من خسارة الإدارة الذاتية إلى انتصارٍ مؤجّل: هل سيعرف الكرد كيف يوسّعون الشق في الجدار؟

الشاعرة والكاتبة : آخين ولات

هل يستطيع الكرد تحويل خسارة الإدارة الذاتية إلى بدايةٍ جديدة؟

ليست كل خسارةٍ هزيمة، كما أنه ليس كل انتصارٍ  هو بالضرورة انتصاراً. 

قد يخسر شعبٌ أرضاً فيربح وعياً، وقد يخسر جيشٌ معركةً فيربح قضية، وقد يفقد مشروعٌ شكله السياسي لكنه يترك وراءه فكرةً يستحيل اقتلاعها. وفي المقابل، قد ينتصر طرفٌ عسكرياً، ويسيطر على المدن والحدود والموارد، لكنه يخسر المعنى والتاريخ والمستقبل.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الكرد اليوم في غربي كردستان، ليس: هل انتصرنا أم هُزمنا؟
بل سؤالٌ آخر، أكثر قسوةً وعمقاً:

ماذا فعلنا بما امتلكناه؟ وماذا سنفعل بما بقي لنا؟

لم تولد الإدارة الذاتية الكردية في غربي كردستان في مختبرٍ سياسيٍ هادئ، ولم تنشأ نتيجة اتفاقٍ دوليٍ يمنح شعباً مساحةً لإدارة نفسه. بل ولدت من قلب الانهيار السوري، ومن فراغ السلطة، ومن الحرب، ومن الخوف، ومن الحاجة إلى حماية الناس وتنظيم حياتهم، حيث استطاعت خلال سنواتٍ أن تبني مؤسساتٍ مدنيةً وعسكريةً وأمنية، وأن تدير مدناً وقرى واقتصاداً وخدماتٍ، وأن تحافظ على قدرٍ من الاستقرار في واحدة ٍمن أكثر مناطق الشرق الأوسط اضطراباً.

لكن التاريخ لا يحاسب المشاريع على ما أنجزته فقط، وإنما على قدرتها على تحويل الإنجاز المؤقت إلى مكسبٍ سياسيٍ دائم، وهنا تبدأ المراجعة الحقيقية.

فالأحداث التي وقعت في مطلع عام 2026 غيّرت بصورةٍ جذرية ميزان القوة. الاتفاقات الموقعة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية أفضت إلى وقف القتال وإلى مسارٍ لدمج القوات والمؤسسات المدنية في مؤسسات السلطة السورية، بينما فقدت الإدارة الذاتية الجزء الأكبر من المجال الجغرافي والاقتصادي الذي كانت تسيطر عليه. وقد وصف تحليلٌ للبرلمان الأوروبي ذلك بأنه أضعف بصورةٍ كبيرة فرص الحفاظ على نموذج الحكم الذاتي السابق؛ لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني بالضرورة إعلان الهزيمة. الهزيمة تبدأ في اللحظة التي يتحول فيها فقدان الأرض إلى فقدان الإرادة، وفقدان الموقع العسكري إلى فقدان القدرة على التفكير، وفشل نموذجٍ سياسيٍ إلى قناعةٍ بأن الشعب نفسه محكومٌ عليه بالفشل. وهذه هي النقطة الأخطر، إذ ليست المشكلة أنّ  المشروع خسر بعض أوراقه؛ بل المشكلة هي  أن يكتشف السياسيون أنهم لم يعرفوا قيمة الأوراق التي كانت في أيديهم. السياسة ليست امتلاك الأوراق فقط؛ وإنما هي معرفة متى تُستخدم الورقة، ومتى تُخفى، ومتى تُستبدل، ومتى يتحول اللاعب نفسه من ورقةٍ إلى لاعب.

وهنا ينبغي للكرد أن يكونوا أكثر ُقسوةً مع أنفسهم. لقد أثبتت تجربة الإدارة الذاتية أن الكرد قادرون على بناء مؤسساتٍ عندما تنهار الدولة. وأثبتت الحرب ضد داعش أن القوة الكردية تستطيع أن تتحول إلى عاملٍ دوليٍ لا يمكن تجاهله. وأثبتت السنوات الطويلة من الإدارة الذاتية أن المجتمع يستطيع إنتاج بدائلَ عن الدولة المركزية، إلا أن التجربة كشفت أيضاً أن القوة العسكرية لا تتحول تلقائياً إلى قوةٍ سياسية، وأن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك شرعيةٍ دائمةٍ عليها، وأن الحليف الدولي ليس حليفاً أبدياً، وأن من يملك السلاح اليوم قد لا يملكه غداً، وأن من يربط وجود مشروعه السياسي بالكامل بميزان القوى الخارجية، قد يجد نفسه عندما يتغير الميزان، أمام طاولة تفاوض ٍ لا يملك فيها سوى ذكريات الانتصارات السابقة. وهذه ليست إدانةً للتجربة بقدر ما هي درسها الأكثر قسوةً. 

تبدأ السياسة  حين ينتهي سحر البندقية : 

ربما كان الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الانتصار العسكري يمكن أن يعيش طويلاً من دون أن يُترجم إلى بنيةٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ ودستورية.

السلاح يحمي المكاسب، لكنه لا يخلّدها، والجيش يستطيع أن يمنع خصماً من دخول مدينةٍ، لكنه لا يستطيع وحده أن يكتب في الدستور حقاً قومياً، أو يؤسس اعترافاً دولياً، أو يبني عقداً اجتماعياً بين مكونات المجتمع، أو يجعل اللغة جزءاً طبيعياً من الحياة العامة.

إن القوة العسكرية تشتري الوقت؛ أما السياسة الذكية فتحوّل الوقت إلى مستقبل، وهنا تحديداً ينبغي أن تكون المراجعة الكردية عميقةً لا سطحية، حيث لايكفي أن يقال: لقد خذلنا العالم. نعم، العالم خذل شعوباً عديدةً،  والسياسة الدولية لا تقوم على الأخلاق وحدها. لكن السياسي الذي يبني استراتيجيته على افتراض أن الآخرين سيضحّون من أجله هو سياسيٌ ساذجٌ،  سلّم مفتاح مصيره إلى غيره.

لا تتحرك الدول  لأن شعباً يستحق العدالة فقط؛ بل  تتحرك عندما تتقاطع مصالحها مع هذه العدالة. وهذا قانونٌ قاسٍ، لكنه قانون السياسة. لذلك يجب أن ينتقل التفكير الكردي من سؤال: من سيحمينا؟

إلى : كيف نجعل حماية مصالحنا جزءاً من مصالح الآخرين؟

هذا هو الفرق بين شعبٍ ينتظر التضامن، وشعبٍ يعرف كيف يصنع موازين المصالح.

الإدارة الذاتية لم تكن فشلاً كاملاً؛ لكنها لم تتحول إلى انتصارٍ سياسيٍ كامل، ومن الظلم أن ننظر إلى التجربة وكأنها لم تكن شيئاً.

لقد أنتجت مؤسساتٍ، وإدارةً، وتجربةً في الحكم الذاتي، ومجالاً عاماً للغة والثقافة، ونماذج للمشاركة المجتمعية، وقوةً عسكريةً كان لها دورٌ مركزيٌ في الحرب ضد داعش.

وفي المقابل، فإن النقد الجدي لا يمكن أن يتجاهل مواطن الضعف: ضعف التوافق الكردي الداخلي، الاعتماد الكبير على التوازنات العسكرية الخارجية، غياب صياغةِ سياسيةٍ موحدة قادرة على مخاطبة دمشق والعرب السوريين والمجتمع الدولي في الوقت نفسه، إضافةً إلى السؤال المتعلق بكيفية تحويل الإدارة الفعلية إلى شرعيةٍ دستوريةٍ مستدامة.

وقد أشارت تحليلاتٌ حديثةٌ إلى أن التوترات مع بعض المناطق ذات الأغلبية العربية كانت من العوامل التي أضعفت تماسك المشروع، عندما تغيّر ميزان القوة. وهذا درسٌ بالغ الأهمية: إذ لا يمكن لشعبٍ أن يبني حريته على أساس عجز الآخرين عن مقاومته؛ بل عليه أن يبنيها على أساس اقتناع الآخرين بأن حريته لا تهدد حريتهم. إذا أراد الكرد أن يكونوا أحراراً في سوريا، فعليهم أن يكونوا أيضاً ضمانةً لحرية غيرهم. كما أنه على الكرد أن يتوقفوا عن تحويل الخلاف السياسي إلى حربٍ أهليةٍ داخل البيت الكردي، ومن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن أن يتعامل السياسيون الكرد مع المرحلة الجديدة بعقلية الماضي.

هذه ليست لحظة تصفية الحسابات، وليست لحظة البحث عن “الخائن”. و لا هي لحظة تخوينِ من فاوض، أو تمجيد من قاتل، أو العكس. إنها لحظة إعادة بناء العقل السياسي الكردي. الكرد لا يحتاجون اليوم إلى حزبٍ واحد، بل إلى رؤيةٍ سياسيةٍ واحدة للحقوق الأساسية، إذ يمكن أن تختلف الأحزاب في الأيديولوجيا، وفي العلاقات الإقليمية، وفي شكل الدولة، وفي الوسائل، لكن لا يجوز أن تختلف حول الحد الأدنى الذي لا ينبغي التفريط به: الاعتراف بالوجود الكردي. الاعتراف باللغة الكردية. المساواة الكاملة في المواطنة. التمثيل السياسي. الحقوق الثقافية والتعليمية. الإدارة المحلية الحقيقية. الحق في المشاركة في صياغة الدستور. ضماناتٌ أمنية وسياسية للمناطق الكردية. رفض التغيير الديموغرافي. ضمان  أمن وعودة المهجرين إلى مناطقهم، وعدم تحويل الكرد مرةً أخرى إلى جماعةٍ بلا حمايةٍ قانونية.

هذه ليست مطالبٌ انفصاليةٌ بالضرورة؛ بل إنها شروطٌ لشراكةٍ عادلة في دولةٍ متعددة القوميات والمكونات؛ وقد أقرّت السلطات السورية خلال 2026 خطواتٍ تتعلق باللغة الكردية والتعليم بها واعتبرت نوروز عطلةً وطنية، لكن الحقوق الكردية لم تُكرّس بصورةٍ دستوريةٍ شاملة حتى الآن، وهو تحديداً ما يجعل المعركة السياسية المقبلة أهم من مجرد الحصول على مراسيمٍ أو تعهداتٍ مؤقتة.

يجب ألا يبدد الكرد ما تبقى لهم في معركةٍ نفسية مع الماضي. إذ ثمة نوعٌ من الهزيمة أخطر من فقدان الأرض، وهو أن يتحول الماضي إلى سجن،  وأن يقضي الشعب سنواته القادمة في تكرار: “لقد خذلونا”، “لقد باعونا”، “لقد خانونا”، “لقد انتصرنا ثم خسرنا”. هذه اللغة مفهومة نفسياً، لكنها عقيمة سياسياً. السياسة لا تسأل عن عدالة الألم فقط؛ وإنما تسأل: ماذا ستفعل غداً؟

إذا كان كل ما تبقى من التجربة هو الحزن عليها، فقد تحولت التجربة فعلاً إلى هزيمة. أما إذا أصبحت مدرسةً في كيفية بناء المؤسسات، وإدارة التحالفات، وقراءة موازين القوى، وإنتاج الشرعية، وتوحيد البيت الكردي  الداخلي، وتحويل القوة العسكرية إلى مكاسب دستورية، فإنها لم تهزم. بل تكون قد دفعت ثمناً باهظاً كي يتعلم جيلٌ جديدٌ كيف ينتصر بطريقةٍ مختلفة.

ومن الخطأ أيضاً اختزال النصر في استعادة الجغرافيا السابقة فوراً. ربما يكون ذلك غير واقعيٍ في ميزان القوى الحالي؛ وقد يكون الانتصار  شيئاً آخر: كأن تدخل القضية الكردية،  إلى الدستور. أن تصبح اللغة الكردية حقاً قانونياً لا منحةً سياسية. أن تصبح الإدارة المحلية محميةً بالقانون. أن يكون للكرد تمثيلٌ حقيقيٌ في مؤسسات الدولة. أن تكون لهم ضماناتٌ أمنية. أن تتوقف سياسة التعريب والتغيير الديموغرافي. أن يعود المهجرون وأن تُحمى المدن الكردية من الانتقام.

أن تصبح الثقافة الكردية جزءاً طبيعياً من سوريا الجديدة. أن يتحول الكرد من جماعةٍ تخشى الدولة إلى جماعةٍ تشارك في تعريف الدولة. هذا، في المنظور التاريخي، قد يكون انتصاراً أكبر من السيطرة المؤقتة على مئات الكيلومترات. لأن السيادة ليست دائماً علماً يرفرف فوق الحدود. أحياناً تبدأ السيادة من أن يصبح وجودك غير قابلٍ للمحو في القانون والوعي والمؤسسات، وفي المقابل هناك شيئٌ لا يجوز للكرد أن يخسروه وهو: القدرة على التفاوض.  التفاوض ليس استسلاماً، والتنازل التكتيكي ليس خيانةً، والتراجع من موقعٍ ما ليس بالضرورة تراجعاً عن القضية.

أخطر السياسيين هو الذي لا يعرف سوى خيارين: الانتصار الكامل أو الرفض الكامل.

السياسة الحقيقية فن المساحات الرمادية. قد تخسر في بندٍ لتحصل على ثلاثة بنود. قد تتخلى عن شكلٍ سياسيٍ لتحافظ على جوهرٍ سياسي. قد تقبل بالدخول في مؤسسات الدولة لكي تمنع الدولة من ابتلاع مجتمعك. وقد يكون الدخول إلى الدولة أكثر ذكاءً من البقاء خارجها إذا كان الدخول مصحوباً بضماناتٍ وقوانين ومؤسسات.

لكن العكس صحيح أيضاً: إذ قد يتحول “الاندماج” إلى ذوبان، وقد تتحول “الوحدة الوطنية” إلى عودةٍ للمركزية القديمة. لذلك يجب ألا يكون السؤال: هل نندمج أم لا؟

بل: تبيان شروط الاندماج، وما الذي يبقى لنا بعد الاندماج؟ ومن يضمن أن ما يُكتب اليوم لن يُمحى غداً؟

وهنا تكمن قيمة الاتفاقيات الحالية: إنها ليست نهاية القصة، بل بدايةُ معركةٍ سياسيةٍ على معنى الدمج وحدوده وضماناته. وقد وصفت تحليلاتٌ الاتفاق بأنه يوقف الحرب لكنه لا يحسم المسألة الكردية، وأن المساحات الأساسية المتعلقة بالحكم المحلي والحقوق والضمانات لا تزال بحاجةٍ إلى تثبيتٍ سياسيٍ ودستوري.

على السياسيين الكرد أن يتعلموا أخيراً أن العالم لا يحترم الضحية؛ وإنما يحترم الذكاء و القدرة على الضبط والقوة. هذه الجملة قد تبدو قاسيةً، ولكنها تختصر جانباً من السياسة الدولية. إذ قد يتعاطف العالم  مع الضحية، لكنه يعقد الاتفاقيات مع القوة المنظمة. لذلك يجب أن تتحول القوة الكردية من قوة مقاوَمة إلى قوة تفاوض. وهذا يحتاج إلى جيل سياسي يعرف: كيف يقرأ واشنطن دون أن يتوهم أنها ستقاتل نيابة عنه. كيف يتعامل مع أنقرة دون أن يعيش في وهم الصداقة أو العداء الأبدي. كيف يتفاوض مع دمشق دون أن يذهب إليها ضعيفاً أو يرفض التفاوض معها من حيث المبدأ. كيف يخاطب العرب السوريين باعتبارهم شركاء في وطنٍ لا خصوماً في أرض. كيف يبني علاقةً متوازنة مع القوى الإقليمية. كيف يستخدم القانون الدولي. كيف يستخدم الإعلام. كيف يستخدم الاقتصاد.

كيف يستخدم الجاليات الكردية في أوروبا وأميركا. كيف يحوّل القضية من ملفٍ أمني إلى ملفٍ سياسي، وكيف يجعل القضية الكردية مصلحةً للاستقرار لا مشكلةً أمنية في نظر العالم. هذه هي السياسة الحديثة. لذلك فإننا لا نحتاج إلى سياسيين أكثر شجاعة فقط؛ بل نحتاج إلى سياسيين أكثر ذكاءً. 

الشجاعة وحدها صنعت شهداء كثيرين؛ لكن الشعوب لا تتحرر بالشهداء وحدهم. الشهداء يفتحون الباب، والسياسيون مطالبون بأن يعرفوا كيف يدخلون منه. 

لقد دفع الكرد ثمناً هائلاً في العقود الأخيرة. ولذلك فإن أخطر جريمةٍ سياسية يمكن أن تُرتكب بحق دماء الذين ماتوا هي تحويل تضحياتهم إلى أسطورةٍ عاطفية بلا نتيجةٍ سياسية. ليس المطلوب تقديس التضحيات وإنما المطلوب هو إنتاج نتائج تليق بها. 

لا يحتاج الشهيد إلى قصيدةٍ أخرى من شاعرٍ آخر، بقدر ما تحتاج قضيته لسياسيٍ يعرف كيف يمنع تكرار موته. 

فهل يجب أن يرحل الجيل القديم إذاً؟

ربما ليس السؤال المهم: هل يجب أن يرحل السياسيون الحاليون؟  وإنما: هل يستطيعون أن يعترفوا بأن المرحلة قد تغيرت؟

إذا استطاعوا أن يعيدوا تقييم تجربتهم، وأن يعترفوا بأخطائهم، وأن يتخلوا عن احتكار القرار، وأن يفتحوا المجال أمام عقولٍ جديدة، وأن يحولوا خبراتهم إلى مدرسةٍ لا إلى سلطة؛ فإن بقاءهم قد يكون مفيداً، أما إذا اعتقدوا أن مجرد مشاركتهم في سنوات الحرب يمنحهم حق احتكار المستقبل، فهنا يصبح التجديد ضرورةً،  لأن الشعوب  لا تحتاج إلى زعماء يعيشون على شرعية الماضي، وإنما تحتاج إلى سياسيين يستطيعون صناعة المستقبل.

قد يكون المطلوب اليوم ليس إسقاط جيلٍ كامل، وإنما إنشاء تعاقد بين الأجيال: أن  يقدم الجيل الذي خاض الحرب خبرته، وأن يقدم الجيل الجديد أدواته. 

الأول يعرف كيف بقي الشعب حياً والثاني يجب أن يعرف كيف يجعله حراً.

إذاً ماذا يجب على الكرد أن يفعلوا الآن؟

أولاً: توحيد الحد الأدنى السياسي الكردي.
ليس مطلوباً توحيد الأحزاب، وإنما توحيد الموقف من الحقوق الأساسية.

ثانياً: بناء مرجعيةٍ تفاوضيةٍ واسعة.
لا يجوز أن يكون مستقبل ملايين الكرد رهناً بقرار دائرة ضيقة.

ثالثاً: الانتقال من منطق الثورة إلى منطق بناء الدولة والمجتمع.
أي تطوير خبراء في القانون والدستور والاقتصاد والعلاقات الدولية، لا الاكتفاء بالكوادر العسكرية والحزبية.

رابعاً: إعادة بناء العلاقة مع العرب السوريين.
فلا مستقبل كردياً آمناً في سوريا إذا بقي جزء من العرب ينظر إلى المشروع الكردي بوصفه مشروع هيمنة، كما لا مستقبل سورياً ديمقراطياً إذا استمر إنكار الحقوق الكردية.

خامساً: تحويل اللغة والثقافة إلى مؤسسات مستدامة.
فاللغة التي لا تدخل المدرسة والجامعة والإدارة والإعلام لا تصبح حقاً كاملاً بمجرد الاعتراف بها.

سادساً: إصرار سياسي على الضمانة الدستورية.
فالمراسيم قابلة للتغيير، والوعود قابلة للنقض، أما الدستور والمؤسسات والقضاء واللامركزية القانونية فهي أكثر رسوخاً.

سابعاً: الحفاظ على المجتمع قبل الأرض.
الأرض من دون شعبٍ يحمي وجوده فيها تتحول إلى جغرافيا قابلة للتغيير.

ثامناً: الاستثمار في الاقتصاد.
الشعب الفقير سياسياً واقتصادياً يبقى أكثر عرضة للابتزاز.

تاسعاً: بناء جيل سياسي جديد.
جيل يتقن اللغات، والقانون، والاقتصاد، والإعلام، والدبلوماسية، والتفاوض، ويعرف كيف يعمل داخل المؤسسات الدولية، لا فقط كيف يخطب أمام الجماهير.

وعاشراً: التوقف عن انتظار المنقذ الخارجي.
الحليف مرحب به، لكن لا ينبغي أن يكون الوطن مشروعاً مرهوناً ببقاء الحليف.

وماذا يجب ألا يفعلوا؟

ألا يدخلوا في حربٍ لا يملكون شروطها.

ألا يحولوا الاختلاف الداخلي إلى اقتتال سياسي.

ألا يكرروا أخطاء العزلة.

ألا يتعاملوا مع العرب السوريين باعتبارهم كتلةً واحدة معادية.

ألا يسمحوا لأحد بتحويل القضية الكردية إلى مجرد امتدادٍ لصراعٍ إقليميٍ لا يملك الكرد وحدهم مفاتيحه.

ألا يصدقوا الوعود غير المكتوبة.

ألا يسلّموا أدوات القوة دفعةً واحدة قبل الحصول على ضماناتِ سياسيةٍ وقانونيةٍ قابلة للتنفيذ.

ألا يحولوا التراجع التكتيكي إلى استسلامٍ استراتيجي.

وألا يحوّلوا الخلاف مع القيادات إلى كراهيةٍ للتجربة نفسها، فالتجربة شيءٌ، والقيادة شيءٌ آخر. يمكن أن تكون التجربة عظيمةً ويكون بعض من أدارها قد أخطأ. ويمكن أن يكون المشروع عادلاً لكن أدوات تنفيذه غير كافية. وهنا يجب أن يكون النقد ناضجاً: نقداً يبني، لا نقداً يهدم.

ربما لم يعد أمام الكرد اليوم ذلك الأفق الواسع الذي بدا ممكناً في لحظةٍ من لحظات الحرب. لكن التاريخ لا يشترط دائماً أن يفتح لك باباً واسعاً. أحياناً يعطيك شقاً صغيراً في جدارٍ هائل.

والسؤال ليس: لماذا لم يفتحوا لنا الباب؟ 

بل يجب أن يكون السؤال:  هل نعرف كيف نوسّع الشقّ؟ 

الحقوق الكردية التي بدأت تُطرح اليوم داخل بنية الدولة السورية، والاعترافات الجزئية باللغة والثقافة، وترتيبات الإدارة المحلية، وموقع الكرد في الجيش والأجهزة والمؤسسات، كلها قد تبدو صغيرةً، مقارنةً بحلم الاستقلال أو الحكم الذاتي الكامل. 

لكنها يمكن أن تصبح -إذا أُديرت بذكاء-  بذوراً لشيءٍ أكبر. التاريخ لا يتحرك دائماً بالقفزات، أحياناً يتحرك بالتراكم. وقد يكون أعظم انتصارٍ سياسيٍ في هذه المرحلة أن يتحول ما يبدو اليوم خسارةً إلى بنيةٍ تحتية قانونية وسياسية لمرحلةٍ قادمة.

يجب أن ندرك أن الخطر الحقيقي ليس في  عودة القضية مئة عامٍ إلى الوراء،  بل الخطر الحقيقي هو أن يعود العقل السياسي الكردي مئة عام إلى الوراء: أن يعود إلى عقلية الانقسام والاعتماد على الخارج، والرهان على قوةٍ واحدة، والاعتقاد أن السلاح يغني عن السياسة، والعيش في ثنائية الخيانة والبطولة، وبالتالي التعامل مع التاريخ باعتباره قدراً لا درساً.

إذا حدث ذلك، فحينها ستكون الهزيمة حقيقية.

أما إذا خرج من هذه التجربة جيلٌ كرديٌ أكثر نضجاً، أكثر تواضعاً، أكثر علماً، وأكثر قدرةً على قراءة العالم، فإن ما حدث لن يكون نهاية المشروع، بل سيكون ثمن التعلم، وهنا يعود السؤال الأول: هل يستطيع السياسيون الكرد تحويل الخسارة إلى انتصار؟

نعم، ولكن بشرطٍ واحد: أن يعترفوا أولاً بالخسارة. لأن السياسي الذي يرفض الاعتراف بخطئه لا يستطيع تحويله إلى درس، والذي يرفض الاعتراف بتغير ميزان القوى سيظل يتفاوض مع صورة العالم القديم بينما العالم الجديد قد بدأ بالفعل. وكذلك الذي يخاف من النقد سيكرر الأخطاء.

أما الاعتراف بالخطأ فليس ضعفاً، بل هو  أول أشكال القوة.

والانتصار الحقيقي  يبدأ من لحظة التحرر  من عقدة الدونية ومعرفة قيمة الذات الفردانية. ربما كانت أعمق معركةٍ كردية ليست معركة حدود، بل معركةٌ نفسية عمرها قرن.

قرنٌ تعلم فيه الكرد أن يسألوا: ماذا يسمح لنا الآخرون؟ وهذا  السؤال بالتحديد هو الذي يجب أن يموت.ليحلّ محلّله: ماذا نستطيع أن نصنع لأنفسنا؟

ليست الحريةُ أن يمنحك  الآخرون مساحةً لتتنفّس، الحرية هي أن تصبح قادراً على تنظيم وجودك بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يلغي وجودك.  والسيادة ليست فقط أن تكون لك دولة، وإنما السيادة تبدأ عندما يصبح شعبك مالكاً لقراره، واعياً بقيمته، قادراً على حماية مصالحه، قادراً على التفاوض من موقع الندية، وقادراً على تحويل وجوده التاريخي إلى قوةٍ سياسيةٍ معترفٌ بها.

لذلك فإن المطلوب من الكرد اليوم ليس أن يبكوا على الإدارة الذاتية، ولا أن يقدّسوها، ولا أن يدفنوها. المطلوب هو أن يتعلموا منها. أن يأخذوا منها ما أْثبِت نجاحه، وأن يعترفوا بما أخفق، وأن يتركوا ما استنفد زمنه، وأن يبنوا ما لم يكن موجوداً. ربما انتهى شكلٌ من أشكال الإدارة، لكن السؤال الكردي لم ينته، وربما انكمشت الجغرافيا، ولكن الوعي الذي أنتجته لم ينكمش.

وربما خسر الكرد معركةً سياسيةً وعسكرية، لكنهم لم يخسروا بعد إمكانية تحويل تلك الخسارة إلى مدرسة؛ وهنا تحديداً يتقرر المستقبل.

إما أن يبقى الكرد أسرى ترديد سؤال: لماذا خسرنا؟ 

وإما أن يبدؤوا بطرح السؤال الأصعب والأكثر نضجاً: ماذا سنفعل بخسارتنا؟

فالخسارة التي لا نتعلم منها هزيمة، أما ا الخسارة التي تغيّر طريقة تفكيرنا، وتعيد ترتيب قوتنا، وتنتج جيلاً سياسياً أكثر معرفةً وأقل عاطفيةً وأكثر قدرةً على المناورة، فقد تكون أول خطوةٍ في طريق انتصارٍ لم يكن ممكناً أن يولد من النصر القديم.

إن المعركة القادمة للكرد ليست بالضرورة معركة استعادة ما كان، إنها معركةُ منع ما كان من أن يتحول إلى ما لم يعد ممكناً، ومن هنا يجب أن يبدأ العمل،  لا من الحنين إلى الماضي، بل من صناعة المستقبل. لا من سؤال: من خاننا؟ بل من سؤال: كيف نمنع أنفسنا من أن نخون مستقبلنا؟

ولا من انتظار أن يمنحنا الآخرون الحرية، بل من بناء القوة السياسية والاجتماعية والفكرية التي تجعل الحرية مصلحةً لا يستطيع الآخرون تجاهلها. فالشعوب لا تتحرر حين تنتصر في كل معاركها. بل حين تتعلم من هزائمها، كيف تجعل المعركة التالية أكثر ذكاءً من السابقة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام السياسيين الكرد اليوم: هل سيكونون آخر جيلٍ من سياسيي الحرب؟ أم سيكونون أول جيلٍ من سياسيي الدولة؟

الفرق بين الاثنين قد يكون هو الفرق بين هزيمةٍ تاريخيةٍ جديدة وفتحةٍ صغيرةٍ في الجدار تقود، ذات يوم ٍ إلى الحرية.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان سألني أحد الأصدقاء: ماذا استنتجتَ من اندماج «قسد» وحلها ضمن سلطة دمشق الجديدة؟ وهل يكفي لشعب كوردي عريق، يعيش على أرضه التاريخية في سوريا، أن يقال له إن حقه القومي يختزل في التعليم باللغة الكوردية، وعلى نفقته الخاصة؟ سأجيب بصراحة، وربما بقسوة، لأن المرحلة لم تعد تحتمل المجاملات. رغم سنوات طويلة قضيتها في الحراك السياسي السوري…

ابراهيم برو اخيرا، طويت صفحة سوداء من تاريخ الشعب السوري عامة والكردي على وجه الخصوص بزوال احدى اهم ادوات النظام البائد، وتدخل البلاد مرحلة جديدة مع اعلان حل “قسد” والادارة الذاتية المرتبطة بها. لقد عانى السوريون، والكرد على وجه الخصوص، من تبعات منظومة حزب العمال الكردستاني وامتداداتها في سوريا، وما رافقها من عنف وخطف ونهب وتجنيد للاطفال، كما اسهمت في…

أمين كلين ياسادة الافاضل : نخوض اليوم مواضيع متعددة وحتى متناقضة : _ المجلس العسكري الكردي تشكل في بداية ثورة الحرية والكرامة من تسع ضباط ( بيور لم يشترك في الوفد ) منشقين من الجيش السوري ، يقال بانهم تلقوا دعوة لزيارة اربيل( كردستان تنصلت ولم نرسل دعوة لهم ، معنى ذلك أخرون فعلوا باسم كردستان بغاية ما ) وقيل…

إعداد: عنايت ديكو بعد مقابلة السيد مظلوم عبدي الأخيرة مع قناة «رووداو»، التي أوضح فيها أن المشروع العسكري يتجه نحو الاندماج في الدولة السورية، وأن بنية «قسد» ومسمياتها ستتغير، وأن الواقعية السياسية تفرض القبول باتفاقات لا ترقى إلى مستوى التضحيات والطموحات، مع الرهان على تشكيل ألوية كوردية، واعتماد التعليم باللغة الكوردية، وإنشاء مرجعية سياسية…