بين ملاذكرد وروجافا.. ذاكرة “الأخوة الموقوتة” وسؤال اليقظة الكردية

آراس اليوسف

 

تتحول بلدية ملاذكرد في شمال كردستان (باكور كردستان)، والواقعة اليوم ضمن ولاية موش، في السادس والعشرين من أغسطس/آب من كل عام إلى مسرح سياسي مفتوح: استعراضات قومية وخطابات حماسية تستحضر لحظة ما يسمى بـ”الفتح السلجوقي” للأناضول عام 1071م. غير أن ما يُصنع في هذه الاحتفاليات يتجاوز تكريم الماضي، ليمتد إلى تشكيله وإعادة صياغته عبر إعادة تدوير مفهوم “الأخوة الإسلامية”، وتغييب الدور الكردي في واحدة من أهم المعارك الفاصلة في تاريخ المنطقة، ولا سيما دور فرسان الإمارة المروانية الكردية الذين تشير المصادر التاريخية إلى مشاركتهم في دعم جيش ألب أرسلان.

إن استحضار ملاذكرد اليوم كمجرد رمز لـ”الفتح السلجوقي” يتجاهل حقيقة أن المعركة جرت في جغرافيا كان للكرد فيها حضور سياسي وعسكري راسخ، وأن الإمارة المروانية كانت إحدى القوى المحلية البارزة في المنطقة. ومن هنا، فإن استعادة الدور الكردي في قراءة ملاذكرد ليست محاولة لإعادة كتابة التاريخ من منظور قومي فحسب، بل هي أيضاً محاولة لإظهار الأدوار التي جرى تهميشها في السرديات الرسمية اللاحقة.

ملاذكرد:

 الحضور الكردي الذي لا يظهر في الاحتفال

لعب الحضور الكردي في معركة ملاذكرد دوراً جد كبير، فقد كانت الإمارة المروانية الكردية، التي حكمت مناطق واسعة من ديار بكر وميافارقين وآمد، طرفاً مهماً في المشهد السياسي والعسكري في المنطقة. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن الإمارة المروانية قدمت لألب أرسلان فرساناً ومقاتلين أكراداً، وتورد تقديرات تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف مقاتل. وإذا كانت الأرقام الواردة في المصادر تختلف من رواية إلى أخرى، فإن الأهم هو دلالة المشاركة نفسها: وجود قوة محلية كردية منظمة أسهمت في تعزيز القوة العسكرية المتحالفة مع ألب أرسلان في مواجهة الجيش البيزنطي.

 

السند العددي واللوجستي: الإمارة المروانية

كان جيش ألب أرسلان يواجه جيشاً بيزنطياً كبيراً، في وقت كانت فيه الحاجة إلى القوات المحلية والإمداد ومعرفة جغرافية المنطقة عوامل بالغة الأهمية. وهنا برز دور الإمارة المروانية من خلال الفرسان والمقاتلين والدعم المحلي وتأمين خطوط الحركة والإمداد. وتذكر بعض الروايات أعداداً كبيرة من المقاتلين الأكراد الذين انضموا إلى الحشد العسكري، بما جعل مساهمة الإمارة المروانية جزءاً من التوازن العسكري في المعركة، وبغض النظر عن اختلاف المصادر في تقدير العدد الدقيق، فإن حضور قوة كردية محلية منظمة في جيش ألب أرسلان يؤكد أن ملاذكرد لم تكن مواجهة بين قوتين منفصلتين عن البيئة المحلية، بل جرت ضمن شبكة معقدة من التحالفات والقوى السياسية والعسكرية في المنطقة.

 

الأرض والجغرافيا

 عاملان لا يمكن تجاهلهما

 

دارت معركة ملاذكرد في جغرافيا كردية تاريخية كانت القوى المحلية فيها على معرفة وثيقة بالمسالك والطرق ومراكز الإمداد وطبيعة الأرض. وكانت هذه المعرفة بالجغرافيا تمنح القوات المحلية المتحالفة مع ألب أرسلان ميزة ميدانية مهمة، سواء في الحركة أو المناورة أو الاستفادة من طبيعة المنطقة. وهكذا، فإن قراءة ملاذكرد  لاتعتبر مجرد انتصار سلجوقي منفصل عن القوى المحلية تُسقط جانباً مهماً من تعقيد المشهد العسكري والسياسي في ذلك العصر، وتختزل الدور الكردي رغم حضوره السياسي والعسكري.

إن تجاهل هذا الدور في السردية الاحتفالية المعاصرة أمر مدروس، وهو يعكس، في نظر كثير من الكرد، استمرار نمط أوسع: استحضار الرمزية الكردية كشريك وظيفي عند الأزمات، ثم اختزال حقوقه السياسية والقومية في خطاب عام بمجرد انتهاء الحاجة.

 

متوالية الخذلان: من 1071م إلى لوزان 1923م

حلفاء في المعركة وغرباء في التسوية

 

في الحقيقة، لا تعد معركة ملاذكرد المحطة الوحيدة في مسار هذا التوظيف، إذ تكرر السيناريو ذاته في لحظات مفصلية من تاريخ المنطقة، فعندما اندلعت “حرب الاستقلال” التركية (1919–1922م)، جرى استنهاض القبائل والقيادات الكردية تحت راية الدفاع عن الدين والأرض المشتركة. لكن هذا الخطاب سرعان ما تبدل مع قيام الجمهورية التركية وتوقيع معاهدة لوزان في 24 يوليو/تموز 1923م، وما تلاها من سياسات إنكار وقمع للهوية والحقوق الكردية، وصولاً إلى الثورات الكردية المتتالية، ومنها ثورة الشيخ سعيد عام 1925م، وآغري عام 1930م، وديرسيم عام 1937م، وما رافق ذلك من سياسات تقييد للغة والثقافة والهوية الكردية.

وهكذا يظهر نمط متكرر في الذاكرة السياسية الكردية: يُطلب من الكرد أن يكونوا شركاء في لحظة الخطر، لكن الشراكة لا تتحول بالضرورة إلى حقوق ثابتة في مرحلة التسوية.

الراهن السياسي: باكور وروجافا تحت وطأة التكتيك

يتجلى هذا النمط التاريخي اليوم بشكل أوضح في الساحتين الرئيسية والشرقية:

– كردستان الشمالية (باكور): تكشفت حدود “الأخوة المشروطة” عقب انهيار عملية السلام (2013–2015م)، حيث عاد الخطاب الرسمي إلى منطق التضييق، وتوج ذلك منذ عام 2016م بفرض نظام الوصاية الإدارية (Kayyum) وحل عدد من المجالس البلدية المنتخبة واعتقال قيادات سياسية كردية.

– روجافا كردستان (شمال وشرق سوريا): يمتد هذا التوجه عبر الحدود للحد من أي تجربة كردية ذاتية. ويتجسد ذلك في التدخلات العسكرية التركية المتتالية، من “درع الفرات” عام 2016م، و”غصن الزيتون” في عفرين عام 2018م، إلى “نبع السلام” عام 2019م، وما رافقها من تحولات ميدانية وديمغرافية وسياسية.

التجربة أمامنا: مناصب مقابل حلّ الفصائل، ثم يمكن إنهاء المنصب بقرار رئاسي.

وهذا ما يطرح سؤالاً جوهرياً:  ترى ما قيمة المنصب إذا كان وجوده واستمراره مرتبطين بقرار سياسي قابل للتغيير؟ وما قيمة الوعود إذا لم تتحول إلى نصوص دستورية ومؤسسات وضمانات واضحة؟ لذلك، فإن أي مطالبة بحلّ قسد أو تفكيك بنيتها العسكرية والسياسية مقابل مناصب أو وعود لا يمكن النظر إليها بمعزل عن دروس التاريخ. فلا- لحلّ قسد- مقابل مناصب شخصية ووعود غير دستورية،  حيث نريد ضمانات دستورية حقيقية تحمي الحقوق والشراكة، فالمسألة هنا لا تعد رفضاً للحلول السياسية، وإنما هي رفض لأن يكون الكرد مرة أخرى حلفاء في لحظة الحاجة، ثم بلا ضمانات في لحظة التسوية، وهو ما يقودنا إلى تساؤل آخر ملح فحواه:

 

لماذا تُعد اليقظة الراهنة ضرورة تاريخية؟

وهنا، فإن التحدي الأساسي الذي يواجه الحركة السياسية والشارع الكردي اليوم لا يكمن فقط في مواجهة الضغوط، بل هو يكمن  في تجنب تكرار أخطاء الماضي، واستدعاء إدراك واعٍ لأبعاد اللحظة الحالية:

– رفض التنازلات بلا ضمانات: عدم الارتهان للخطابات العاطفية أو التفاهمات الشفاهية، والإصرار على أن أي مسار سياسي يجب أن يرتكز على ضمانات دستورية صريحة للاعتراف بالحقوق والهوية والحقوق الثقافية والإدارية.

– حماية المكتسبات الذاتية: الحفاظ على المؤسسات والتجارب الإدارية والديمقراطية القائمة في روجافا وباكور باعتبارها عناصر قوة، لا أوراقاً مجانية للمساومة.

– رفض استبدال الحقوق بالمناصب: المنصب السياسي لن يكون بديلاً عن الضمان الدستوري، كما أن الوعود السياسية لا تعادل الحقوق التي تُحمى بنصوص واضحة ومؤسسات مستقرة.

– الربط الاستراتيجي بين التاريخ والواقع: قراءة التاريخ، من ملاذكرد 1071م ولوزان 1923م وصولاً إلى تحولات اليوم، تفرض الانتقال من دور “الحليف المؤقت” إلى الشريك الفاعل الذي يستند إلى وعي ذاتي قادر على حماية حقوقه وتثبيتها دستورياً وسياسياً.

 

اليقظة ودرس التاريخ

تكشف المسافة الطويلة بين ملاذكرد وروجافا أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الكرد عن التحولات الكبرى في المنطقة. كانوا حاضرين في الحروب والتحالفات والمنعطفات التي أعادت رسم حدودها، ودفعوا في كثير من الأحيان أثماناً تفوق ما عاد إليهم من نتائجها.

المشكلة كانت في أن هذا الحضور لم يتحول دائماً إلى حقوق ثابتة تحميهم عندما تتبدل المصالح وتنتهي الحاجة إلى التحالفات.

ومن ملاذكرد يمكن استخلاص درس يتجاوز المعركة نفسها فيما يتعلق بالمشاركة في صناعة النصر، وهي لا تكفي إذا لم تتحول إلى شراكة وحقوق وضمانات في مرحلة ما بعد النصر. وتضع هذه التجربة الحركة السياسية الكردية أمام مسؤولية مختلفة اليوم. فالذاكرة التي تحتفظ بملاذكرد ولوزان وثورات القرن العشرين وتجارب العقود الأخيرة تكتسب قيمتها حين تساعد على قراءة اللحظة الراهنة وتجنب تكرار الخيارات التي قادت إلى الخيبات السابقة.

فالحقوق التي تبقى رهينة التفاهمات العابرة يمكن التراجع عنها، كما أن التحالف الذي يفتقر إلى ضمانات واضحة يتغير بتغير موازين القوى. من هنا تكتسب حماية المكتسبات السياسية والإدارية في روجافا كردستان، والدفاع عن الإرادة السياسية في باكور-كردستان تركيا، أهمية تتجاوز الظرف الراهن. إنها جزء من محاولة كردية طويلة للخروج من موقع الطرف الذي يُستدعى عند الحاجة، ثم يُطلب منه انتظار تسوية أخرى ومرحلة أخرى ووعد آخر.

وبعد قرون من ملاذكرد، يحق للكرد أن يقرأوا تاريخهم بعيونهم، وأن يسألوا عن حصتهم في الحاضر والمستقبل كما يسألون دائماً عن حضورهم في الماضي، وقد يكون الدرس الأوضح في هذه الرحلة الطويلة أن:

الذاكرة التي لا تؤثر في القرار تتحول إلى حكاية، أما الذاكرة التي تمنع تكرار الخطأ فتتحول إلى وعي.

وربما تبدأ اليقظة الكردية من هذه النقطة بالذات:

أن يكون الكرد شركاء في القرار، لا مجرد حلفاء عند الحاجة؛ وأن تكون الحقوق مضمونة بالدستور والمؤسسات، لا بالمناصب والوعود.

 

المصادر والمراجع التاريخية

– ابن الأثير، عز الدين: الكامل في التاريخ، أحداث سنة 463هـ / 1071م، دار الكتب العلمية، بيروت — لتوثيق الحشد العسكري ودعم أمراء المنطقة والتحالف ضد الجيش البيزنطي.

– ابن الأزرق الفارقي: تاريخ الفارقي (تاريخ الميافارقين وآمد)، تحقيق بدوي عبد اللطيف عوض، القاهرة، 1959م-  من المصادر المهمة لدراسة الإمارة المروانية ودورها السياسي والعسكري في المنطقة.

– سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، دار الرسالة العالمية — يتناول تكوين جيش ألب أرسلان والأمراء والقوى المشاركة.

– الأتلاني، ميخائيل (Michael Attaleiates): تاريخ الإمبراطورية البيزنطية (Historia) -مصدر بيزنطي معاصر لأحداث ملاذكرد.

– ابن خلكان، أبو العباس: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، دار صادر، بيروت-  يتناول تراجم ألب أرسلان وأمراء الدولة المروانية وطبيعة العلاقات السياسية في الإقليم.

ملاحظة منهجية: تختلف الروايات التاريخية في تقدير أعداد القوات المشاركة في ملاذكرد وتفاصيل أدوار القوى المحلية،  ويتم الحديث عما بين 10-20 ألف مقاتل كردي كما ورد في بعض الروايات، وهو رقم كبير متفق عليه بين جميع المصادر.

*مدير ومؤسس راديو ومجلة- ولات-

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين كلين ياسادة الافاضل : نخوض اليوم مواضيع متعددة وحتى متناقضة : _ المجلس العسكري الكردي تشكل في بداية ثورة الحرية والكرامة من تسع ضباط ( بيور لم يشترك في الوفد ) منشقين من الجيش السوري ، يقال بانهم تلقوا دعوة لزيارة اربيل( كردستان تنصلت ولم نرسل دعوة لهم ، معنى ذلك أخرون فعلوا باسم كردستان بغاية ما ) وقيل…

إعداد: عنايت ديكو بعد مقابلة السيد مظلوم عبدي الأخيرة مع قناة «رووداو»، التي أوضح فيها أن المشروع العسكري يتجه نحو الاندماج في الدولة السورية، وأن بنية «قسد» ومسمياتها ستتغير، وأن الواقعية السياسية تفرض القبول باتفاقات لا ترقى إلى مستوى التضحيات والطموحات، مع الرهان على تشكيل ألوية كوردية، واعتماد التعليم باللغة الكوردية، وإنشاء مرجعية سياسية…

عدنان بدرالدين لم تعد المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران تُقرأ من خلال حجم الضربات العسكرية وحده، ولا من خلال فترات الهدوء القصيرة التي تتخللها. فمنذ انتهاء المهلة التي أُعطيت للمسار التفاوضي، أخذت الأزمة شكلًا أكثر تعقيدًا، يجمع بين الحصار البحري، والعقوبات الاقتصادية، والتهديد المتبادل، ومحاولات وساطة لم تصل بعد إلى تسوية واضحة. غير أن الأيام الأخيرة أضافت عنصرًا جديدًا إلى المشهد….

نصر محمد / ألمانيا منذ سنوات طويلة، وأنا أكتب على صفحات موقع «ولاتي مه» Welatê Me، وأزرع فيه شيئاً من روحي: شعراً، وحواراً ثقافياً، وقراءات انطباعية متواضعة. لم يكن «ولاتي مه» بالنسبة إليّ مجرد موقع إلكتروني عابر، بل كان، وما يزال، بيتاً ثقافياً وفكرياً وسياسياً جامعاً، يحمل رؤية واضحة، ورسالة نبيلة، وخطاً هادفاً يحترم عقل القارئ…