المثقفون بين وهم المنشور وتأثير الميدان: متى ننتقل من الكتابة إلى الفعل؟

محمود أوسو

لسنوات ونحن نكتب.
نكتب عن الانقسام الكردي، عن وجع قامشلو وعفرين وكوباني، عن خيبة الأمل من الأحزاب تمتلئ صفحاتنا بالمقالات والتحليلات، وتجمع منشوراتنا المئات من الإعجابات والتعليقات، ثم ماذا بعد؟ لا شيء يبقى الواقع على حاله، وتبقى الأحزاب على أجنداتها، ويبقى المواطن هو الخاسر الوحيد.
لقد تحول جزء كبير من عملنا الثقافي إلى ما يشبه تخدير مؤقت للضمير نكتب لنريح أنفسنا، لا لنغير واقعنا نبحث أحيانا، ولو بلا وعي، عن الشهرة والظهور أكثر من بحثنا عن الحل وهذه هي الحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة الكتابة وحدها، في زمن الأزمة، لم تعد فعلا مقاوما، بل أصبحت في كثير من الأحيان هروبا من الفعل.
إن الفئة المثقفة الحقيقية، التي تحمل هما حقيقيا للوطن والمواطن، تدرك اليوم أن الأحزاب لن تتوحد من تلقاء نفسها فلكل حزب أجندته الخاصة، وارتباطاته الخارجية، ومصالح قياداته التي تقدم على مصلحة الشعب ،انتظار أن تتفق الأحزاب من تلقاء نفسها هو انتظار لن ينتهي.
إذن، ما هو دورنا نحن؟ وكيف نتحول من تأثير اللايك إلى تأثير الميدان؟
أقترح هنا خارطة طريق عملية، قابلة للتنفيذ بعيدا عن الشعارات:
أولا: من التجمع الافتراضي إلى التجمع الحقيقي.
آن الأوان لتأسيس ملتقى وطني مستقل للمثقفين والكفاءات في روج آفا، لا يتبع لأي حزب ملتقى يضم أطباء ومهندسين ومحامين ومعلمين وكتاب، يجتمع شهريا في قاعة حقيقية، لا في غرفة تعليقات هذا الملتقى يكون له اسم وعنوان وختم، ويصدر بيانات موقعة بأسماء حقيقية، لا أسماء مستعارة.
ثانيا: فرض لغة الحوار بدلا من لغة التخوين.
مهمة هذا الملتقى الأولى هي أن يكون وسيطا ضاغطا نطلب لقاءات رسمية وموثقة مع قيادات المجلسين والاحزاب المختلفة لا نذهب لنمدح أو نهاجم، بل نذهب بورقة عمل واحدة: ما هي نقاط الخلاف؟ وما هي نقاط الاتفاق؟ وننشر محاضر هذه اللقاءات للشعب، ليكون الشعب هو الحكم.
ثالثا: الانتقال من النقد إلى المبادرة المجتمعية.
تأثير المثقف لا يقاس بعدد مقالاته، بل بعدد المبادرات التي يقودها لماذا لا نطلق نحن مبادرات تخدم الناس وتوحدها؟ مثلا: صندوق دعم لطلاب الجامعات، حملة لترميم مدرسة، مشروع لدعم الفلاحين، لجنة قانونية مستقلة للدفاع عن حقوق المعتقلين والمغييبين من كل الأطراف. عندما يرى الناس أن المثقف يخدمهم في معيشتهم، سيتبعونه، وساعتها سيكون لصوته وزن سياسي حقيقي يفرض نفسه على الأحزاب.
رابعا: ميثاق شرف إعلامي.
لنتفق فيما بيننا، نحن المثقفون، على ميثاق شرف: لا تخوين، لا تشهير، لا خطاب كراهية كردي-كردي من يخالف هذا الميثاق نقصيه من بيننا لا يمكن أن ندعو للوحدة ونحن نمارس الانقسام في لغتنا اليومية.
يا زملائي، يا أبناء وطني،
لدينا طاقات حقيقية ومذهلة، في الداخل والخارج لكن هذه الطاقات مشتتة على صفحات فيسبوك إذا جمعناها في إطار واحد مستقل، نظيف، وجاد، سنصبح رقما صعبا لا يمكن لأي حزب أو سلطة تجاوزه.
القضية أكبر من منشور، وأكبر من حزب. فلنبدأ الخطوة الأولى ، ولننتقل من التعليقات إلى الاجتماع الأول.
انتهى زمن الكلام، وحان زمن العمل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

احمد تمر في كوردستان سوريا يعيش المواطن اليوم واقعاً معيشياً يزداد صعوبة يوماً بعد يوم في ظل ارتفاع أسعار الخبز وتكاليف الكهرباء والمولدات وأجور النقل الداخلي والخارجي بينما تبقى الرواتب والدخول محدودة ولا تواكب هذا الغلاء المتواصل حتى أصبحت أبسط احتياجات الحياة عبئاً يومياً على العائلات وأصبح تأمين الخبز والغذاء والكهرباء والنقل تحدياً حقيقياً للكثير من الأسر. لم تعد المعاناة…

إدريس شكاكي لم يعد ارتفاع أسعار العقارات في منطقة عفرين مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، ولا مسألة تتعلق بالعرض والطلب وحدهما، بل أصبح ملفاً يستحق الوقوف عنده بجدية، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على مستقبل السكان الأصليين، وعلى قدرة الكوردي على البقاء والاستقرار في أرضه ومدنه وبلداته. في عفرين، التي عانت خلال السنوات الماضية من ظروف استثنائية وحرب ونزوح وتهجير وتغييرات…

د. عدنان بوزان ثمة شعوب تضيع في التاريخ، وثمة شعوب تضيع عن التاريخ، وبين الضياعين مسافة خطرة اسمها التيهوقراطية: أن يفقد شعب بوصلته السياسية، ثم يبدأ بتبرير فقدانها، وينتهي به الأمر إلى إعادة تسمية الأشياء والأشخاص، حتى يصبح ما كان بالأمس عاراً سياسياً وجهاً من وجوه الوجاهة اليوم. ولعل جانباً من المشهد الكوردي الراهن يقدم مثالاً صارخاً على هذا…

صديق ملا إن كل إنسان محبٌ للإنسانية ولشعوب هذه الأرض يؤمن بأن للشعب الكردي قضية قومية عادلة ويجب أن يتم حلها بصورة عادلة وشاملة وبدون أي تأخير، ويجب أن يتم التعاون وبصورة مباشرة مع أصحاب القرار بشأن هذه القضية العادلة وبشكل سلمي بما يضمن تحقيق المصالح لكل الشعوب التي تؤمن بقضيتنا القومية العادلة. ولكن وبكل أسف فقد حدث وأن تسيّٓد…