المختبر السياسي -8- السرطان السياسي… حين يتحول المرض إلى جسد داخل الدولة

كفاح محمود

  في الطب، لا يبدأ السرطان كمرض شامل، بل يبدأ غالبًا بخلل في خلية واحدة، ثم ينمو وينتشر حتى يصبح قادرًا على غزو الأنسجة السليمة وتعطيل وظائف الجسد، وخطورة السرطان أنه لا يكتفي بإصابة جزء من الجسم، بل يحاول تحويل بيئة الجسد كلها إلى بيئة تخدم استمراره، وفي السياسة، هناك مرحلة تصبح فيها الأمراض المتفرقة داخل الدولة أكثر من مجرد أزمات عابرة، فعندما تجتمع الأورام السياسية، والنزيف المالي والإداري، والجلطة التي تعطل القرار، والزهايمر الذي يفقد الدولة القدرة على رؤية واقعها والتعلم من أخطائها، فإننا نكون أمام حالة أكثر خطورة: ألا وهي السرطان السياسي، وهو هنا ليس فساد مسؤول أو فشل حكومة، بل تحول الخلل إلى منظومة قادرة على حماية نفسها وإعادة إنتاجها. يصبح الفساد شبكة، والمحاصصة قاعدة، والامتيازات حقًا مكتسبًا، وتتحول المؤسسات من أدوات لخدمة الدولة إلى أدوات لخدمة المصالح التي نشأت داخلها.

  وفي المراحل الأولى قد تبدو هذه الظواهر منفصلة؛ تجاوز للقانون هنا، استغلال للمنصب هناك، أو قرار يخدم فئة معينة، لكن الخطر يبدأ عندما ترتبط هذه الخلايا ببعضها، فتتحول من مخالفات فردية إلى بنية كاملة تقاوم الإصلاح، لأنها ترى في إصلاح الدولة تهديدًا لمصالحها، ومن أخطر أعراضه هو تراجع قدرة الدولة على توفير العدالة والفرص، فالفقر المدقع، وارتفاع البطالة، واتساع الفجوة بين فئات المجتمع، ليست دائمًا مجرد أرقام اقتصادية، بل قد تكون علامات على أن الدولة فقدت قدرتها على النمو السليم، فالدولة التي تملك الموارد لكنها تعجز عن تحويلها إلى تنمية وفرص عمل، تشبه جسدًا يملك الغذاء لكنه لا يستطيع توزيعه على أعضائه، ويظهر السرطان السياسي أيضًا عندما يضعف مفهوم الولاء الوطني، فتظهر ولاءات متعارضة تجعل بعض القوى تقدم مصالح خارجية أو فئوية على مصلحة الوطن، فالدولة لا تستطيع أن تكون قوية إذا أصبحت قراراتها موزعة بين مراكز تأثير متعددة، أو إذا تحولت السيادة إلى مساحة للتجاذب والنفوذ.

  ومن أعراضه كذلك انتشار الجريمة المنظمة والمخدرات عندما تعجز مؤسسات الدولة عن المواجهة أو عندما تجد هذه الظواهر بيئة حاضنة بسبب ضعف القانون وتراجع الرقابة، فالجريمة لا تنمو في الفراغ، بل تستفيد عادة من المناطق التي يضعف فيها حضور الدولة، ناهيك عن المحسوبية والمنسوبية التي ينتجها النظام القبلي، وهذه الأخيرة خطيرة جدا لأنها تجعل المجتمع يفقد ثقته بالدولة نفسها، وعندما يصل المواطن إلى قناعة بأن القانون لا يحميه، وأن الفرص لا تُمنح على أساس الكفاءة، وأن المستقبل مغلق أمامه، فإن المرض يكون قد تجاوز المؤسسات إلى روح المجتمع.

  إن علاج السرطان السياسي لا يكون بتغيير الوجوه فقط، بل بإصلاح البيئة التي تنتج المرض: بناء مؤسسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، وحماية المال العام، وتحقيق العدالة، وفتح الطريق أمام الكفاءات والأجيال الجديدة، فالسرطان السياسي لا يقتل الدولة لأنه أقوى منها، بل لأنه ينمو داخلها ويتغذى على نقاط ضعفها، ولذلك فإن أخطر لحظة ليست عندما يظهر المرض، بل عندما يصبح المرض جزءًا من حياة الدولة ويُعامل وكأنه طبيعتها الأصلية، حيث تأخذ الأعراف القبلية كرسي القانون كي تتحكم بأخطر مفصل من مفاصل العدالة وهيبة الدولة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس ثم جاءت الكلفة الخارجية، وهي ربما أكثر ما يفسر لماذا لم تبقَ أزمة إيران داخل حدودها. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، أصبح دعم القوى السياسية والمسلحة خارج الحدود ركيزة ثابتة في السياسة الإيرانية. وأنشأ الحرس الثوري، ولا سيما فيلق القدس، شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، واستخدم المال…

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…