إدريس شكاكي
لم يعد ارتفاع أسعار العقارات في منطقة عفرين مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، ولا مسألة تتعلق بالعرض والطلب وحدهما، بل أصبح ملفاً يستحق الوقوف عنده بجدية، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على مستقبل السكان الأصليين، وعلى قدرة الكوردي على البقاء والاستقرار في أرضه ومدنه وبلداته.
في عفرين، التي عانت خلال السنوات الماضية من ظروف استثنائية وحرب ونزوح وتهجير وتغييرات عميقة في الواقع السكاني والاقتصادي، باتت أسعار العقارات والأراضي تشكل عبئاً هائلاً على أبناء المنطقة، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والشباب والعائلات التي تحاول العودة أو الحفاظ على ممتلكاتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو من يستطيع شراء العقارات بهذه الأسعار؟ ومن المستفيد من هذا الارتفاع المتسارع؟ ومن يدفع الثمن في النهاية؟
حين تصبح أسعار العقارات في منطقة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة قريبة، في بعض الحالات والمواقع، من أسعار مدن عالمية مثل باريس ودبي ونيويورك، بينما لا تتناسب دخول السكان وخدمات المنطقة مع هذه الأسعار، فإن الأمر يتجاوز حدود السوق العقارية الطبيعية، ويصبح بحاجة إلى دراسة شفافة تكشف مصادر الأموال، وحجم المضاربات، وطبيعة عمليات البيع والشراء، والجهات المستفيدة منها.
إن خطورة الأمر لا تكمن في ارتفاع سعر العقار بحد ذاته، وإنما في تحول الأرض إلى سلعة يستحيل على كثير من أصحابها الأصليين امتلاكها أو العودة إليها أو إعادة بناء حياتهم فوقها. وعندما يصبح الكوردي عاجزاً عن شراء منزل أو أرض في مدينته، فإن الغلاء يتحول عملياً إلى حاجز جديد أمام الاستقرار والعودة.
كما أن استمرار المضاربات العقارية من دون رقابة وشفافية قد يفتح الباب أمام استثمار أموال مجهولة المصدر أو أموال ناتجة عن اقتصاد الحرب، الأمر الذي يستوجب آليات قانونية واضحة لضمان سلامة عمليات البيع والشراء وحماية الملكيات الخاصة ومنع استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أبناء المنطقة.
إن القضية ليست قضية عقار فقط، بل قضية استقرار ووجود وحقوق وذاكرة وهوية. فالإنسان لا يستطيع أن يحافظ على ارتباطه بأرضه إذا أصبح امتلاك منزل فيها حلماً مستحيلاً، ولا يمكن الحديث عن عودة واستقرار حقيقيين من دون معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى بيع ممتلكاتهم أو تمنعهم من العودة إليها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس منع البيع والشراء بصورة مطلقة، فهذا حق منظم بالقانون، وإنما تنظيم السوق العقارية، وتعزيز الشفافية، وكشف مصادر الأموال، ومنع المضاربات غير المشروعة، وحماية الملكيات، وضمان عدم استخدام الاقتصاد كأداة لإحداث تغيير ديموغرافي أو تكريس واقع جديد على حساب السكان الأصليين.
إن أبناء عفرين والكرد في المنطقة بحاجة اليوم إلى وعي جماعي ومسؤولية وطنية وقانونية في التعامل مع ملف العقارات. فقبل اتخاذ قرار البيع، يجب التفكير في ما بعد البيع، وقبل تحويل الأرض إلى أرقام وأموال، علينا أن نتذكر أن الأرض ليست مجرد سلعة؛ إنها جزء من تاريخ أهلها ومستقبل أبنائهم.
عفرين ليست سوقاً مفتوحة لمن يملك المال فقط، بل أرض لأهلها وحق لأبنائها، والحفاظ على الاستقرار السكاني والملكية والوجود الكوردي فيها مسؤولية جماعية.
لذلك، فإن فتح نقاش جاد وشفاف حول أسعار العقارات، وحجم عمليات البيع والشراء، ومصادر التمويل، والجهات المستفيدة، وتأثير ذلك على السكان الأصليين، لم يعد ترفاً سياسياً أو إعلامياً، بل أصبح ضرورة لحماية المجتمع ومنع تحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أداة جديدة لتغيير الواقع السكاني.
من يكتوي بغلاء أسعار العقارات في عفرين أسعار تلامس باريس ودبي ونيويورك