المنقلبون على – ب ك ك – وفروعه درجات

صلاح بدرالدين

الحركات السياسية، بكل تلاوينها القومية، والاجتماعية، والثقافية، وطبائعها المدنية، والعسكرية، وفي كل زمان ومكان، معرضة للخلاف، والاجتهاد، والتمايز، والانقسام. هذا ما نجده في تاريخ الشعوب والبلدان قديماً وحديثاً.

وما يتعلق الأمر بخلافات الأحزاب، فإنها تتخذ مسارات عدة، والانشطارات توصف بتسميات عديدة؛ فالأحزاب اليسارية تصف المنشقين عنها بالمرتدين، والتحريفيين، أما الأحزاب والجماعات الآيديولوجية وشبه العسكرية فتطلق على الخارجين عنها وعليها صفة الخونة والأعداء، وتجيز تصفيتهم. أما الجماعات الإسلامية المتشددة فتجز رؤوس الخارجين عليها علناً. فقط التشكيلات السياسية الديموقراطية تتعامل مع المختلفين بكل روية، وتتحاور معهم، وتلجأ إلى الوسائل الديموقراطية والنظم الداخلية لحسم الخلاف.

حزب العمال الكردستاني (المنحل) وفروعه، ومنظماته العسكرية في البلدان الأربعة، كتيار مغامر وبخلاف التنظيمات الكردية الأخرى، انتهج طريقاً عنيفاً دموياً حيال هذه المسألة، واقترف جرائم القتل والتصفيات ضد منتقديه من أعضائه ومواليه، وشن حملات إعلامية ترهيبية، ودعايات مسيئة، واتهامات مزورة ضد كل من خالف سياسته. وشكل فرق اغتيالات و”شبيبة ثورية” وشبكات مخابراتية تحت أغطية عديدة، بينها (مراكز أبحاث ودراسات؟!)، لهذه الغاية، وترددت أسماء ضمنها ذات مسؤوليات قيادية، بحسب المراقبين.

بالمقابل، – ب ك ك – وفروعه وتشكيلاته من أكثر الأطراف الكردية التي تعرضت للصراعات الداخلية العنيفة والانشقاقات الدموية. وعلى سبيل المثال، فإن الانشقاق الأوسع والأكبر الذي تم بإشراف أحد أهم قادة هذا الحزب – بوتان –، والذي شمل أكثر من ألف من المقاتلين والكوادر الذين غادروا – قنديل –، قد تعرضوا للملاحقة والقتل خلال أشهر عديدة، ولم ينجُ منهم إلا بضع مئات. هذا من دون أن نغفل انشقاق مجموعة من الشخصيات الوطنية الرزينة، من المفكرين والمثقفين، في السنوات الأولى من وجود قادة الحزب بالعاصمة السورية دمشق، وتعرضوا بدورهم إلى التهديد وعمليات الاغتيال في قلب البلدان الأوروبية، وهناك قائمة مطولة بالأسماء.

تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة

خلال متابعة الحالات العديدة في خروج المجموعات والأفراد من تنظيمات – ب ك ك – وفروعه، وتشكيلاته العسكرية، والأمنية، والمالية، والإعلامية، في غضون العقود الأربعة الأخيرة، وبشكل خاص في الخمسة عشر عاماً الأخيرة في سوريا، يمكن التوصل إلى معرفة الأسباب الداعية، وبالتالي تحديد طبيعة وأنواع ودرجات الفئات الخارجة منه وعليه، بالشكل التالي:

١ – الفئة الأولى: من الذين توصلوا إلى قناعة مبدئية مبكراً بعدم جدوى الاستمرار، وخطورة هذا النهج على الشعب الكردي وقضيته القومية، وذلك بعد تجارب مريرة، وإقدامهم على المراجعة النقدية بكل شفافية. قسم من هذه الفئة استمر في المواجهة نظرياً، وعلى أرض الواقع، وقسم انسحب بهدوء من كل الحياة السياسية.

٢ – الفئة الثانية: تتشكل من أفراد حملوا طموحات لتحسين أوضاعهم الخاصة، وشغل مواقع لها سلطة ونفوذ عبر الانخراط التنظيمي أو تقديم الخدمات. وقد نجد بين هذه الفئة مثقفين، وأكاديميين، وإعلاميين، انقلبوا على – جماعتهم – بعد سنوات من الموالاة، وبث البروبكندا لصالحها، ومواجهة خصومها، وذلك لشعورهم بالغبن، وعدم تلقي التكريم اللازم في مناصب ومواقع تدر عليهم المال والجاه. وتصاعدت معارضة هذه الفئة أكثر بالتزامن مع تراجع دور هذا الحزب وفروعه محلياً، وإقليمياً، ودولياً، كما حصل مع – قسد – في سوريا.

٣ – الفئة الثالثة: من أمراء الحرب، ومسؤولي المال والصفقات التجارية، الذين غادروا سراً وبصورة مفاجئة إلى أماكن أخرى، حاملين ما تيسر من ملايين الدولارات. ومن بين هذه الفئة عناصر – مزروعة – من جانب أجهزة الدوائر الحاكمة الإقليمية، حيث غابت عن المشهد، أو برزت بشكل جديد بعد انتهاء مهامها السابقة.

٤ – الفئة الرابعة: من الجمهور الوطني العفوي الواسع، الذي منح ثقته لهذا الحزب وفروعه، وقدم له العنصر البشري المضحي وكل ما لديه، وإذ به يتابع أخبار اختطاف ومقتل ابنته، وابنه، وقريبه، من وسائل الإعلام، وأصبح يواجه الندم يوم لا ينفع، ولا شك أن الغليان يسود هذه الأوساط بانتظار الانفجار المدوي.

من دون أن ننسى فئة (كلنا قسد) الموسمية – المتقلبة، أقول: من الأسلم تفهم جميع هذه الحالات، وتشجيع كل من يسعى بصدق إلى المراجعة الجادة، وتصحيح المسار، والتقدم نحو الأفضل.

من جهة أخرى، فإن هذا المشهد البائس المزري يلقي بظلاله الآن على شعبنا الكردي السوري، ولن ينفع طريق النأي بالنفس وحصر المسؤولية على متنفذي هذا الحزب ومسؤولي فروعه، رغم صحته، بل علينا جميعاً تحمل مسؤولياتنا القومية والوطنية، والتصدي لهذه النكبة من خلال قراءة موضوعية مسؤولة. فما حصل سينعكس سلباً على حاضر شعبنا ومستقبل قضيته، خصوصاً من زاوية تبعات الفراغ الذي سينشأ في الساحة الكردية السورية، والذي يتطلب، بأقصى سرعة، العمل على تفاديه، وقطع الطريق على المفاجآت غير السارة التي قد تظهر تحت ذريعة ملء الفراغ.

وكما أرى – منذ أعوام والآن –، منذ بداية الأزمة وبعد تفاقمها، وقبل حصول النكبة، فإن الخطوة الأولى من أجل الإنقاذ تكمن في العمل على توفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع في العاصمة دمشق، وأولها التوافق على اختيار لجنة تحضيرية للإعداد، والإشراف، والتنسيق مع الحكومة الانتقالية.

وستكون من أهداف هذا المؤتمر القيام بمراجعة عامة، وإعادة بناء الحركة السياسية الكردية، واستعادة وحدتها وشرعيتها، وإقرار المشروع الكردي للسلام والمصالحة، وانتخاب هيئة تمثل الكرد للحوار مع العهد الجديد، من أجل تحقيق التشاركية، والتوافق على حل عادل للقضية الكردية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن محمد الحقوق لا تتجزأ، والاقرار بالحق كاشف له وليس منشئا له. كما ان الاعتراف بالهوية الجامعة للدولة ليس منة من احد، بل هو حق وواجب ومسؤولية وطنية وسياسية واخلاقية. تكمن المشكلة الاساسية في ذهنية السلطة الانتقالية المؤقتة في دمشق، وفي نمط التفكير الذي يحكم مقاربتها للقضية الكوردية، ولا سيما عندما يكرر بعض مسؤوليها ان اهلنا واخوتنا الكورد قد…

لوند حسين* ثمة شخصيات في التاريخ الكُردي لا يظلمها أعداء الكُرد وحدهم، بل قد يظلمها الكُرد أيضاً عندما نقرأ تاريخها بعين الخلافات السياسية اللاحقة، ونحاكم أصحابها بأحكام لم تكن موجودة في زمنهم؛ وحسن خيري بك واحد من أكثر هذه الشخصيات إثارةً للجدل، وربما واحد من أكثرها تعرضاً للظلم وسوء القراءة في تاريخ الكُرد الحديث؛ فبينما يصر بعض الكتاب والباحثين الكُرد…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني في تاريخ الصراعات السياسية، هناك مواقف تنتهي بانتهاء أصحابها، وأخرى تتحول إلى ذاكرة جماعية تتناقلها الأجيال وتعيد إنتاجها بأشكال جديدة. ولعل مفهوم “الثبات على الموقف” في التجربة التي خاضتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية ينتمي إلى النوع الثاني؛ إذ لم يبقَ مجرد توصيف أمني استخدمته أجهزة القمع لتمييز المعتقلين، بل تحول مع…

لاوين إبراهيم مع إزاحة النحات المبدع منير شيخي الستار عن تمثالي المقاتلين الميديين عند مدخل حديقة القامشلي، لا تبدو اللحظة مجرد حدث فني يستحضر التاريخ والذاكرة. فالتمثال، حين يقف في مدينة مثل القامشلي، يتحول إلى مرآة تقابل الماضي بالحاضر، وتستدعي معنى المقاتل ودوره ومصيره. وتأتي هذه اللحظة في وقت تدخل فيه المنطقة الكوردية في سوريا مرحلة مختلفة. فالمكان الذي شهد…