، والتعذيب، والإعدامات دون محاكمات، وقمع الاحتجاجات الشعبية، وفرض الرقابة على وسائل الإعلام، وقمع النساء، والأقليات، والناشطين المدنيين، ليست سوى جزء من هذا الواقع. لكن هناك جانبًا من هذا القمع لا يُسلَّط عليه الضوء كثيرًا، وهو العمليات النفسية والدعائية. يسعى النظام إلى شيطنة معارضيه، خاصة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، من خلال الافتراءات والأكاذيب والدعاية المسمومة، محاولًا تشويه صورة معارضيه الحقيقيين في الرأي العام، وتصويرهم كطائفة أو إرهابيين أو تابعين، لتقويض شرعية المقاومة. 

في المقابل، يقدم هذا النظام ووسائل إعلامه التابعة، وحتى عملاؤه المزروعون في وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية في الخارج، إيران كدولة “آمنة، مستقرة، قوية، وديمقراطية”. صورة كاذبة تمامًا. فإيران اليوم ليست فقط خالية من العدالة والحرية والأمان، بل هي واحدة من أخطر الأماكن بالنسبة للمواطنين المحتجين، والصحفيين، والنساء، ونشطاء حقوق الإنسان.

على الرغم من كل هذه الضغوط، لم يستسلم الشعب الإيراني أبدًا. فالانتفاضات الواسعة في أعوام2009 و2017 و2019 و2022 تشهد بوضوح على عزم الشعب لتغيير مصيره والإطاحة بالديكتاتورية. ما يخيف النظام أكثر من أي شيء آخر هو التنظيم والاستمرارية في المقاومة الشعبية؛ مقاومة يقودها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كرائد لها، وتُشكل النواة الثورية داخل البلاد قلبها النابض.

على الصعيد الدولي، وصلت سياسة الاسترضاء تجاه هذا النظام إلى طريق مسدود. سنوات من الحوار، والتنازلات، والاتفاقيات المؤقتة، والتقاعس عن العمل، لم توقف تطوير مشاريع النظام الخطيرة، خاصة برنامجه النووي، بل منحته فرصة لاستعادة قوته وتعزيزها. اليوم، لم يعد هناك أي مبرر لاستمرار هذه السياسة الفاشلة.

على العالم الحر أن يختار بوضوح: إما الوقوف إلى جانب نظام يُعد مصدر الاضطراب، وراعي الإرهاب العالمي، وناشر التطرف، ومنتهك صارخ لحقوق الإنسان، أو الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني ومقاومته التي تسعى إلى الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتعايش مع العالم.

إن الكشف المتكرر من قبل المقاومة الإيرانية عن الأنشطة النووية السرية لنظام الملالي الحاكم، بما في ذلك المواقع السرية في نطنز، وفردو، وبارجين، وآباده، لعب دورًا حيويًا في توعية المجتمع الدولي. بينما يحاول مسؤولو النظام في كل مرة نفي الواقع بالكذب، نجحت افشاءات المقاومة في إيقاظ الضمير العالمي.

لقد حان الوقت للدول الحرة أن تتخلى عن الرهان على المفاوضات غير المثمرة ووهم إمكانية إصلاح هذا النظام، وأن تقدم دعمًا عمليًا للشعب الإيراني ومقاومته. إدراج قوات الحرس التابعة لخامنئي في قوائم المنظمات الإرهابية، والتسليم بالحق المشروع لمقاومة الشعب الإيراني، ودعم البديل الديمقراطي المتمثل في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، هي خطوات ضرورية في الاتجاه الصحيح.

عالم خالٍ من النظام الديني الحاكم في إيران سيكون عالمًا أكثر أمانًا وسلامًا وإنسانية. إيران حرة، علمانية، ديمقراطية ومزدهرة ليست فقط حلم الشعب الإيراني، بل هي رغبة قلبية للعديد من الأحرار في جميع أنحاء العالم. رغبة تم التعبير عنها بوضوح في منهاج السيدة مريم رجوي.

نعم، إيران الغد حرة؛ وهذا وعد يضمنه الشعب، والتاريخ، والمقاومة.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…