إعداد: سليمان علي
إلى العقل والوجدان الكردي المنتمي ل “روچآڤاRojava”كردستان؛
إن الصيغة الجوهرية المطروحة ليست مجرد ترف فكري، بل هي عملية تشريح لـ الوعي السياسي الكردي أمام مرآة الحقائق:
هل كان الخلل حتمية جيوسياسية فرضتها بيئة الصراعات الدولية، أم أنه مأزق ناتج عن طبيعة الإدارة الذاتية والمتحكمين بها التي أعادت تدوير الهرمية ذاتها؟
تُثبت بالوثائق والوقائع والتقارير الميدانية أن السقوط لم يكن حراً ولم يكن اختياراً بين فخين، بل كان وقوعاً في كليهما؛ حيث تغذى الفخ الخارجي المجهز على الثغرات المتقصدة في البناء الداخلي.
لذلك قمت بالاعتماد على التقارير الموثقة لإيضاح الخطوات التالية.
أولا: وهمُ الرهان الدولي واستحالة بناء نموذج لامركزي في بيئة معادية.
تُظهر دراسة تحليلية صادرة عن جامعة زيورخ (ZORA) حول “المأزق الأمني المزدوج للكرد”، أن محاولة بناء نموذج حكم لامركزي في روچآڤا كردستان اصطدمت منذ البداية بعدم قدرة المنظومة الضبابية على تحويل “الشرعية الميدانية” الناتجة عن محاربة تنظيم داعش إلى “ضمانات مؤسسية وقانونية دولية”.
– القصور الدبلوماسي والارتهان العسكري: تشير تحليلات معهد بروغرسيف للدراسات إلى أن الإدارة الذاتية عانت من عزلة دبلوماسية هيكلية؛ إذ لم تطالب بـ “اعتراف سياسي رسمي” من أي دولة، واقتصرت العلاقة مع واشنطن على الجانب اللوجستي العسكري المؤقت .
– التحول السريع في الموقف الأمريكي: وثّقت منصات دولية مثل المونيتور (Al-Monitor) كواليس “اجتماع أربيل” الحاسم في 17 يناير 2026 بين المبعوث الأمريكي توم براك وقيادات قسد والادارة الذاتية وممثلي المجلس الوطني الكردي في هذا الاجتماع.
أسهب الجانب الأمريكي في الحديث على أن الأولويات الإستراتيجية الدولية قد تبدلت وأن سقف الحماية قد انتهى.
– هذا التبدل أثبت تاريخياً أن النماذج اللامركزية الناشئة لا يمكنها البقاء كـ “جزر معزولة” دون غطاء قانوني أممي صلب في بيئة إقليمية تتربص بها قوى مركزية.
ثانيا: مأزق الإدارة الداخلية و”برمجة العقل الهرمي”
في المقابل، تؤكد الوثائق أن البيئة الخارجية المعادية لم تكن لتنجح في تفكيك المشروع بهذه السرعة لولا الهشاشة العميقة في الجبهة الداخلية؛ فالخلل الأكبر كامنٌ في بنية الإدارة الذاتية ذاتها التي تبنت فكراً تحررياً نظرياً وطبقت حوكمة مركزية صارمة، مما أدى إلى الكشف والدلالة على برمجة العقل الهرمي وآلياتها .
– فجوة الأدلجة والاغتراب المجتمعي:
بحسب تقارير مركز معلومات روچآڤا (RIC)، تم توجيه الموارد والقرارات عبر هيكلية “الكوادر” الصارمة.
هذه الهيكلية أقصت الطاقات الحية للشعب الكردي نفسه، ولم تمنح مجالس الحوكمة المحلية سلطات حقيقية، بل حوّلتها إلى واجهات تنفيذية.
– أزمة الثقة والنزيف البشري:
فرض السياسة الاعتباطية للتجنيد الإجباري والأدلجة السياسية القسرية في المناهج التعليمية، أفرغت المنطقة من حاضنتها البشرية؛
حيث وثّقت منظمة الهجرة الدولية (IOM) ومراكز حقوقية متعددة أن آلاف الشباب والعقول الكردية اختارت طريق اللاعودة والهجرة اللانهائية إلى أوروبا وإقليم كردستان العراق هرباً من “العبودية المقنّعة” لآلة الحرب الإلزامية، مما أضعف الحاضنة الشعبية للمشروع وجعلتها تفقد دافع الدفاع عنها.
– هشاشة العقود الاجتماعية:
بدلاً من بناء تحالفات وطنية مبدئية، اعتمدت الإدارة الذاتية على شراء ولاءات النخب العشائرية في مناطق مثل الرقة ودير الزور باستخدام عوائد النفط من حقول العمر والرميلان.
ووفقاً لتوثيقات منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” (STJ)، فإنه بمجرد اندلاع هجوم يناير 2026، انقلبت هذه القوى العشائرية وانضمت إلى الهجوم الحكومي، مما كشف أن الهيكل الداخلي كان مبنياً على مصالح مالية مؤقتة وليس على تلاحم مجتمعي حقيقي.
“الخلاصة التاريخية الموجهة للعقلية الكردي”.
إن الدرس الأبرز المستخلص من أحداث روچآڤا كردستان الممتدة من 2011 حتى حل “قسد” رسمياً في أغسطس 2026 ودمج عناصرها في المؤسسات العسكرية، يكمن في فك شفرة تلك المعادلة ألا وهي الارتهان المطلق للخارج دون تحصين الداخل مما أدى إلى انتحار سياسي حتمي.
سقطت التجربة ومعها الأقنعة عندما تحولت القوى التي ادعت قيادة المجتمع نحو الحرية اللامركزية إلى شريك في “برمجة عقل هرمي” جديد، استهلكت طاقات الشباب الكردي في حروب بالوكالة وفي حلقة مفرغة، لينتهي الأمر في 25 أغسطس 2026 بإعلان مظلوم عبدي من دمشق انتهاء( حل ) مهمة “قسد” كقوة مستقلة، والعودة إلى كنف الدولة المركزية مقابل (مكتسبات) ثقافية وهوياتية منقوصة أقرها المرسوم الجولاني (مثل جعل اللغة الكردية لغة وطنية واعتراف رسمي بعيد النوروز).
وهي حقوق كان يمكن تحصيلها بالسياسة والحوار الداخلي المتين دون دفع أثمان باهظة من دماء وتشريد أبناء وبنات هذا الشعب.
المصادر: