التيهوقراطية: كيف صار مخبر الأمسِ وجيه اليوم؟

د. عدنان بوزان

ثمة شعوب تضيع في التاريخ، وثمة شعوب تضيع عن التاريخ، وبين الضياعين مسافة خطرة اسمها التيهوقراطية: أن يفقد شعب بوصلته السياسية، ثم يبدأ بتبرير فقدانها، وينتهي به الأمر إلى إعادة تسمية الأشياء والأشخاص، حتى يصبح ما كان بالأمس عاراً سياسياً وجهاً من وجوه الوجاهة اليوم. ولعل جانباً من المشهد الكوردي الراهن يقدم مثالاً صارخاً على هذا التيه؛ فقد انتقل الخطاب، في مسارات متناقضة، من توحيد وتحرير كوردستان إلى مشروع الأمة الديمقراطية، والنهج، ثم لم يتوقف الأمر عند تبدل الشعارات والمفاهيم، بل وصل لدى بعض الأوساط إلى تمجيد آغاوات وشخصيات ارتبطت تاريخياً بمنظومة السلطة البعثية، ثم إلى إعادة تلميع وجوه بعثية قديمة وتقديمها اليوم بوصفها « شخصية اجتماعية» و«وجهاء المنطقة» و«أعيان المجتمع»، وكأن التاريخ دفتر مهترئ يمكن تمزيق صفحاته متى اقتضت المصلحة، وكأن الذاكرة الكوردية لا أصحاب لها ولا ضحايا فيها.

ليس العيب في أن تتغير الأفكار؛ فالفكر السياسي الحي لا يتحول إلى عقيدة جامدة، والحركات والأحزاب من حقها أن تراجع مشاريعها وشعاراتها وأن تنتقل من تصور إلى آخر. لكن الكارثة تبدأ عندما تتغير المواقف من دون مراجعة التاريخ، ومن دون مساءلة الذات، ومن دون تفسيرٍ صريح لهذا الانقلاب في المعايير. فمن حق المرء أن يترك شعاراً قومياً ويتبنى مشروعاً ديمقراطياً، ومن حقه أن ينتقد القومية أو يعيد تعريفها، لكن ليس من حق أحد أن يحول هذا التحول الفكري إلى رخصةٍ لمحو الذاكرة، ولا أن يجعل من تبدل الخطاب ذريعةً لإعادة تأهيل الذين كانوا جزءاً من منظومةٍ سياسية وأمنية دفعت أجيال من الكورد ثمنها.

ولنكن أكثر وضوحاً: ماذا كان يعني أن يكون الإنسان عضواً عاملاً في حزب البعث العربي الاشتراكي في تلك الحقبة؟ لم تكن المسألة، في سياق الدولة البعثية السورية، مجرد انتماءٍ حزبي عابر أو بطاقةٍ تنظيمية لا أثر لها؛ كان الحزب جزءاً أساسياً من بنية السلطة والولاء السياسي، وكانت العضوية والارتباط بالمؤسسات الحزبية، بدرجات مختلفة، متداخلين مع منظومة الدولة والإدارة والامتيازات والرقابة. وفي البيئة الأمنية التي حكمت البلاد، كانت التقارير الحزبية والأمنية والوشايات والبلاغات أدواتٍ حقيقية للتضييق على الناس، وكان يمكن لمعلومةٍ أو تقريرٍ أو توصيفٍ سياسي أن يغير مصير إنسان: أن يحرم من وظيفة، أو يقصى من مؤسسة، أو يحاصر اجتماعياً، أو يخضع للمراقبة، أو يعتقل أو يتعرض للتعذيب، أو تغلق أمامه أبواب الحياة العامة. ولهذا لا يمكن التعامل مع تلك المرحلة اليوم بمنطق السذاجة الذي يريد أن يقول: «كان مجرد بعثي وانتهى الأمر». فالمسألة ليست اسم الحزب وحده، بل السياق السياسي والأمني الذي عمل فيه، والنتائج التي ترتبت على تلك المنظومة بالنسبة إلى آلاف السوريين والكورد خصوصاً.

لقد عاش الكورد في سوريا عقوداً من التمييز والإقصاء والحرمان، وعرفت عائلات كثيرة معنى أن تغلق في وجه أبنائها أبواب الوظائف، أو أن يصبح الانتماء السياسي المختلف سبباً للملاحقة، أو أن تتحول الهوية واللغة والموقف السياسي إلى ملفاتٍ تراقب وتصنف. ولذلك فإن الذاكرة ليست ترفاً أدبياً؛ إنها حق الضحايا في ألا يعاد تقديم الماضي لهم على هيئة احتفال. فكيف يمكن، بعد كل ذلك، أن يتحول بعض الذين ارتبطوا بتلك المنظومة إلى «وجهاء» فجأة؟ وكيف يصبح الشخص الذي كان محسوباً على الحزب والسلطة موضع تكريمٍ اجتماعي، بينما ينسى من رفض الانضمام إليها، أو دفع ثمن موقفه، أو حرم من وظيفة، أو اعتقل، أو عاش سنواتٍ من الخوف والتهميش؟ أي انقلابٍ هذا في سلم القيم؟

الأكثر إيلاماً أن المشكلة لم تعد في بقايا البعث وحدها، بل في وجود فئةٍ من الجهلاء سياسياً وتاريخياً ممن تساعد، بوعي أو بجهل، على تلميع هذه الوجوه وإعادة إنتاجها اجتماعياً. يصبح الماضي البعثي فجأةً تفصيلاً صغيراً، وتتحول العلاقة القديمة بالسلطة إلى «خبرة»، ويصبح صاحب النفوذ القديم «شخصيةً اجتماعية»، ويمنح لقب «وجيه» وكأن الوجاهة شهادة تمنحها المجالس بدل أن تكون سيرةً تبنى على الثقة والنزاهة والاحترام. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالماضي وحده؛ بل يصبح متعلقاً بمن يملك اليوم سلطة إعادة تعريف الماضي.

إن أخطر ما تفعله التيهوقراطية أنها لا تمحو التاريخ مباشرة، بل تعيد صياغة لغته. فهي لا تقول لك: انسَ المخبر، بل تقول لك: سمه «وجيهاً». ولا تقول لك: تذكر علاقته بالسلطة، بل تقول: «كان رجلاً اجتماعياً». ولا تقول لك: اسأل ماذا فعل النظام بالناس، بل تقول: «دع الماضي وشأنه». وهكذا يتحول النسيان إلى فضيلة، والمراجعة إلى إزعاج، والذاكرة إلى مشكلة، بينما يصبح تلميع الأشخاص نوعاً من «المصالحة» المزعومة. لكن أي مصالحة هذه التي تبدأ بمحو الضحية وتنتهي بتكريم صاحب النفوذ؟ وأي عدالةٍ تلك التي تطلب من المظلوم أن ينسى، بينما يمنح صاحب الماضي المثير للجدل منصةً جديدة؟

المصالحة الحقيقية لا تعني غسل الماضي، بل الاعتراف به؛ ولا تعني تحويل كل شخصٍ أخطأ إلى عدوٍ أبدي، بل تعني أن يعرف الماضي كما كان، وأن يتحمل كل إنسانٍ مسؤوليته الأخلاقية والسياسية عنه. التوبة شيء، وإعادة كتابة السيرة شيء آخر؛ والمراجعة شيء، والتلميع شيء آخر. فمن غير موقفه السياسي واعترف بماضيه واحترم ضحاياه فله حقه الكامل في الحياة والمجتمع، أما أن يمحى الماضي ثم يعاد تقديم صاحبه بوصفه رمزاً للوجاهة، فهذه ليست مصالحة؛ هذه عملية تزوير للذاكرة.

والمفارقة أن الذين كانوا بالأمس يرفعون راية التحرير ويتحدثون عن كرامة الشعب وحقوقه، قد يجد بعضهم أنفسهم اليوم في مجالس واحدة مع شخصياتٍ كان تاريخها السياسي في الضفة المقابلة تماماً، ثم يطلب من الناس أن يعتبروا ذلك تطوراً طبيعياً في المجتمع. لا، ليست كل المصالحات خيانة، وليست كل التحولات السياسية سقوطاً، لكن حين يصبح معيار التقييم هو النفوذ الاجتماعي لا السيرة السياسية، وحين تقاس الوجاهة بعدد العلاقات لا بحجم النزاهة، وحين يصبح النسيان شرطاً للدخول إلى المجلس، فهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل: ماذا حدث لبوصلة هذا المجتمع؟

لقد انتقلنا، في بعض صور هذا التحول، من سؤالٍ كبير مثل: كيف نوحد ونحرر كوردستان؟ إلى سؤالٍ آخر: من هو الوجيه؟ ومن مشروعٍ كان يناقش الوطن والتاريخ والهوية والتحرر، إلى واقعٍ يعاد فيه إنتاج الوجاهة المحلية، حتى لو كان بعض أصحابها قد خرجوا من رحم منظومةٍ سياسيةٍ كان الكورد أنفسهم من ضحاياها. وبين السؤالين ليست مسافةً سياسية فحسب؛ إنها مسافةٌ تكشف مقدار ما أصاب الوعي الجمعي من ارتباك.

ولا يعني هذا أن المطلوب هو تجميد التاريخ أو محاكمة كل إنسانٍ على كل تفصيلٍ من ماضيه، لكن من انتسب إلى مدرسة البعث كان جزءاً من منظومةٍ مارست القمع وكتابة التقارير وإيذاء الناس، وكان ذلك سبباً في حرمان آلاف الكورد من وظائفهم واعتقالهم وتشريدهم. والمطلوب هو رفض تحويل الانتماء إلى منظومةٍ سلطوية إلى شهادة حسن سيرة تلقائية، ورفض تبرئة الماضي بمجرد أن تغير الزمن. وإذا كان هناك من مارس الوشاية أو كتب التقارير أو أسهم في إيذاء الآخرين، فإن مسؤوليته لا تسقط لأنه أصبح اليوم صاحب مجلسٍ أو مالٍ أو نفوذٍ أو لقبٍ اجتماعي.

المشكلة إذن ليست أن «مخبر الأمس» أصبح «وجيه اليوم» فحسب؛ المشكلة أن هناك من يريد إقناعنا بأننا لا ينبغي أن نتذكر أنه كان مخبر الأمس أصلاً. وهذه هي ذروة التيهوقراطية: أن يصبح السؤال عن الماضي وقاحة، وأن تصبح الذاكرة إساءة، وأن يصبح كشف التناقض تعدياً على «الوجاهة الاجتماعية».

لقد تغيرت الشعارات، وتبدلت المشاريع، وسقطت أنظمة، وصعدت أخرى، لكن شيئاً واحداً لا ينبغي أن يسقط: الذاكرة. لأن الشعب الذي ينسى كيف عوقب الشرفاء، وكيف حرم المخلصون، وكيف أُقصي المعارضون، وكيف استخدمت التقارير والولاءات في صناعة الخوف، سيجد نفسه يوماً ما يعيد إنتاج المنظومة نفسها بأسماءٍ جديدة ووجوهٍ جديدة وألقابٍ أكثر أناقة.

وهنا تكمن المأساة: لسنا أمام شعبٍ غير مشروعه السياسي فقط؛ نحن أمام خطر أن يتحول تغيير المشروع إلى تغييرٍ للذاكرة، وتغيير الذاكرة إلى تغييرٍ للمعايير، وتغيير المعايير إلى إعادة تدوير الوجوه نفسها التي كان يفترض أن يحاكمها التاريخ.

تلك هي التيهوقراطية: أن تنتقل من توحيد وتحرير كوردستان إلى الأمة الديمقراطية والنهج، ثم من نقد السلطة إلى مديح بعض رجالها، ثم من رفض البعث إلى تلميع بعض وجوهه، ثم تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن الرجل الذي كان بالأمس محسوباً على منظومة السلطة أصبح اليوم «وجيه المنطقة»، وأن الذين دفعوا ثمن مواقفهم صاروا بحاجةٍ إلى إذنٍ من أصحاب الأمس كي يتحدثوا عن الوطنية.

وعندها لا يكون السؤال: كيف صار مخبر الأمس وجيه اليوم؟

بل السؤال الأكثر مرارةً:

كيف فقدنا من الذاكرة ما يكفي لكي نسمح له بأن يصبح كذلك؟

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

احمد تمر في كوردستان سوريا يعيش المواطن اليوم واقعاً معيشياً يزداد صعوبة يوماً بعد يوم في ظل ارتفاع أسعار الخبز وتكاليف الكهرباء والمولدات وأجور النقل الداخلي والخارجي بينما تبقى الرواتب والدخول محدودة ولا تواكب هذا الغلاء المتواصل حتى أصبحت أبسط احتياجات الحياة عبئاً يومياً على العائلات وأصبح تأمين الخبز والغذاء والكهرباء والنقل تحدياً حقيقياً للكثير من الأسر. لم تعد المعاناة…

محمود أوسو لسنوات ونحن نكتب. نكتب عن الانقسام الكردي، عن وجع قامشلو وعفرين وكوباني، عن خيبة الأمل من الأحزاب تمتلئ صفحاتنا بالمقالات والتحليلات، وتجمع منشوراتنا المئات من الإعجابات والتعليقات، ثم ماذا بعد؟ لا شيء يبقى الواقع على حاله، وتبقى الأحزاب على أجنداتها، ويبقى المواطن هو الخاسر الوحيد. لقد تحول جزء كبير من عملنا الثقافي إلى ما يشبه تخدير مؤقت للضمير…

إدريس شكاكي لم يعد ارتفاع أسعار العقارات في منطقة عفرين مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، ولا مسألة تتعلق بالعرض والطلب وحدهما، بل أصبح ملفاً يستحق الوقوف عنده بجدية، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على مستقبل السكان الأصليين، وعلى قدرة الكوردي على البقاء والاستقرار في أرضه ومدنه وبلداته. في عفرين، التي عانت خلال السنوات الماضية من ظروف استثنائية وحرب ونزوح وتهجير وتغييرات…

صديق ملا إن كل إنسان محبٌ للإنسانية ولشعوب هذه الأرض يؤمن بأن للشعب الكردي قضية قومية عادلة ويجب أن يتم حلها بصورة عادلة وشاملة وبدون أي تأخير، ويجب أن يتم التعاون وبصورة مباشرة مع أصحاب القرار بشأن هذه القضية العادلة وبشكل سلمي بما يضمن تحقيق المصالح لكل الشعوب التي تؤمن بقضيتنا القومية العادلة. ولكن وبكل أسف فقد حدث وأن تسيّٓد…