د. مرشد اليوسف
القضية الكردية في سوريا ليست قضية اخترعها أحد بالأمس، ولا هي نتاج ظرف سياسي عابر. إنها قضية تاريخية مرتبطة بوجود مكوّن أساسي من مكوّنات المجتمع السوري، وبحقوق تراكمت حولها مشكلات الهوية واللغة والثقافة والمواطنة والمشاركة السياسية لعقود طويلة.
لكن المفارقة أن القضية بقيت شابة، بينما شاخت القوى التي ادّعت حملها.
فالكثير من القوى السياسية الكردية التي تصدرت المشهد لعقود لم تستطع أن تطوّر خطابها وأدواتها بما يتناسب مع التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا والمنطقة. وظلت أسيرة شعارات ومفاهيم سياسية قديمة، بينما كان المجتمع الكردي نفسه يتغير، وتتغير معه تطلعاته ووسائل تعبيره عن حقوقه.
والأكثر إشكالية أن بعض هذه القوى جعل من الخارج سندًا دائمًا لمشروعه السياسي. وعندما تصبح قوة خارجية هي مصدر القوة الأساسي لأي حركة سياسية، فإن استقلال القرار يبدأ بالتراجع، وتتحول القضية الوطنية تدريجيًا إلى جزء من حسابات الآخرين.
لقد أثبتت التجربة السورية أن القوى الدولية والإقليمية لا تتحالف مع الكرد بدافع العاطفة، وإنما وفق مصالحها. وما تمنحه اليوم يمكن أن تسحبه غدًا عندما تتغير موازين القوى. ولذلك فإن الاعتماد على الخارج قد يمنح القضية قوة مؤقتة، لكنه لا يستطيع أن يبني لها مستقبلًا دائمًا.
المطلوب اليوم ليس التخلي عن القضية الكردية، بل تحريرها من الجمود ومن الارتهان ومن احتكار الأحزاب لها.
القضية الكردية أكبر من حزب، وأكبر من قيادة، وأكبر من قوة عسكرية، وأكبر من أي تحالف إقليمي أو دولي. إنها قضية مجتمع يريد أن يعيش بكرامته داخل وطنه، وأن تُصان لغته وثقافته، وأن يتمتع بالمواطنة المتساوية، وأن يكون شريكًا كاملًا في صياغة مستقبل سوريا.
ولهذا فإن المرحلة الجديدة تحتاج إلى حامل سياسي جديد.
حامل يؤمن بأن قوة الكرد الحقيقية لا تكمن في عدد الحلفاء الخارجيين، بل في قوة مجتمعهم، وفي وحدتهم السياسية، وفي قدرتهم على بناء تحالفات سورية واسعة، وفي امتلاكهم خطابًا ديمقراطيًا قادرًا على إقناع السوريين بأن حقوق الكرد ليست خصمًا من حقوق الآخرين، بل جزء من بناء سوريا الجديدة.
لقد انتهى زمن انتظار الخارج ليحل المشكلة الكردية، كما ينبغي أن ينتهي زمن استخدام القضية الكردية كوسيلة للصراع بين القوى الإقليمية.
إن تجديد القضية لا يعني تغيير جوهرها، وإنما تغيير أدوات حملها.
فالقضية لم تشخ، وإنما شاخت بعض القوى التي حملتها. والمستقبل لن يكون لمن يرفع الشعارات القديمة بصوت أعلى، بل لمن يستطيع تحويل الحقوق الكردية إلى مشروع سياسي ودستوري ووطني قابل للحياة.
الكرد لا يحتاجون إلى قضية جديدة. إنما يحتاجون إلى حامل جديد لقضيتهم.