صلاح عمر
ما ورد في كلمة وزير الخارجية في السلطة السورية الانتقالية، أسعد الشيباني، أمام مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، من حديث عن «إسقاط سوريا مشاريع التقسيم ومحاولات سلب أجزاء من أراضيها»، وعن «استعادة الجزيرة السورية إلى قلب الوطن»، ثم الإشارة إلى «قرارات شجاعة أنهت عقودًا من التهميش، وأعادت للأكراد حقوقهم المشروعة كاملة»، ليس مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل يحمل في طياته رؤية سياسية تستحق التوقف عندها ومناقشتها بهدوء ووضوح.
فالمشكلة لا تكمن في الدفاع عن وحدة سوريا؛ إذ إن وحدة البلاد وسلامة أراضيها مصلحة لا يمكن لأحد أن يستخف بها. كما أن رفض مشاريع التقسيم لا يعني، في ذاته، رفض الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والسياسي داخل الدولة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول «وحدة الدولة» من إطار جامع لكل مكوناتها إلى أداة لنفي حقوق أحد هذه المكونات، أو عندما يصبح كل طرح يتجاوز المركزية التقليدية مشروعًا لتقسيم البلاد.
وهنا تبرز القضية الكردية بوصفها اختبارًا حقيقيًا لمعنى سوريا الجديدة.
فإذا كان المقصود من الخطاب الرسمي أن أي مطالبة كردية باللامركزية السياسية، أو الإدارة الذاتية، أو الفيدرالية ضمن دولة سورية موحدة، تُفهم باعتبارها مشروعًا للانفصال أو خطوة نحو إقامة دولة مستقلة، فإننا أمام إشكالية سياسية وفكرية عميقة؛ لأن اللامركزية والفيدرالية ليستا مرادفين للتقسيم، كما أن الاعتراف بحقوق المكونات لا يعني تفكيك الدولة.
الدولة الموحدة ليست بالضرورة دولة مركزية، كما أن الدولة اللامركزية أو الفيدرالية ليست بالضرورة دولة مقسمة.
إن جوهر المسألة هو: أي دولة نريد أن نبني؟
دولةً تعيد إنتاج العلاقة القديمة بين المركز والأطراف، فتمنح المركز حق تعريف هوية البلاد وحقوق مكوناتها وحدود مطالبهم؟ أم دولةً حديثة تعترف بأن سوريا ليست لونًا واحدًا ولا قوميةً واحدة ولا ذاكرةً واحدة، وأن وحدتها الحقيقية لا تُبنى بإنكار التعدد، بل بإدارته سياسيًا وقانونيًا على أساس المواطنة والشراكة؟
أما القول إن «الأكراد استعادوا حقوقهم المشروعة كاملة»، ثم حصر هذه الحقوق في الإطار الثقافي واللغوي الذي حدده المرسوم رقم (13) لعام 2026، فيطرح سؤالًا أكثر جوهرية: من يحدد ما هي الحقوق المشروعة لشعبٍ ما؟
هل تُحدد حقوق الكرد بمرسوم يصدر عن السلطة، أم تُناقش بوصفها قضية وطنية وسياسية ودستورية تحتاج إلى عقد جديد بين السوريين؟
فالقضية الكردية في سوريا لم تكن يومًا مجرد قضية لغة أو أغنية أو احتفال ثقافي. إنها قضية شعب له وجود تاريخي واجتماعي وسياسي متجذر في البلاد، عانى لعقود من سياسات الإنكار والتهميش والتمييز، ومن آثار مشاريع وسياسات تركت جراحًا عميقة في الذاكرة الكردية والسورية معًا.
ومن هنا، فإن اختزال الحل في حقوق ثقافية ولغوية، مهما كانت أهميتها، لا يعالج جوهر المشكلة، بل يؤجلها.
الكرد لا يطالبون، بالضرورة، بالخروج من سوريا؛ بل إن جوهر الطرح السياسي لدى قطاعات واسعة من الحركة الوطنية الكردية هو الوصول إلى صيغة تضمن لهم حقوقهم القومية والسياسية والدستورية ضمن سوريا موحدة.
المطالبة بالشراكة لا تعني الانفصال، والمطالبة باللامركزية لا تعني التقسيم، والمطالبة بالفيدرالية لا تعني إعلان دولة كردية مستقلة.
من التشخيص إلى الحل
إذا كانت السلطة الانتقالية جادة في بناء سوريا جديدة، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإطلاق عبارات عامة عن حقوق الكرد، بل الانتقال إلى خطوات سياسية ودستورية ملموسة، وفي مقدمتها:
أولًا: الاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكردي.
أن ينص الدستور صراحة على أن الكرد مكوّن قومي أصيل وشريك كامل في الدولة السورية، وأن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات واللغات، وليست دولة تختزل هويتها في مكوّن واحد.
ثانيًا: اعتماد اللامركزية السياسية والإدارية الموسعة.
إعادة توزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق والمحافظات، ومنح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات حقيقية في الإدارة والتنمية والتعليم والثقافة والاقتصاد المحلي، بما يضمن مشاركة السكان في إدارة شؤونهم.
ثالثًا: ضمان الحقوق اللغوية والثقافية بقوة الدستور والقانون.
لا يكفي إصدار مرسوم يمكن تغييره بقرار سياسي؛ المطلوب تثبيت حق الكرد في تعليم لغتهم واستخدامها في المجالات الثقافية والتعليمية والإدارية المحلية، إلى جانب حماية سائر اللغات والثقافات السورية.
رابعًا: معالجة آثار سياسات التمييز السابقة.
حل ملف الجنسية والإحصاء الاستثنائي، ومعالجة قضية المكتومين، ورد الحقوق إلى أصحابها، ومراجعة آثار التعريب القسري والاستيلاء على الأراضي، بما يضمن العدالة وحقوق الملكية والتعويض حيث يلزم.
خامسًا: شراكة سياسية حقيقية في مؤسسات الدولة.
لا يمكن الحديث عن سوريا لجميع السوريين بينما تُستبعد القوى السياسية الكردية من عملية صياغة مستقبل البلاد. المطلوب حوار سياسي مباشر وجاد مع ممثلي الحركة السياسية الكردية، وليس الاكتفاء بالحوار الأمني أو الإداري.
سادسًا: الاتفاق على شكل الدولة من خلال حوار وطني شامل.
بدل أن تُحسم مسبقًا قضايا اللامركزية والإدارة المحلية والفيدرالية بالرفض، ينبغي وضعها على طاولة الحوار الوطني، ومناقشة مختلف الصيغ التي يمكن أن تحقق هدفين متلازمين: وحدة سوريا، وضمان حقوق مكوناتها.
سابعًا: بناء ضمانات دستورية تمنع الانتكاس.
فالحقوق التي لا تحميها نصوص دستورية ومؤسسات قضائية مستقلة تبقى رهينةً لتغير الحكومات وموازين القوى. المطلوب دولة قانون تضمن الحقوق للجميع، ولا تجعلها منحة من السلطة.
الوحدة التي نريدها
إن الدفاع عن وحدة سوريا لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: كيف نمنع الكرد من المطالبة بحقوقهم؟
بل من سؤال أكثر نضجًا ومسؤولية:
كيف نبني سوريا التي لا يحتاج فيها أي كردي، ولا عربي، ولا سرياني، ولا آشوري، ولا أي مكوّن آخر، إلى التفكير في الانفصال كي يشعر بأنه شريك كامل في وطنه؟
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة الجديدة:
سوريا موحدة، ولكن لا مركزية.
سوريا واحدة، ولكن متعددة القوميات والثقافات.
دولة واحدة، ولكن بحقوق متساوية وشراكة سياسية حقيقية.
فالجزيرة ليست أرضًا «تُستعاد» من أهلها إلى «قلب الوطن»، لأن أهل الجزيرة هم من قلب الوطن أصلًا.
والكرد ليسوا ضيوفًا يحتاجون إلى إذن كي يكونوا سوريين، ولا أقليةً تطلب صدقةً ثقافية من الدولة؛ إنهم جزء أصيل من تاريخ سوريا وحاضرها ومستقبلها.
إن سوريا الجديدة لا تُبنى بإعادة إنتاج قاموس الماضي، بل بامتلاك شجاعة القطيعة معه.
ومن يريد أن يحمي وحدة سوريا فعلًا، عليه أن يجعل هذه الوحدة خيارًا محبوبًا لأبنائها، لا قيدًا مفروضًا عليهم.
فالوطن الذي يشعر فيه الجميع أنهم شركاء، أقوى من وطن يُطلب من بعض أبنائه أن يكتفوا بالصمت.
والوحدة الحقيقية ليست تلك التي تُكتب على الخرائط فقط، بل تلك التي تسكن القلوب.
أما إذا بقيت الحقوق تُمنح بمرسوم، والهوية تُعرّف من المركز، واللامركزية تُعامل كتهديد، فستبقى المشكلة قائمة مهما تغيرت أسماء السلطات.
سوريا أمام فرصة تاريخية:
إما أن تؤسس لعقد وطني جديد يتسع لجميع أبنائها، أو أن تعيد إنتاج الأسباب نفسها التي صنعت أزمات الماضي.
والقرار، في النهاية، ليس بين الوحدة والتقسيم.
القرار بين سوريا قديمة تُدار بعقل الماضي، وسوريا جديدة تُبنى بعقل الشراكة.






