مقالات

الحنين إلى الزمن الجميل… حين كانت السياسة قضية لا تجارة

حسن قاسم
أحنّ، كغيري من أبناء جيلي، إلى شيء من ذلك الزمن الجميل، إلى سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الحياة أكثر بساطة، والنفوس أكثر صفاءً، والضمائر أكثر نقاءً. لم تكن الحياة مثالية بالتأكيد، وكانت الظروف السياسية قاسية، لكن كان للسياسة معنى، وللنضال قيمة، وللانتماء الحزبي ثمن يدفعه صاحبه من حريته وأمنه ومستقبله.
في تلك المرحلة، لم تكن الحركة السياسية الكوردية في سوريا بهذا العدد الهائل من الأحزاب والتنظيمات. كانت هناك قوى محدودة، لكل منها رؤيتها ومنهجها، بين اليسار واليمين وما عُرف بالخط الثالث، إلى جانب الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه كثير من الكورد، بحثاً عن فضاء أوسع للحرية والعدالة والمساواة، وعن ضوء ينير طريقهم نحو الخلاص من الاستبداد والتمييز.
ورغم الاختلافات السياسية والفكرية، كان التنافس في كثير من الأحيان أكثر جدية وأقل ابتذالاً. لم تكن الخلافات تعني بالضرورة القطيعة والعداء، ولم تكن لغة التخوين والإقصاء هي القاعدة. كان المناضل يعرف لماذا ينتمي، وكان الحزب بالنسبة إليه قضية ومسؤولية، لا وسيلة للحصول على مكسب شخصي.
وكانت غالبية الأحزاب الكوردية في ذلك الزمن تعمل في ظروف بالغة الصعوبة؛ قياداتها وكوادرها بين الملاحقة والاعتقال والعمل السري، في ظل نظام البعث. ومع ذلك، لم تكن تلك الأحزاب قائمة على أساس طائفي أو مذهبي، بل كانت تنطلق من قضايا سياسية وقومية واجتماعية واضحة.
وكان المجتمع نفسه أكثر تماسكاً. المكونات الاجتماعية، رغم اختلافاتها، كانت تتبادل الاحترام وتتعاون في الحياة اليومية، وكانت العلاقات الإنسانية أقوى من الحسابات السياسية الضيقة.
أما اليوم، فالمشهد مختلف إلى حد كبير.
لقد تجاوز عدد الأحزاب والتنظيمات الكوردية في سوريا المئة، وهو رقم لا يعكس بالضرورة غنىً فكرياً أو تعدداً سياسياً حقيقياً، بقدر ما يعكس عمق أزمة الحركة السياسية الكوردية. فحين يصبح الانقسام هدفاً بحد ذاته، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع على المواقع والامتيازات، تصبح كثرة الأحزاب دليلاً على العجز عن بناء مشروع مشترك، لا دليلاً على الديمقراطية.
والأخطر من ذلك أن المال السياسي والفساد والمصالح الشخصية بدأت تجد طريقها إلى الحياة الحزبية، حتى أصبح تأسيس حزب جديد لدى البعض أسهل من بناء مشروع سياسي جامع. وهكذا تحولت السياسة، في بعض الحالات، من رسالة وتضحية إلى ما يشبه التجارة، ومن خدمة القضية إلى البحث عن النفوذ والمكاسب.
لكن المشكلة ليست في عدد الأحزاب وحده؛ فالتعدد السياسي حق مشروع في أي مجتمع ديمقراطي. المشكلة تكمن في غياب التعدد الحقيقي في البرامج والرؤى، وتحول الاختلاف إلى انقسام، والانقسام إلى صراع، والصراع إلى إضعاف للجميع.
واليوم، وفي ظل المرحلة المصيرية التي يمر بها الشعب الكوردي في سوريا، لم يعد مسموحاً إهدار المزيد من الوقت والطاقات في المناكفات الحزبية. التحديات التي تواجه الوجود والحقوق الكوردية أكبر من قدرة أي حزب منفرد على مواجهتها.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها قضية وطنية، وإلى حشد الطاقات حول مشروع سياسي كوردي واضح، يحدد الحقوق والأهداف، ويرسم خارطة طريق واقعية لتحقيقها، ويأخذ بعين الاعتبار طبيعة سوريا وتوازناتها الداخلية والإقليمية والدولية.
لقد آن الأوان لأن تتقدم القضية على الحزب، والمصلحة العامة على المصلحة الشخصية، والحوار على التخوين، والوحدة السياسية على الانقسام.
ربما لا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، ولا ينبغي أن نفعل. لكننا نستطيع أن نستعيد من ذلك الزمن قيمه الجميلة: البساطة، والصدق، والإخلاص، والتضحية، واحترام الآخر.
فالشعب الذي يواجه تهديدات مصيرية لا يحتاج إلى مئة عنوان سياسي بقدر ما يحتاج إلى مشروع واحد واضح، وإرادة سياسية مشتركة، وقيادات تمتلك الشجاعة للتنازل عن مصالحها الخاصة من أجل مصلحة شعبها.
تلك هي المهمة التي تنتظر الحركة السياسية الكوردية اليوم، وتلك هي مسؤولية جيلنا تجاه الأجيال القادمة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب