عبدالله كدو
تحوّل، حديثاً، فيديو لسيدة كردية تتحدث إلى وكالة ANHA، المحسوبة على PKK، إلى «ترند» على وسائل التواصل الاجتماعي الكردية. تقول السيدة – التي تبدو أمّية– في الفيديو: «إن عدد شهدائنا لم يبلغ مليوناً واحداً بعد، فليبلغ عددهم أربعة..خمسة ملايين».
من نافل القول إن الأمية الثقافية والسياسية توفر بيئة أكثر قابلية للتلقين والاستجابة الببغائية، خصوصاً حين يصبح تكرار وتنفيذ مقولات القائد مقياساً لقياس درجات الالتزام بالقضية. ففي البيئات المرتبطة بمنظومة PKK، الأكثر أمّية، التي كانت تضمن استمرار العنف، كان يمكن ملاحظة ذلك في الإكثار من الحث على السلاح والشهادة بشكل مبالغ فيه، حدّ الدعاية، وكذلك في التعامل مع خطاب المنظومة العنفي والتخويني، بوصفه حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى نقاش أو نقد. كيف لا، والهتافات المتداولة داخل المنظومة كانت تقول:
«لن يغادر العدو من دون السلاح، آبو (APO) يقول: السلاح، السلاح، ستالين يقول: السلاح، السلاح».
في الحالة الكردية السورية، ومع دخول المنظومة الآبوجية إلى الساحة، جرى استقطاب مراهقين ومراهقات إلى العمل المسلح، واستشهد كثيرون منهم في سياق هذا الصراع، أولئك الذين كانوا مدفوعين بنوايا صادقة. ومع كل حالة فقد، كان خطاب تمجيد المنظومة ورئيسها والشهيد حاضراً، بما ساهم في إعادة تقديم المأساة بوصفها مبرراً لمواصلة الطريق نفسه، لا بوصفها سبباً للتساؤل عن جدوى ذلك الطريق: يفقد الشاب حياته، فيحمل أخوه السلاح (وفاءً)له وانتقاماً لموته. ويتحول المأتم إلى عرس يُمنع فيه البكاء حتى للأم التي ظلت محرومة من تلقي مكالمة من ابنها الذي قيل له، حتى تكون مناضلاً، يجب أن تتناسى أمك وعائلتك التقليدية، فوالداك وأقاربك الحديثون هم الآن ثلاثية السلاح والجبال وفلسفة القائد، هذه الثلاثية التي تتنافى مع وشائجك العائلية القديمة. والأخطر أن بعض الأسر التي حاولت، في البداية، استعادة أبنائها من جبال قنديل وإنقاذهم من حياة السلاح، وجدت نفسها، بعد فشل تلك المحاولات، أمام أمر واقع يصعب تغييره.
وهكذا انتقل بعض الأهالي من محاولة إنقاذ أبنائهم إلى تمجيد السلاح وحامليه. وفي المقابل، تعرض بعض أبناء العائلات التي اختارت الاستمرار في التعليم ورفضت إرسال أبنائها إلى القتال للاتهام بالجبن والتخاذل والبخل.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الثقافة، حيث تظهر، ليست منفصلة تماماً عن بعض أدبيات المنظومة. فقد وردت في كتابات عبد الله أوجلان فكرة تدعو إلى أن يكون في كل بيت كردي شهيد، لأن الرجل كان يعرف التركيبة العائلية والعشائرية للمجتمعات الكردية التي تثأر لأبنائها، وبالتالي سيستمر تدفق الشباب الجدد إلى قنديل مع تدفق دماء أحبتهم، وفي سياق تفسيره لتاريخ الكرد، وردت في كتابات أوجلان – أيضاً – فكرة أن الزواج ومتطلبات الأسرة والمعيشة أسهما في إبعاد الكرد عن النضال. وقد انتقدتُ هذه الأفكار في مقال بعنوان «PKK: تجديد أم اجترار؟»، نشرته مجلة «قضايا وحوارات»، التي كان يصدرها حزب يكيتي الكردي في سوريا عام 2004. وتناولتُ في المقال ما رأيته تشابهاً لافتاً بين بعض أدبيات PKK وبعض مفردات وتجارب الثورة الفيتنامية، ومنها:
حزب العمال الفيتنامي، مقابل حزب العمال الكردستاني.
الزعيم الفيتنامي هو تشي منه، المعروف بلقب «العم هو»، مقابل لقب «آبو» (APO) لعبد الله أوجلان، الذي يعني «العم» بالكردية. علماً أن لقب APO هو لقب شائع لاسم عبد الله في تركيا، وبالتالي فإن أوجلان لُقّب به منذ صغره، وليس لقباً استحدثته المنظومة لهذه الغاية.
15 آب 1945: أطلقت «جبهة فيت مينه»، بقيادة هو تشي منه، الثورة العامة المعروفة بـ«ثورة أغسطس»، عقب استسلام اليابان، مقابل «قفزة آب» في عام 1984 التي أطلقها حزب العمال الكردستاني.
الجيش الشعبي لتحرير فيتنام، مقابل الجيش الشعبي لتحرير كردستان (ARGK).
الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام، مقابل الجبهة الوطنية لتحرير كردستان (ERNK).
ولا بد هنا من التأكيد أن الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى، واقتباس بعض المفاهيم أو الأساليب التنظيمية منها، أمر طبيعي في العمل السياسي والثوري، ولا يشكل بحد ذاته دليلاً على غياب الأصالة. لكن تراكم أوجه التشابه في الأسماء والمصطلحات والرموز والتواريخ يطرح سؤالاً مشروعاً عن حدود الاقتباس، وعن مقدار التجديد الفكري المستقل داخل المنظومة. وتبدأ المشكلة، في رأيي، حين لا يعود الاقتباس مجرد استفادة من تجربة سابقة، بل يتحول إلى خطاب يقدم نفسه بوصفه إبداعاً أصيلاً، ثم يصبح هذا الخطاب مادة للتلقين والاجترار، بحيث تُستبدل القدرة على التفكير والنقد بتكرار الشعارات والرموز.
في الختام، أعتقد أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الولاء إلى تعطيل للعقل، ويصبح الاقتباس والتكرار والتقديس بديلاً عن التفكير والنقد.