مقالات

المرسوم 13: اعتراف بلا ضمانات كافية؟ الحلقة الأولى من سلسلة «المرسوم 13 والقضية الكردية في سوريا»

عدنان بدرالدين

ليست المسافة بين الاعتراف بحق وإمكان ممارسته تفصيلًا قانونيًا. إنها، في مجتمعات عاشت طويلًا تحت سلطات تملك تفسير الحقوق وتعطيلها، جزء من معنى الاعتراف نفسه. فقد تعلن الدولة أن لغةً ما تنتمي إلى هويتها الوطنية، بينما يبقى فتح صف لتعليمها مرهونًا بقرار إداري. وقد تقر بالمساواة، لكن المواطن الذي يواجه التمييز لا يجد جهة مستقلة تنصفه. وقد تصحح ظلمًا تاريخيًا، من دون أن تؤسس حماية تمنع تكراره.

من هذه الزاوية ينبغي قراءة المرسوم الرئاسي السوري رقم 13، الصادر في 16 كانون الثاني/يناير 2026 بشأن المواطنين الكرد في سوريا. فهو يتضمن أحكامًا تستحق النظر في قيمتها وآثارها، لكنه يثير أيضًا أسئلة لا يجيب عنها مجرد صدوره: ما طبيعة الاعتراف الذي يقدمه؟ وما مرتبته القانونية؟ ومن يضمن تنفيذه؟ وهل يستطيع أصحاب الحقوق الاحتجاج به على السلطة نفسها، أم تظل ممارستها متوقفة على استمرار توجهها السياسي؟

هذه الأسئلة ضرورية لتقييم وصف المرسوم بأنه «فرصة تاريخية». فالفرصة احتمال سياسي يحتاج إلى شروط كي يتحقق، بينما الحق يحتاج إلى قاعدة واضحة ومؤسسات تحميه. والخلط بين الاثنين قد يجعل الأمل بديلًا عن فحص الضمانات.

ما الذي يقرّه المرسوم، وما حدود هذا الإقرار؟

يقر المرسوم، وفق نصه المنشور لدى وكالة سانا، بأصالة الوجود الكردي ضمن الشعب السوري، ويجعل الهوية الثقافية واللغوية الكردية جزءًا من الهوية الوطنية. كما يلزم الدولة بحماية التنوع، ويمنح الكردية صفة لغة وطنية، ويسمح بتدريسها ضمن نطاق وشروط محددة. ويتناول معالجة الحرمان من الجنسية الناجم عن الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962، ويقر نوروز عطلة رسمية، ويحظر التمييز على أساس عرقي أو لغوي

لا يصح التعامل مع هذه الأحكام كما لو أنها لا تعني شيئًا. فالاعتراف بالهوية وحمايتها في نص رسمي يمنح المطالبة بالحقوق سندًا إضافيًا. ومعالجة انعدام الجنسية يمكن أن تؤثر مباشرة في حياة من حُرموا الوثائق والحقوق المرتبطة بها. لكن القيمة الفعلية لهذه الأحكام تتوقف على نطاقها وتنفيذها، وعلى علاقتها بما كان قائمًا قبل صدورها.

فالمرسوم يعترف بالمواطنين الكرد وخصوصيتهم الثقافية واللغوية، ولا ينظم وضعهم بوصفهم جماعة قومية ذات حقوق سياسية محددة. لا يقرر صيغة للتمثيل، أو صلاحيات لإدارة الشؤون المحلية، أو مشاركة مضمونة في العملية الدستورية. وهو، بهذا المعنى، يقدم اعترافًا جزئيًا، لكنه لا يعيد بمفرده تعريف العلاقة السياسية بين الدولة والكرد.

كذلك، لا تحمل جميع مواده الطبيعة القانونية نفسها. فالإقرار بالهوية يضع مبدأ عامًا، بينما منح الجنسية يتطلب إجراءات لتحديد المستفيدين وتسجيلهم. وإتاحة تدريس اللغة تحتاج إلى مدارس ومناهج ومدرسين وقرارات تنفيذية. أما حظر التمييز فتتوقف فعاليته على وضوح الأفعال المحظورة وسبل إثباتها ومواجهتها. وكلما انتقلنا من الإعلان إلى الممارسة، ظهرت أهمية المؤسسات التي يتوقف عليها التنفيذ.

الجنسية بين تصحيح الظلم وحدود الاختصاص

تستحق المادة الرابعة من المرسوم اهتمامًا خاصًا؛ فهي تنص على إلغاء القوانين والتدابير الاستثنائية المترتبة على إحصاء الحسكة عام 1962، وتقرر منح الجنسية للمقيمين في البلاد من أصول كردية، بمن فيهم مكتومو القيد. ويثير اشتراط الإقامة على الأراضي السورية سؤالًا عن شمول من اضطروا إلى مغادرة البلاد بسبب التهجير أو اللجوء؛ إذ ينبغي ألا تتحول مغادرتهم القسرية إلى سبب لاستمرار حرمانهم من الجنسية. ومع أهمية هذه المعالجة لظلم امتدت آثاره عبر أجيال، يبقى سؤال الصلاحية القانونية التي يستند إليها الرئيس في إقرارها.

لا يتعلق السؤال بكون الرئيس انتقاليًا وحده. فالصفة الانتقالية لا تمنعه تلقائيًا من منح الجنسية، ولا تمنحه صلاحية غير محدودة لتغيير القوانين. الذي يحدد ما يستطيع فعله هو الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة.

ويجيز قانون الجنسية السوري الصادر عام 1969 منح الجنسية بمرسوم وفق شروط وإجراءات محددة. فإذا استخدم الرئيس هذه الصلاحية ضمن حدود القانون، فإنه ينفذ حكمًا قائمًا. أما إذا ألغى شروطًا أو قوانين، أو أنشأ مسارًا لمنح الجنسية يتجاوز الأحكام النافذة، فإن الإجراء يصبح متصلًا بتغيير التشريع نفسه. فالقانون قد يمنح الرئيس صلاحية منح الجنسية وفق أحكامه، دون أن يمنحه صلاحية تغيير تلك الأحكام أو إلغاء قوانين أخرى. وكون الإجراء يصحح ظلمًا تاريخيًا لا يحسم مسألة الاختصاص؛ إذ يظل تعديل التشريع محتاجًا إلى نص يجيز للرئيس القيام به، أو إلى قانون يصدر عن الجهة المختصة بالتشريع.

الفارق هنا لا يتعلق بعدد المستفيدين؛ فقد يشمل تنفيذ قانون قائم آلاف الأشخاص. إنما يتعلق بما يفعله القرار: هل يطبق القواعد النافذة، أم يستبدل بها قواعد جديدة؟ وتبرز هذه المسألة في المرسوم 13 لأن مادة الجنسية تجمع بين منحها لفئة واسعة وإلغاء قوانين وتدابير سابقة.

وبما أن الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025 يسند السلطة التشريعية إلى مجلس الشعب، ويجيز للرئيس إصدار اللوائح والقرارات وفق القوانين، فإن هذا الإلغاء يحتاج إلى أساس قانوني واضح يثبت صلاحية الرئيس للقيام به. ولا تحسم عبارة «بناءً على أحكام الإعلان الدستوري» المسألة وحدها؛ إذ يلزم تحديد الحكم الذي يجيز اتخاذ إجراء بهذه الطبيعة.

لا يعني ذلك الجزم ببطلان المادة، لكنه يمنع التعامل مع سلامتها الدستورية بوصفها محسومة قبل استكمال فحص أساسها القانوني. والأمتن لحماية المعالجة هو تثبيتها بتشريع يصدر عن الجهة المختصة، ويحدد المستفيدين وإجراءات استعادة حقوقهم، ويصون الحقوق والأوضاع القانونية التي استقرت بالفعل.

ومن منظور العدالة، يتعلق الأمر بتصحيح حرمان تعسفي من المواطنة وما يرتبط بها، لا بمنح امتياز للكرد. لذلك فإن التدقيق في الأداة القانونية يخدم هذا التصحيح: فكلما كان أساسه أوضح وإجراءاته أكثر إحكامًا، ضاق المجال أمام تعطيله أو الطعن فيه لاحقًا بذريعة تجاوز الصلاحيات.

حق مقرر لا يساوي ضمانة دستورية

ينبغي تجنب مبالغتين متقابلتين: اعتبار المرسوم بلا قيمة لأنه قابل للتعديل، واعتباره ضمانة دستورية لأن أحكامه تتناول حقوقًا أساسية.

قد يقرر القانون أو المرسوم حقوقًا تلزم مؤسسات الدولة باحترامها، رغم إمكان تعديله لاحقًا. لكن تثبيت الحق في الدستور يمنحه حماية أقوى؛ فالدستور أعلى مرتبة من القوانين والمراسيم، ولا يجوز لها مخالفته، كما يخضع تعديله لإجراءات خاصة تكون عادةً أشد من إجراءات تعديل القوانين العادية. وتتيح الرقابة الدستورية، متى كانت مستقلة وفعالة، مواجهة التشريعات التي تنتقص من الحقوق المحمية دستوريًا. أما المرسوم 13، فلا يمنح الحقوق التي يقررها هذه الحماية بمجرد صدوره، لأنه ليس جزءًا من الإعلان الدستوري ولا تعديلًا له.

ويظهر الفرق بوضوح في مسألة اللغة. فالإعلان الدستوري يحدد العربية لغة رسمية للدولة، بينما يمنح المرسوم الكردية صفة لغة وطنية. لهذه الصفة أهمية في الاعتراف، لكنها لا تمنحها تلقائيًا موقعًا مماثلًا للعربية في القضاء والإدارة والمعاملات العامة.

كما أن استقرار الحقوق لا يقاس فقط بصعوبة إلغاء النص. فقد يبقى النص قائمًا، بينما تضيق التعليمات نطاقه أو يتعطل تطبيقه. ويمكن للإدارة أن تعترف بالحق نظريًا ثم تفرغه عمليًا عبر شروط الإثبات، ونقص الموارد، وتأجيل الإجراءات، والتوسع في الاستثناءات.

السؤال، إذن، يتجاوز إمكان إلغاء المرسوم إلى قدرة السلطة على التحكم في معناه. فحين تتمتع السلطة التي تصدره بنفوذ واسع في تحديد نطاقه والإشراف على تنفيذه، مع ضعف الرقابة المستقلة، يصبح أصحاب الحق في موقع هش حتى دون تعديل حرف واحد منه.

ولا يعني ذلك أن الحقوق التي اكتسبها الأفراد بموجب إجراء نافذ يجوز سحبها اعتباطًا. فالجنسية التي مُنحت لشخص تثير أسئلة تتعلق بحماية وضعه القانوني تختلف عن أسئلة تعديل سياسة عامة للمستقبل. لكن هذه الحماية تحتاج بدورها إلى قضاء يستطيع فرضها.

أما سياسيًا، فإن صدور المرسوم يشكل التزامًا معلنًا يمكن الاستناد إليه في المطالبة والمساءلة. غير أن الالتزام لا يصبح ضمانة كافية لمجرد إعلانه. قوته تتوقف على وجود مؤسسات وتمثيل ومشاركة تجعل التراجع عنه أو تعطيله أصعب من اتخاذ قرار منفرد.

حين تمتنع الإدارة عن التنفيذ

قد تبدو المسألة واضحة في النص، ثم تتعقد عند أول طلب يقدم إلى مؤسسة عامة. ماذا يحدث إذا رفضت جهة تسجيل مستفيد من أحكام الجنسية؟ أو امتنعت مديرية تربية عن إتاحة تدريس الكردية؟ أو اعتبرت أن منطقة معينة لا تستوفي معيار الحضور الكردي «الملحوظ»؟

يوفر قانون مجلس الدولة السوري، وهو القانون المنظم للقضاء الإداري المختص بالنظر في المنازعات مع الجهات الإدارية، سبيلًا من حيث المبدأ للطعن في امتناع الإدارة عن اتخاذ قرار يوجب عليها القانون اتخاذه. لكن وجود هذا الطريق لا يكفي لإثبات فعالية الحماية؛ إذ تبقى العبرة بإمكان الوصول إلى القضاء، واستقلاله، وقدرته على ضمان تنفيذ أحكامه.

وثمة فرق بين إلزام الإدارة بإجراء محدد مستوفٍ للشروط، ومطالبتها بتنفيذ التزام واسع لم تُضبط حدوده. فكلما تركت الصياغة مجالًا أوسع للتقدير، ازدادت صعوبة تحديد متى يصبح الامتناع مخالفة يمكن مواجهتها.

ولا ينشئ المرسوم آلية مستقلة خاصة لمتابعة تنفيذه أو مسارًا محددًا لشكاوى المتضررين. كما لا يضع بنفسه جدولًا تفصيليًا لاستكمال إجراءاته. وهذا لا يلغي إمكان الاستناد إلى القوانين العامة، لكنه يجعل نجاح المطالبة مرتبطًا بفعالية منظومة قضائية وإدارية تتجاوز المرسوم.

هنا تظهر أهمية بنية السلطة في المرحلة الانتقالية. فالنصوص التي تعلن استقلال القضاء والمساواة تحتاج إلى ترتيبات تجعلها قابلة للممارسة. وقد أثار الإعلان الدستوري، منذ صدوره، انتقادات تتعلق بتركيز الصلاحيات وضعف الضوابط على الرئاسة. وفي مثل هذا السياق، يصعب الاطمئنان إلى أن القضاء سيشكل تلقائيًا حماية كافية عندما يتعارض مطلب حقوقي مع توجه السلطة.

ما الذي يجعل الاعتراف قابلًا للاستمرار؟

ليست القضية في مطالبة مرسوم واحد بأن يحل جميع المشكلات دفعة واحدة. يمكن للتغيير أن يبدأ بخطوة جزئية، وقد تكون الخطوات المتدرجة أكثر قابلية للتنفيذ. لكن التدرج يحتاج إلى اتجاه معلوم والتزامات يمكن متابعة تنفيذها؛ وإلا أمكن لكل إجراء محدود أن يقدم بوصفه نهاية المطلوب.

يصبح المرسوم مدخلًا جديًا حين تتبعه قواعد أوضح، وإجراءات قابلة للرقابة، وموارد للتنفيذ، ومشاركة لأصحاب الحقوق في تحديد ما يمس حياتهم. كما يحتاج إلى تثبيت دستوري يحمي الهوية والحقوق، وإلى مسار للإنصاف عند انتهاكها. دون ذلك، تبقى المسافة واسعة بين التزام تصدره السلطة وحق يستطيع المجتمع الدفاع عنه في مواجهتها.

ولا ينبغي اختزال الضمانات في بقاء قوة مسلحة أو مؤسسة حزبية. فاستقلال القرار عن المركز لا يتحول تلقائيًا إلى ديمقراطية محلية، كما أن دمج المؤسسات في الدولة لا يجعلها مؤسسات عادلة. الضمانة الأمتن هي قدرة المواطنين على التنظيم والتمثيل والمساءلة واللجوء إلى قضاء مستقل، ضمن ترتيبات واضحة لتوزيع الصلاحيات.

لهذا يستحق المرسوم قراءة نقدية تحمي ما يتيحه من حقوق، وتفحص ما يتركه معلقًا. فلا يجوز أن تصبح هشاشة ضماناته سببًا للتخلي عن المطالبة بتطبيقه، ولا أن يصبح تطبيق بعض مواده حجة لإغلاق النقاش حول القضية الكردية. فالمعيار هو ما إذا كان الاعتراف الجزئي سيفتح طريقًا لتوسيع الحقوق وتحصينها، أم سيُستخدم لتحديد سقفها.

ويبقى سؤال لا يمكن الإجابة عنه من النص وحده: ماذا يحدث حين يُقاس الاعتراف الجديد بالتعليم والمؤسسات والممارسات التي عرفتها المناطق الكردية خلال السنوات الماضية؟ فقد يمنح إجراءٌ ما اعترافًا رسميًا للغة، بينما يقلص مجال استخدامها الفعلي. وعند هذه النقطة يبدأ الاختبار الاجتماعي والسياسي للمرسوم: ما الذي سيحتفظ به الناس في مدارسهم وحياتهم العامة، وما الذي سيُطلب منهم التخلي عنه؟

11 أيلول/سبتمبر 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب