حرب الأخوة والتوازنات الكبرى: قراءة في المأزق الفكري والسياسي للحركة الكوردية في سوريا

عبدالباقي اليوسف

تتداخل في لحظات التحول التاريخي الكبرى موازين القوى الدولية والإقليمية مع الاستجابات الذاتية للفاعل السياسي المحلي، لترسم حدود الممكن والمستحيل. وما شهدته الساحة السورية مؤخراً ليس مجرد تغير في هيكل السلطة بدمشق، بل هو تحول جيوستراتيجي عميق يتطلب تفكيك أبعاده الفكرية والسياسية بدقة. إن المشهد الذي رأينا فيه انتقال أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) من مطلوب على قوائم الإرهاب الدولية إلى حاكم ورئيس لسوريا، بالتوازي مع مغادرة بشار الأسد للبلاد وتخليه عن السلطة التي ورثها دون مقاومة تُذكر، يختزل جوهر السياسة الدولية التي تقوم على التوافقات والتفاهمات بين القوى العظمى، لا على الشعارات أو العواطف.

أمام هذه الزلازل السياسية، يبرز السؤال الجوهري والملح: كيف تفاعلت الحركة السياسية الكوردية في سوريا مع هذا الواقع المستجد؟

للأسف الشديد، يظهر الاستقراء السياسي أن الحركة الكوردية لم ترتقِ إلى مستوى هذا الحدث التاريخي الفارق. فلم تشهد الساحة الكوردية مشاورات موسعة أو حوارات جادة لوضع استراتيجية موحدة للتعامل مع الخارطة الجديدة. وإن حدثت بعض اللقاءات، فقد بقيت في إطار الاجتماعات المحدودة، واقتصرت على أطراف مقربة وبطريقة روتينية كأي حدث عابر. لقد ساد لدى البعض انطباع قاصر استهان بعمق التحول، واعتبر أن الأمر لا يعدو كونه صراعاً هيكلياً عابراً بين فصائل متشددة ستكتفي واشنطن وحلفاؤها بمراقبته عن بعد. بل إن محطات مثل “كونفرانس 26 أيار 2025” للقوى الكوردية ما كانت لتتحقق لولا الضغط المباشر من الولايات المتحدة وفرنسا، وبمساهمة من إقليم كوردستان.

إن الغفلة الأساسية للفاعل السياسي الكوردي تمثلت في عدم استيعاب أن تسليم السلطة في دمشق لأحمد الشرع وهيئة تحرير الشام لم يكن وليد المصادفة، بل جاء بناءً على تعهدات وضمانات قدمتها هذه الأطراف للقوى الدولية، وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل، لتنفيذ مطالب واستحقاقات جيوسياسية محددة. وتلك الأجندات الإقليمية الكبرى أضحت -على الأقل في هذه المرحلة التاريخية- تتقدم بكثير على ملفات وقضايا محليّة أخرى، بما فيها القضية الكوردية.

بدلاً من التعاطي الجاد مع هذه الحقيقة، استمر طرفا الخلاف السياسي في “كوردستان الغربية” في خنادقهما الضيقة؛ بل إن البعض زاد من تخندقه وارتهانه للخصومات الذاتية. وفي ظل هذا الواقع الكوردي المتشرذم، يطرح البعض تساؤلات غير واقعية: هل كان بوسع أي طرف كوردي -وهنا أخص قيادة “قسد” برئاسة مظلوم عبدي- أن يقف في وجه اتفاقية 6 يناير الماضي؟

إن الإجابة تتطلب قدراً عالياً من الواقعية السياسية. يجب أن تدرك الحركة الوطنية الكوردية أنه مهما بلغت القوة العسكرية لأي طرف، ورغم عدالة القضية القومية، فإن القوة الذاتية المجردة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية تبدو غير كافية ما لم ترفد بدعم دولي حاسم؛ لكون الفاعل الدولي هو العنصر الأكثر تأثيراً وحسماً في قضايا الشرق الأوسط.

من هنا، فإن الخطاب الداخلي الذي يوجه التهم ويصنع الاتهامات بـ”ضعف الدفاع” أو زعم أن الانسحاب أساء لصورة المقاتل الكوردي، يمثل قراءة مجتزأة؛ فالجهة المقابلة لم تحسم المعركة بقوتها الذاتية الشاملة، بل بتوافقات دولية. والأفكار التي تروج لفرص التضحية ببضع ميئات من المقاتل لدفع القوى الدولية للتدخل تغفل أن الحلفاء أنفسهم هم من ساهموا في هندسة تلك الاتفاقية وطلبوا من قيادة “قسد” عدم القتال والانسحاب، وكل ذلك جرى تحت أنظار قوات الحلفاء التي فضلت المراقبة دون تقديم الدعم.

إن هذا العجز عن الفهم يُشي بأن الحركة الكوردية لم تستفد من دروس التاريخ. ففي عام 1975، انهارت الثورة الكوردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني جراء اتفاقية الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين تحت رعاية دولية. واليوم، يعيد التاريخ نفسه حين لا يريد الفاعل السياسي استخلاص العبر من هذه التجارب، وبدلاً من ذلك تُستغل الانتكاسات كمادة إعلامية وسياسية لتأجيج “حرب الأخوة”، في محاولة من كل طرف لإثبات صحة موقفه وتبرئة ذمته من الأخطاء المتراكمة.

وفي السياق ذاته، فإن التعامل السطحي مع المستجدات القانونية—كاعتبار المرسوم رقم 13 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع مجرد “تكريم” أو “منحة” للشارع الكوردي—يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن حقوق الشعوب لا تُمنح مجاناً أو من فراغ، بل هي نتاج نضال وتضحيات طويلة قدمها أبناء وبنات هذا الشعب. إن نضال الشعوب ليس طريقاً مستقيماً، بل مسار مؤلم ممتلئ بالتعرجات والوديان والهضاب؛ فقد تخسر جولة سياسية لتسعى مستقبلاً للعودة إلى الطاولة بشروط جديدة، وقد تكسب جولة لتكتشف أن الحفاظ على المكاسب أصعب بكثير من تحقيقها.

إن المطلوب اليوم ليس التلاوم أو سياسة التشفي بين أطراف الحركة الكوردية؛ فالخاسر الأكبر من حالة الشرذمة هذه هو الشعب الكوردي بأسره الذي دفع وما يزال يدفع الضريبة الباهظة. في السياسة، ليس من الحكمة ممارسة التشفي، خاصة وأن الكثير من الأطراف تحمل مسؤوليات سياسية تاريخية عن قرارات كارثية خُاضت خلال فترة الانتفاضة والحرب السورية.

إن الحكمة والشجاعة السياسية تقتضيان أن تراجع الحركة الوطنية الكوردية نفسها وتعود فوراً إلى طاولة الحوار لوحدة الصف، بغية تحويل المطالب الشعبية إلى صيغ دستورية وقوانين وتوافقات سياسية قابلة للحياة. ويتمثل هذا المسار العملي في:

  1. التثبيت الدستوري: العمل على تثبيت المرسوم رقم 13 في دستور البلاد الدائم وتطويره.
  2. الشراكة الوطنية: المطالبة بحقوق الشعب الكوردي باعتباره شريكاً رئيسياً وأصيلاً في الدولة السورية.
  3. الاعتراف اللغوي والتعليمي: إقرار اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وتدريس المناهج الدراسية بها في مناطق كوردستان الغربية.
  4. اللامركزية السياسية: السعي لنظام حكم لا مركزي سياسي ينصف جميع المكونات السورية دون استثناء.

إن المطالبة بهذه الحقوق المشروعة لا تعني بالضرورة الانكفاء في موقع “معارضة راديكالية” شبيبة بحقبة حزب البعث، بل تتطلب المشاركة الفاعلة للكورد في جميع مؤسسات الدولة الجديدة، والعمل من داخلها لتحقيق طموحات الشعب لبناء سوريا ديمقراطية، تشاركية، ومسالمة مع شعبها ومحيطها الإقليمي والدولي، وتعمل على توفير الأمن، والاستقرار، والخدمات لكافة مواطنيها.

2/ 9 /2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…

افتتحت جمعية آسو (Komela ASO) e.V.، في التاسع والعشرين من آب/أغسطس 2029، مقرها الجديد في مدينة هيرنه الألمانية، خلال حفل جماهيري واسع شارك فيه أكثر من 200 شخص من أبناء وبنات الجالية الكردية في المدينة والمناطق المحيطة بها. وشهد حفل الافتتاح حضور وفود وممثلين عن كونفدرالية الجالية الكردستانية، ممثلة بالسيدة ليلى ديوباند، والجالية الكردية في ألمانيا، والاتحاد العام للكتّاب والصحفيين…