شمدين نبي
القضية الكردية في سوريا ليست قضية عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، ولا ورقة تستخدم في مرحلة ثم تطوى عندما تتغير موازين القوى، بل هي قضية شعب عاش على أرضه، وحافظ على لغته وثقافته وهويته، وأسهم في بناء سوريا، لكنه عانى عقوداً من سياسات التهميش والإنكار والحرمان من حقوقه الأساسية.
ولهذا ستبقى القضية الكردية حاضرة، كسطوع الشمس في عتمة الظلام. قد يحاول بعضهم حجبها، وقد تتغير الأنظمة والحدود والتحالفات، لكن الحقائق لا تختفي لمجرد تجاهلها.
مرت سوريا خلال العقود الماضية بمراحل وتحولات سياسية عديدة، وكان الكرد، في كثير من الأحيان، يدفعون ثمن الصراعات والتجاذبات، فيما ظلت مطالبهم المشروعة تبحث عن مكانها العادل داخل الدولة السورية. ولم تكن هذه المطالب، في جوهرها، دعوةً إلى إلغاء سوريا أو إقصاء مكوناتها الأخرى، بل تمحورت حول الاعتراف والكرامة والمساواة، والحق في الحفاظ على اللغة والثقافة والهوية، ضمن وطن يتسع لجميع أبنائه.
واليوم، بعد التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة. فقد صدر في كانون الثاني 2026 المرسوم رقم 13، الذي نص على أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، واعترف بالهوية الثقافية واللغوية الكردية بوصفها جزءا من الهوية الوطنية السورية، كما تناول حقوقا تتصل باللغة والثقافة والجنسية.
يمثل هذا الاعتراف خطوة مهمة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: هل تكفي المراسيم والقرارات، أم أن المطلوب هو تثبيت هذه الحقوق في دستور سوري ديمقراطي يضمنها بصورة دائمة؟
تؤكد التجارب التاريخية أن الحقوق التي لا تحميها الدساتير والقوانين والمؤسسات تبقى عرضة للتراجع بتغير الحكومات والظروف السياسية. لذلك، ينبغي ألا يرتبط مستقبل القضية الكردية بشخص أو حزب أو حكومة، بل يجب أن يكون جزءا أساسيا من عملية بناء سوريا الجديدة؛ سوريا المواطنة والمساواة والتعددية واللامركزية.
القضية الكردية ليست قضية الكرد وحدهم، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة السورية الجديدة على الاعتراف بالتنوع وإدارته بعدالة. فإذا استطاعت سوريا تحويل اختلاف قومياتها وثقافاتها إلى مصدر غنى وقوة، فإنها ستكون قادرة على بناء وطن أكثر استقرارا وتماسكا. أما إذا عادت إلى منطق الإقصاء والإنكار، فإنها ستعيد إنتاج الأزمات ذاتها التي أنهكت البلاد طوال عقود.
وفي هذا السياق، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق القوى السياسية الكردية أيضا. فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى خطاب سياسي جامع، يوحد الصفوف، ويضع المصلحة القومية والوطنية فوق الخلافات الحزبية، ويقدم رؤية واضحة ومتوازنة للعلاقة بين ضمان الحقوق الكردية والحفاظ على وحدة سوريا.
وقد أثبتت التطورات أن تعدد القوى السياسية الكردية لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام يضعف الموقف التفاوضي، بل يجب أن يشكل دافعا للتوافق على حد أدنى مشترك من المطالب والحقوق الوطنية والقومية.
إن الكرد في سوريا ليسوا ضيوفا على وطنهم، ولا غرباء عن تاريخ البلاد، بل هم جزء أصيل من نسيجها الاجتماعي والجغرافي والثقافي. ولهم تاريخهم وتضحياتهم وحقوقهم، مثلما أن لهم مصلحة حقيقية في قيام سوريا آمنة وديمقراطية ومستقرة.
لذلك، لا يكمن الحل في تجاهل القضية الكردية، ولا في تحويلها إلى صراع دائم مع بقية السوريين، بل في التوصل إلى صيغة وطنية عادلة تؤكد بوضوح أن سوريا وطن لجميع السوريين، وأن الكرد جزء أصيل منها، وأن الاعتراف بحقوقهم لا يتعارض مع وحدة البلاد، بل يعززها ويمنحها أساسا أكثر عدالة واستقرارا.
لقد تغيرت الأنظمة، وتبدلت التحالفات والخرائط، وسقطت مشاريع وظهرت أخرى، لكن القضية الكردية بقيت حاضرة. ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ هو أن القضايا القائمة على هوية شعب وحقوقه لا تموت بالتجاهل؛ قد تتراجع إلى الظل فترةً، لكنها تعود إلى الواجهة كلما توافرت الظروف.
ولهذا نقول اليوم:
القضية الكردية في سوريا باقية كسطوع الشمس؛ لا يحجبها غيم السياسة، ولا تطفئها تبدلات الحكومات، ولا تنهيها المساومات. وستظل تبحث عن مكانها الطبيعي في سوريا ديمقراطية لامركزية، دولة مواطنة تعترف بتنوعها وتحترم حقوق جميع أبنائها.