محمدالشرف الحسيني
تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت
ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى.
ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي في كوردستان عامة، والحدث الكوردي السوري خاصة، هي التي دفعتني إلى محاولة مزج مفهومين مختلفين في الأصل: الباطنية بوصفها مفهومًا يقوم على وجود مستوى ظاهر ومستوى مستبطن، والقومية بوصفها مفهومًا سياسيًا واجتماعيًا واضح التعريف والخطاب.
فما لفت نظري، وأثار لديّ سؤال البحث، هو ذلك التناقض الصارخ الذي بدا لي في بعض التجارب بين الخطاب السياسي والعمل السياسي؛ أي بين ما يُقال وما يُفعل، وبين النية المعلنة والفعل السياسي على الأرض.
ومن هنا تأتي أهمية البحث في الباطنية داخل الحركة القومية الكوردية؛ لا باعتبارها تهمة جاهزة لحزب أو حركة، ولا باعتبارها حقيقة مطلقة، وإنما بوصفها سؤالًا سياسيًا وتاريخيًا: ماذا يحدث عندما لا يتطابق الظاهر مع الباطن، والشعار مع الممارسة، والتضحيات مع النتائج؟
فالقضية ليست في أن يكون الحزب سريًا أو أن يمتلك جهازًا تنظيميًا مغلقًا؛ فالسرية قد تكون ضرورة في ظروف القمع والحرب. القضية الأعمق هي: هل ما يقال للشعب هو فعلًا ما يُراد تحقيقه؟
فالمشكلة لا تبدأ عندما يختلف حزب كوردي مع حزب كوردي آخر، ولا عندما تتعدد الاجتهادات داخل الحركة القومية؛ فالاختلاف والتعدد من طبيعة العمل السياسي. وإنما تبدأ المشكلة عندما يصبح هناك مستويان للفعل السياسي: مستوى ظاهر يخاطب الجماهير ويقدم نفسه بوصفه حاملًا لمشروع قومي، ومستوى مستبطن تحكمه غايات أو حسابات أخرى، قد تتقدم على الغاية القومية المعلنة أو تعيد تعريفها من الداخل.
1 ـ الباطنية: تعريفًا وتاريخًا وتطورًا
عرف التاريخ الباطنية في صور دينية وفلسفية وسياسية متعددة. وفي بعض مراحلها ارتبطت بالتنظيمات المغلقة والعمل السياسي السري وشبكات الاغتيال، ومن أشهر نماذجها التاريخية الإسماعيلية، إلى جانب جذور وتأويلات دينية و فلسفية أقدم.كالفيثاغورثية
والباطنية، في أصلها التاريخي، مفهوم يرتبط بوجود معنى ظاهر ومعنى مستبطن، وبتمييز بين ما يُقدَّم للعامة وما يُفهم داخل الجماعة أو التنظيم على مستوى أعمق. وقد ظهرت بأشكال دينية وفلسفية وسياسية مختلفة.ودائما ظاهرها عكس باطنها.
أما في هذا البحث، فأنا لا أنقل المفهوم الديني بحرفيته إلى المجال الحزبي، بل أستعيره بوصفه أداة تحليلية لفهم ظاهرة سياسية يمكن أن يكون فيها الخطاب المعلن شيئًا، والغاية المستبطنة شيئًا آخر، أو تكون الوسائل والممارسات الفعلية موجهة نحو غاية لا يكشف عنها الخطاب العام بصورة كاملة.
وبذلك فالسرية جزء محتمل من أدوات الباطنية، لكنها ليست الباطنية نفسها؛ فقد يكون التنظيم علنيًا، وشعاراته معلنة، وقياداته معروفة، ومع ذلك تكون بنيته السياسية قائمة على مستويات متعددة من الخطاب والغاية والممارسة.
وقد تصبح الباطنية، حين تدخل المجال السياسي، أداة لفهم تنظيمات تبدو قومية في خطابها، بينما تقود بعض ممارساتها إلى نتائج مختلفة عن أهدافها المعلنة.
2 ـ بين المذاهب والأحزاب: الرابطة والاختلاف
ليس المقصود القول إن الحزب السياسي مذهب باطني، ولا إن كل تنظيم سري هو تنظيم باطني. وإنما المقصود أن بعض الآليات التي عرفتها الباطنية التاريخية يمكن أن تظهر، بصورة مختلفة، داخل العمل السياسي والتنظيم الحزبي: تعدد مستويات الخطاب، وحجب بعض الغايات، والفصل بين ما يُقال للجمهور وما يُدار داخل التنظيم، أو بناء خطاب تعبوي يخفي خلفه أولويات أخرى.
فالمذهب يقوم على منظومة دينية أو فلسفية، بينما الحزب يقوم على مشروع سياسي وتنظيمي. ولذلك فإن استخدام مفهوم الباطنية في دراسة الأحزاب لا يعني مساواتها بالمذاهب، وإنما يعني استخدام المفهوم كأداة تحليلية مستقلة لفهم العلاقة بين الخطاب والغاية والممارسة.
ومن هنا تصبح (الباطنية الحزبية السياسية) مفهومًا تحليليًا مستقلًا؛ لا يعني بالضرورة وجود عقيدة سرية، وإنما يعني وجود مستوى مستبطن من الغاية أو المنهج لا يتطابق كليًا مع المستوى الظاهر.
وتختلف الباطنية الكوردية السياسية، في هذه القراءة، عن الباطنية السياسية لدى القوميات الحاكمة في المنطقة؛ فبينما يمكن أن تتخذ الباطنية الكوردية شكل حركات أو تنظيمات متعاونة أو مخترقة من أجهزة حكومات تلك الدول، فتعمل ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ ضد مصالح وأهداف الحركة القومية الكوردية المتمثلة في الحرية والاستقلال، فإن الباطنية السياسية العربية والتركية والفارسية قد اتخذت، في نماذج تاريخية متعددة، صورة تنظيمات عنصرية وقمعية ذات طابع إجرامي، تعمل بوصفها أدوات رديفة للمشاريع القومية المهيمنة لتلك الشعوب والدول، وتستهدف إضعاف الوجود والحقوق القومية الكوردية.
3- نماذج الباطنية السياسية.
1 ـ إدريس البدليسي: من الفكرة إلى العمل
يمثل الشيخ والعلامة إدريس البدليسي، في قراءتي، نموذجًا مختلفًا يمكن الاستفادة منه لفهم العلاقة بين الفكرة والغاية والعمل السياسي.
كانت لديه رؤية سياسية تتجه نحو جمع القوة الكوردية ضمن إطار إسلامي إمبراطوري، وسعى إلى ترجمة هذه الرؤية من خلال التواصل مع أمراء الكورد وبناء شبكة من التحالفات.
وعلى المستوى القومي، حاول مخاطبة أمراء الكورد وجمع الإمارات الكوردية، وعلى المستوى الديني والسياسي سعى إلى توحيد القوى الكوردية والإسلامية ضمن إطار سياسي أوسع.
لم ينجح البدليسي في إقامة كيان كوردي موحد، لكنه نجح في دفع عدد من الإمارات الكوردية إلى التحالف مع السلطان العثماني، بما أدخل القوة الكوردية في سياق سياسي وعسكري خدم في النهاية مشروعًا عثمانيًا إمبراطوريًا أوسع.
وهنا تكمن أهمية النموذج: ليس كل ما هو مستبطن سلبيًا بالضرورة؛ فقد تكون الغاية المستبطنة استراتيجية بعيدة المدى، وقد تكون الوسيلة لتحقيق هدف لا يمكن إعلانه بصورة مباشرة.
فالدرس في تجربة البدليسي لا يكمن في نجاح المشروع أو فشله فقط، وإنما في وضوح العلاقة بين الفكرة والوسيلة والهدف، وفي محاولة تحويل الفكرة السياسية إلى فعل واقعي.
2 ـ الحركة القومية الكوردية بين العلنية والباطنية
من هذه الزاوية يمكن التمييز بين باطنية سياسية قد تكون إيجابية، وباطنية أخرى قد تتحول إلى عامل استنزاف قومي.
* الباطنية الإيجابية
قد تعني أن تنطلق الحركة من الواقع، فتتبنى مطالب مرحلية تبدو محدودة، لكنها تؤسس لكيان قومي أقوى في المستقبل. وقد تعني أيضًا الحفاظ على الوجود القومي في مرحلة لا تسمح موازين القوى فيها بتحقيق الهدف النهائي.
فقد تضطر الحركة القومية إلى خفض سقف مطالبها، أو تغيير أدواتها، أو الدخول في تحالفات مؤقتة، بينما يبقى الهدف البعيد حاضرًا في حساباتها.
* الباطنية السلبية
تظهر عندما تكون الشعارات، سواء كانت مرتفعة أو منخفضة السقف، غطاءً لممارسة تؤدي عمليًا إلى استنزاف الطاقة القومية أو إضعاف المشروع القومي.
وقد تظهر عندما يصبح التنظيم، أو الأيديولوجيا، أو التحالف، أو الصراع الداخلي، أولوية تتقدم على المصلحة القومية الأوسع؛ أو عندما يتحول التنظيم من وسيلة لخدمة القضية إلى كيان يبحث عن استمرار نفوذه حتى لو كان ثمن ذلك استنزاف القضية نفسها.
ولهذا يمكن قياس الباطنية السياسية بثلاثة عناصر مترابطة: الخطاب المعلن، والهدف المستبطن، والوسيلة المستخدمة للوصول إليه، ثم النتيجة التي يتركها ذلك كله على القضية القومية.
وعندها لا يعود السؤال: ماذا قال التنظيم فقط؟ بل يصبح السؤال: ماذا أراد؟ وكيف عمل؟ وإلى أين قاد عمله؟
3 ـ الاتحاد الوطني الكوردستاني: سؤال الشعار والغاية
تأسس الاتحاد الوطني الكوردستاني في دمشق عام 1975، ورفع خطابًا قوميًّا يساريًا. لكن مساره دخل في صراع حاد مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)، فكريًا وسياسيًا وعسكريًا، كما شهد صدامات مع الحزب الشيوعي العراقي وانشقاقات وصراعات داخلية، خصوصًا خلال الثمانينيات.
ومن وجهة نظر هذه الدراسة، تطرح هذه التجربة سؤالًا يتجاوز مجرد الاختلاف الحزبي:
هل كان الصراع مع الطرف الكوردي الآخر نتيجة طبيعية لاختلاف فكري وسياسي، أم أن هناك في بعض المراحل مستوى مستبطنًا من العمل جعل إضعاف المنافس الكوردي جزءًا من الحسابات الأساسية للتنظيم؟
لا تكفي الشعارات للإجابة عن هذا السؤال، كما لا تكفي الخلافات السياسية وحدها. وإنما يحتاج الأمر إلى دراسة الوثائق، والتحالفات، والقرارات، والممارسات، والنتائج، ثم مقارنة ما كان يقال علنًا بما كان يجري فعليًا.
فالاختلاف السياسي لا يصبح بحد ذاته باطنية، والصراع بين حزبين لا يعني تلقائيًا وجود مؤامرة داخلية؛ وإنما يصبح السؤال مشروعًا عندما تتكرر الممارسات والنتائج بطريقة تجعل إضعاف الطرف الكوردي الآخر يبدو، في مرحلة معينة، أهم من تعزيز المصلحة القومية المشتركة.
ولهذا أتعامل مع هذه التجربة بوصفها نموذجًا محتملًا للباطنية الحزبية السياسية، وفرضية تاريخية تستحق البحث، لا حكمًا نهائيًا صادرًا عن محكمة التاريخ.
4 ـ حزب العمال الكوردستاني: بين الباطنية والقومية
أما حزب العمال الكوردستاني (PKK)، فيمثل نموذجًا آخر يمكن من خلاله دراسة الباطنية الحزبية السياسية، ليس فقط بسبب السرية التنظيمية والعمل المسلح، وإنما بسبب تعدد مستويات الخطاب والتحولات العميقة في تعريف الهدف والعدو والوسيلة وشكل الحل السياسي.
فقد خرج التنظيم من بيئة جامعية وفكر شيوعي ثوري، ثم انتقل إلى القومية المسلحة، وشهدت أفكاره وشعاراته ورموزه تحولات متتابعة.
ومن مشروع بدأ بخطاب يقوم على تحرير وتوحيد كوردستان، انتقل التنظيم، عبر تحولات فكرية وسياسية متعاقبة، إلى أطروحات مختلفة جذريًا في تعريف شكل الحل والعلاقة مع الدول القائمة والقوميات الحاكمة.
كما شهدت بدايات العمل المسلح مواجهات مع شخصيات وأطراف كوردية، تحت عناوين فكرية أو اتهامات بالخيانة. وبعد انقلاب 1980 في تركيا، انتقل التنظيم إلى ساحات سوريا والعراق وإيران، ودخل في صراعات إقليمية كوردية معقدة، إلى جانب صراعات وانشقاقات وتصفيات داخلية.
ثم جاءت الثورة المسلحة 1984م محاولة لفرض الورقة الكوردية على الواقع والخروج من تأثيرات التدخلات الإقليمية، لكنها أنتجت أيضًا مسارًا طويلًا من الصراعات الداخلية والتحولات الفكرية والتنظيمية. ولم تنجح في فرض ورقة الحزب في المنطقة كقوة ثورية كوردية تمتلك الارض المحررة. رغم سيطرته و انتقاله الى كوردستان سوريا و التحكم بمنطقة واسعة من سوريا ذات خليط وطني بعيدا عن المحسوبيات القومية .
وادت تطور الاحداث الى ان الشعب الكوردي هناك دفع ثمنا باهظا ( شهداء. هجرة. فقر. تغيرات ديموغرافية لم تكن لصالح القومية الكوردية واثار نفسية عميقة ، واشكالات قومية رغم اممية الحزب فكرا و ممارسة )
وهنا لا تكمن المسألة في أن الفكر السياسي يتغير؛ فالتغيير حق طبيعي لأي حركة سياسية. وإنما السؤال هو: هل كانت التحولات المعلنة تعكس بالفعل التحولات العميقة في الغاية والمنهج؟ وهل كانت هناك في مراحل معينة أهداف مستبطنة تختلف عن الخطاب المعلن؟
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: متى يتحول التنظيم من أداة للقضية إلى قضية بحد ذاته؟
5 ـ الحزب الديمقراطي الكوردستاني: تطابق الظاهر والباطن
في المقابل، يمكن النظر إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) بوصفه نموذجًا كوردياً أقرب إلى تطابق المنهج الظاهري مع المنهج الباطني؛ أي أن الخطاب المعلن والهدف السياسي والممارسة التنظيمية تتحرك، في جوهرها، ضمن اتجاه قومي واحد، حتى عندما تتغير الوسائل والتكتيكات.
فمنهجه السياسي واضح: الدفاع عن الحقوق القومية الكوردية، والعمل ضمن الواقع السياسي القائم، مع التمسك بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة.
وبذلك لا تبدو القضية القومية، وفق هذه القراءة، مجرد واجهة لمشروع آخر مستبطن؛ بل إن العمل السياسي، والتحالفات، والتفاوض، والصراع، وحتى التراجع التكتيكي، يمكن قراءتها باعتبارها أدوات ضمن مشروع قومي أوسع.
ورغم ما تعرض له الحزب خلال مسيرته من صراعات وضغوط وانشقاقات ونكسات كادت أن تنهيه تنظيمًا ونهجًا، فإن الخلافات الداخلية والنكسة لم تتحول ـ وفق هذه القراءة ـ إلى منهج تنظيمي ثابت يقوم على تصفية الخصوم الداخليين جسديًا.ولا الى التراجع عن الاهداف ومتابعة النضالي القومي الثوري .
ويُعد انشقاق عام 1980 مثالًا مهمًا؛ إذ لم يتحول إلى حرب داخلية دموية، كما أن خروج بعض القيادات أو إعلانها مواقف معادية للحزب لم يكن يقابله، كقاعدة تنظيمية، الاغتيال والتصفية.
كما أن الحزب لم يتهرب، في مراحل مختلفة، من التنسيق والعمل الجبهوي مع أطراف كوردية أخرى، حتى في ظل الخلافات السياسية العميقة.
وهنا تكمن المفارقة المهمة في المقارنة: قد يكون الحزب قويًا أو ضعيفًا، وقد يخطئ أو يصيب، وقد يختلف معه الآخرون، لكن ذلك شيء، وأن يكون الظاهر واجهة لغاية أخرى شيء مختلف تمامًا.
فالمشكلة ليست في اختلاف المنهج، وإنما في انفصال الظاهر عن الباطن.
أما حين يتطابق الظاهر والباطن، يصبح الشعار عنوانًا للمنهج، ويصبح العمل امتدادًا للفكرة.وهذا سر نجاح الپارتي وديمومته وقيادته للحركة التحررية الكوردية نهجا وعملا.
4 ـ اللاقومية الكوردية: حين يصبح الاستنزاف قضية
من هنا أطرح مفهوم اللاقومية الكوردية لا كشتيمة سياسية، وإنما كظاهرة سياسية واجتماعية ظهرت للعلن وتستحق الدراسة:
كيف يمكن لتنظيم يحمل اسمًا وشعارًا قوميين أن تنتج بعض سياساته، في مرحلة معينة، نتائج تضعف القوة القومية نفسها؟
واللاقومية هنا لا أقصد بها بالضرورة رفض الهوية الكوردية أو العداء لها؛ فقد يكون صاحب الخطاب اللاقومي كورديًا من حيث الهوية، لكنه يتبنى سياسيًا ممارسات تجعل الأولوية للتنظيم أو الأيديولوجيا أو التحالف أو الصراع الداخلي على حساب المصلحة القومية الأوسع.
وهذا هو أحد أخطر وجوه الباطنية السياسية: أن يحمل التنظيم اسم القضية، ويتحدث بلغتها، ويستمد شرعيته من تضحيات أبنائها، ثم تصبح الأولوية في الممارسة للحفاظ على التنظيم أو نفوذه أو أيديولوجيته أو تحالفاته، حتى عندما تتعارض هذه الأولويات مع المصلحة القومية الأوسع.
في سوريا وتركيا كانت أثمان الصراعات الكوردية الداخلية باهظة، وفي العراق كان وجود قوى كوردية متنافسة وموازية عاملًا في خلق توازن نسبي، بينما تحتاج التجربة الكوردية في إيران، ومنها تجربة PJAK، إلى دراسة مستقلة في العلاقة بين الشعارات والتضحيات والنتائج.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
هل كل دم كوردي سُفك كان يخدم المشروع القومي الكوردي بالضرورة؟
وهل كل انتصار عسكري لتنظيم كوردي كان انتصارًا للقضية الكوردية؟
وهل كل هزيمة لخصم كوردي كانت مكسبًا لكوردستان؟
الخاتمة: هذه وجهة نظر وليست محكمة تاريخية
ما سبق ليس حكمًا نهائيًا على الأحزاب الكوردية، ولا محاولة لاختزال تاريخ الحركة القومية الكوردية بمفهوم الباطنية.
إنه محاولة لطرح مفهوم «الباطنية الحزبية السياسية» بوصفه أداة لقراءة بعض التجارب، والبحث في المسافة بين الخطاب المعلن والغاية المستبطنة، وبين الغاية والوسيلة، وبين التضحيات والنتائج.
وقد يكون هذا المفهوم حاضرًا بدرجات مختلفة، وفي مراحل مختلفة، داخل أكثر من تجربة؛ وقد يكون إيجابيًا في مرحلة، وسلبيًا في مرحلة أخرى. ولذلك فإن الحكم عليه لا يكون بالشعارات، وإنما بكشف العلاقة بين ما قيل، وما أريد، وما فُعل، وما كانت نتيجته.
وقد تختلف هذه القراءة من حزب إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى، بل وقد يختلف الباحثون في تفسير الحدث نفسه.
لكن السؤال الذي أراه جديرًا بالبقاء مفتوحًا هو:
ماذا لو كان جزء من المأساة الكوردية لا يكمن فقط في قوة الأعداء، بل في بعض التنظيمات التي رفعت شعارات قومية، ثم استنزفت ـ عن قصد أو عن خطأ في الحساب ـ جزءًا من القوة القومية التي كان يفترض أن تحميها؟
فإذا كان للباطنية في الحركة القومية الكوردية وحشٌ بألف رأسٍ ورأس، فإن قطع رأس واحد منه لن ينهي المشكلة؛ لأن القضية ليست في رأس واحد، ولا في حزب واحد، ولا في مرحلة واحدة، وإنما في فهم الآلية التي تجعل الظاهر شيئًا والباطن شيئًا آخر.
وعندها فقط يمكن أن نعرف:
أيُّ هذه الرؤوس كان يقاتل من أجل كوردستان، وأيُّها كان يقاتل من أجل نفسه باسم كوردستان؟
إنها ليست إدانة مسبقة، وإنما دعوة إلى البحث؛ لأن القضايا القومية لا تُقاس بارتفاع الشعارات وحده، ولا بعدد الضحايا وحده، وإنما بما تتركه التضحيات من قوة وحرية ووجود وقرار ومستقبل للشعب الذي قُدمت باسمه.