إعداد: سليمان علي Suleiman Ali
يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026.
بعيداً عن الاستقطاب السياسي، ومن خلال تفكيك البنية الهيكلية (( والظروف الذاتية الموضوعية )) التي أُقتيدت هذا المشروع من الذروة إلى مشهد الأطلال النهائي عام 2026.
## مأزق الهيكلية والارتهان الجيوسياسي (تفاعل الداخل والخارج).
لم يكن التراجع الدراماتيكي لمشروع الإدارة الذاتية نتاج عامل منفرد، بل جاء محصلة لتقاطع حاد بين حسابات القوى الدولية والإقليمية من جهة، والاهتزازات البنيوية داخل المنظومة ذاتها من جهة أخرى.
ـ على الصعيد الخارجي، اعتمدت الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة منذ عام 2014 على مقاربة (وظيفية مؤقتة ومحدودة المهام)، تلخصت في الشراكة البرية لمكافحة تنظيم داعش. ومع تغير الأولويات الجيوسياسية وصولاً إلى مطلع عام 2026، ظهرت حدود هذا الدعم الدولي عندما أخلت التفاهمات الإقليمية الكبرى بالغطاء الممنوح للمنطقة، مما مهد الطريق أمام هجوم الحتمي في الشهر الأول 2026 واتفاقات الدمج اللاحقة مع الدولة المركزية في الشهر الثامن من العام نفسه.
وفي المقابل، شكلت الضغوط العسكرية التركية المستمرة والعمليات الميدانية المتواطئة والمتتالية قضمًا متواصلاً للعمق الجغرافي للمشروع، ما وضعه في حالة استنزاف دائم.
ـ أما على الصعيد الداخلي، فقد واجه المشروع مأزقاً فكرياً وتنظيمياً تمثل في الفجوة بين قوالب الأطروحات النظرية المستوردة والواقع المجتمعي. فبينما تبنت المنظومة نموذج “الأمة الديمقراطية” والكونفدرالية العابرة للقوميات، اصطدمت آليات التطبيق ببنية مجتمعية محلية (كردية وعربية وسريانية) ذات طابع شبه محافظ وعشائري.
هذا التباين حوّل الأطروحات الفكرية في نظر شرائح واسعة من الخليط السكاني إلى نمط من الأدلجة الإلزامية التي لا تتطابق مع أولوياتهم الحقيقية في الاستقرار والأمان .
## مفارقة الثراء المادي والتراجع المجتمعي.
رغم آلية السيطرة التي تمت منحها على أهم الموارد الحيوية في شمال شرق سوريا، من حقول النفط والغاز في الرميلان والعمر، وصولاً إلى سلال القمح الاستراتيجي، والدعم المادي واللوجستي الغربي الضخم، إلا أن هذه الوفرة لم تستثمر ضمن خطة استراتيجية لاستقطاب القوى البشرية ولم تترجم إلى تنمية مستدامة أو رفاه اجتماعي. فقد أدى غياب الشفافية الإدارية وصعود طبقة قيادية أحادية التفكير والمنطق بمصادرة القرار والتوجه الاقتصادي إلى نشوء بنية هرمية إقصائية.
مما أدى إلى رسم ملامح المواطن البسيط في كافة المناطق من عفرين إلى قامشلو والحسكة مروراً بدير الزور من أزمات معيشية حادة وشح في الخدمات الأساسية، مما فجر أزمة ثقة عميقة بين الشارع والسلطة القائمة.
وتعمق هذا التراجع المجتمعي مع فرض سياسات التجنيد الإجباري تحت مسمى “الدفاع الذاتي”. فبدلاً من أن تتحول القوة العسكرية إلى مظلة حماية جامعة، شَعرت فئات واسعة من الشباب بأن طاقاتها تُستنزف في معارك وحروب بالوكالة تخدم استمرارية المنظومة وتوازناتها الخارجية، إضافةً لذلك موجات الهجرة الجماعية للعقول والطاقات البشرية هرباً من هذه التراتبية المفروضة والقناع المستتر.
## هشاشة التحالفات ونقطة التحول.
تجلت الهشاشة البنيوية للمشروع في طبيعة التحالفات التي نسقتها القيادة مع المكونات المحلية، وخاصة العشائر العربية في الرقة ودير الزور.
لم تكن هذه الشراكات مبنية على عقد اجتماعي متين أو صياغة حقيقية لمصير مشترك، بل استندت في كثير من الأحيان إلى توازنات مصلحية هشة وشراء للولاءات.
ومع بدء تراجع النفوذ المادي والعسكري للمنظومة في عام 2026، تصدعت هذه التحالفات سريعاً عبر انشقاقات واضطرابات محلية، مما كشف الغطاء عن الهيكل الإداري عند أول اختبار حقيقي.
في المحصلة الفكرية، يتبين للمراقب أن مشروع روجآڤا Rojava وقع في فخ إعادة إنتاج “العقل الهرمي” ذاته الذي سعى نظرياً إلى نسفه.
فتحولت ما تبقى من التضحيات الجسيمة وطاقات الشعب إلى أدوات في حلقة مفرغة من الصراعات، لتنتهي التجربة بالعودة إلى المربع السياسي الأول بفعل الهشاشة الداخلية وتبدل المصالح الدولية.
04.09.2026