أربعة عشر عاماً من التضحيات… فأين ذهب الحلم الكردي؟

مسلم شيخ حسن – كوباني 

بعد أربعة عشر عاماً من الثورة السورية وسنوات طويلة من الكفاح والتضحيات والمعاناة الشديدة التي رافقتها، بما في ذلك فقدان عشرات الآلاف من الأرواح والممتلكات وموجات النزوح القسري التي امتدت إلى كوباني وعفرين وسري كانيه وتل أبيض، حتى كادت بعض هذه المدن والمناطق أن تُفرغ من سكانها المدنيين الكرد – يحق لنا اليوم أن نسأل بكل صدق ومسؤولية: ما الذي حققته القيادة السياسية والعسكرية الكردية بكل هذه التضحيات؟ وأين ذهب الحلم الكردي، الحلم الذي ناضل من أجله أبناء وبنات هذا الشعب لعقود؟

لقد دفع الشعب الكردي ثمناً باهظاً، ليس فقط بدماء أبنائه وشهدائه، بل ايضاً بفقدان بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم، وبالنزوح ومعاناة ظروف قاسية. كل هذا تم من أجل تحقيق مستقبل أكثر عدلاً وكرامة ولتحقيق أهدافهم القومية والسياسية والثقافية، بعد عقود من التهميش والحرمان من أبسط الحقوق.

لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن حجم التضحيات لم ينعكس على النتائج السياسية. فبعد أربعة عشر عاماً من النضال، نجد أنفسنا أمام واقع سياسي لا يتناسب تماماً مع تضحيات الشعب الكردي. في الواقع، إن الحلم الذي كان يراود الكرد في سوريا – الاعتراف بحقوقهم القومية والسياسية والثقافية – يواجه الآن خطر التلاشي والزوال، ليس بسبب غياب الفرص وإنما بسبب قصور الرؤية السياسية وسوء إدارة الوضع، وعدم القدرة على تحويل التضحيات والإنجازات في ساحة المعركة إلى مكاسب سياسية ودستورية دائمة.

والحقيقة التي لا جدال فيها هي أن القيادة السياسية والعسكرية الكردية، في العديد من المنعطفات الحاسمة، فشلت في الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية التي فرضتها المرحلة. أتيحت لهم فرص سياسية وتاريخية نادرة، لا سيما بعد اندلاع الثورة السورية، ثم بعد سقوط نظام بشار الأسد، لكن هذه الفرص لم تستغل بما يكفل حقوقاً كردية واضحة ومضمونة في مستقبل سوريا.

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الاتفاقيات والتفاهمات التي أبرمت مع الحكومة الانتقالية في سوريا، لم تُلب حتى الآن الحد الأدنى من مطالب الشعب الكردي. فرفاة الشهداء وملف الأسرى والمفقودين لم تحل بما يتناسب مع التضحيات التي قدمتها عائلاتهم، علماً أن هذا الملف لا يمكن التأجيل والتأخير. علاوة على ذلك، لم يثبت حق ثقافي أساسي، ألا وهو التعليم باللغة الكردية ضمن مناهج دراسية معترف بها رسمياً في المناطق الكردية.

حتى مسألة اسم مدينة كوباني، التي تحمل رمزية وطنية وثقافية عميقة بالنسبة إلى الكرد، لا تزال عالقة، على الرغم من أهمية المدينة، والتضحيات الجسام التي قدمها سكانها وآلاف الشهداء والجرحى الذين سقطوا خلال سنوات الحرب. من المؤسف أن مدينة دفعت ثمناً باهظاً لا تزال تواجه مشكلة الاعتراف الرسمي باسمها التاريخي والوطني (كوباني).

في رأيي، لا تكمن المشكلة في غياب التضحيات ولا في غياب الفرص ولا في غياب الإمكانات السياسية والعسكرية. بل تكمن في جوهرها في طريقة إدارة القضية الكردية، وفي الرؤية السياسية المحدودة وفي عدم القدرة على قراءة التحولات الكبرى واستغلال اللحظات التاريخية لصالح الشعب الكردي.

أثبتت السنوات الماضية أن مجرد امتلاك القوة العسكرية لا يكفي لضمان الحقوق السياسية، وأن الانتصارات في ساحة المعركة لا تترجم تلقائياً إلى إنجازات دستورية وقانونية. فالمعركة الحقيقية لا تنتهي في ساحة المعركة، بل تبدأ لاحقاً على طاولة المفاوضات، في صياغة الدساتير وبناء المؤسسات.

كان على القيادة الكردية أن تدرك مبكراً أن الفرص التاريخية لا تتكرر، وأن اللحظات السياسية العظيمة قد لا تعود. لذا، فإن عدم اغتنام الفرص التي سنحت في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد سقوط نظام بشار الأسد، يمثل اخفاقاً سياسياً لا يمكن تجاهله باعتباره خطأً عابراً أو تفصيلاً ثانوياً.

لم يقدم الشعب الكردي كل هذه التضحيات ليعود إلى نقطة الصفر، ولم يدفع كل هذه الأثمان لتصبح حقوقه رهينة وعود واتفاقيات مؤقتة. لقد آن الأوان لطرح الأسئلة الصعبة وتقييم الماضي بشجاعة، ومحاسبة الأداء السياسي، ونبذ لغة الاتهامات والتمجيد والشعارات الجوفاء.

فالقيادة التي لا تستطيع تحويل تضحيات شعبها إلى حقوق سياسية ودستورية وثقافية ثابتة، مهما كانت شعاراتها كبيرة، تكون قد أخفقت في أداء جزء أساسي من مسؤوليتها التاريخية.

اليوم، وبعد كل ما حدث لم يعد يطلب من القادة الكرد في سوريا إلقاء المزيد من الخطابات والشعارات، بل تقديم إجابات واضحة للشعب: ما الذي تحقق؟ ما الذي فقد؟ لماذا أُهدرت الفرص؟ من المسؤول؟

إن المرحلة الراهنة لا تتحمل المزيد من الحسابات الحزبية الضيقة، ولا الصراعات الداخلية، ولا الانقسامات السياسية. إنها تتطلب رؤية قومية كردية واضحة، وقيادة تمتلك المهارات والخبرة والقدرة على التفاوض لتقديم المصالح القومية والوطنية على المصالح الحزبية والشخصية.

فالتاريخ لن يسألنا يوماً عن عدد المؤتمرات التي عقدناها ولا عن عدد البيانات التي أصدرناها. سيسألنا سؤالاً واحداً: ماذا فعلتم عندما أتيحت لكم الفرصة؟

هذا السؤال، قبل غيره، يجب أن تجيب عنه القيادة الكردية اليوم.

 

4 / 9 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في هذه الأيام، تتصاعد في صفحات التواصل الاجتماعي حملات كلامية تستهدف بعض الشخصيات الثقافية الكوردية المعروفة، وفي مقدمتها الدكتور سربست نبي استاذ الفلسفة السياسية . يُعدّ الدكتور سربست نبي شخصية معروفة منذ سنوات طويلة لدى أبناء شعبنا الكوردي، بمواقفه الداعمة لنضاله من أجل الحرية وتقرير المصير وبناء دولته المستقلة. كما وقف في الصفوف الأمامية في مواجهة حملات بعض وسائل الإعلام…

عبدالله كدو تحوّل، حديثاً، فيديو لسيدة كردية تتحدث إلى وكالة ANHA، المحسوبة على PKK، إلى «ترند» على وسائل التواصل الاجتماعي الكردية. تقول السيدة – التي تبدو أمّية– في الفيديو: «إن عدد شهدائنا لم يبلغ مليوناً واحداً بعد، فليبلغ عددهم أربعة..خمسة ملايين». من نافل القول إن الأمية الثقافية والسياسية توفر بيئة أكثر قابلية للتلقين والاستجابة الببغائية، خصوصاً حين يصبح تكرار وتنفيذ…

شادي حاجي ليست القضية الكردية في سوريا ملفاً سياسياً مؤقتاً، ولا قضية تفاوض بين طرفين يمكن تأجيلها أو اختزالها في اتفاق مرحلي. إنها قضية وطنية ودستورية ترتبط بطبيعة الدولة السورية ومستقبلها، وبقدرتها على الانتقال من نموذج الدولة المركزية الأحادية إلى دولة ديمقراطية حديثة تعترف بتعدد مكوناتها القومية والدينية والطائفية وتحمي حقوقهم دستورياً. الشعب الكردي في سوريا مكوّن أصيل ومتجذر…

دخلت المرحلة التنفيذية لـ “قانون إطار عملية الحل” الذي أقره البرلمان التركي مؤخراً حيز التنفيذ الفعلي، حيث بدأت الخطوات الميدانية لتحديد آليات ومواقع تسليم السلاح من قبل حزب العمال الكردستاني (PKK)، في عملية من المقرر استكمالها بحلول مطلع شهر تشرين الأول المقبل. وبحسب معلومات أوردتها صحيفة “نفس” التركية، بدأ جهاز الاستخبارات التركي (MIT) عمليات مراقبة دقيقة لـ 72 معسكراً وموقعاً…