الإدارة الذاتية والأمة الديمقراطية.. في محاولة إنقاذ الإنسان

الشاعرة والكاتبة: آخين ولات

ليست قيمة التجارب السياسية في مقدار ما تدّعيه من صواب، ولا في عدد الشعارات التي ترفعها، بل في نوع الأسئلة التي تجرؤ على طرحها في لحظاتٍ يكون فيها الجميع منشغلاً بالنجاة. فهناك تجارب تولد في زمن الاستقرار فتُقاس بقدرتها على الإدارة، وهناك تجارب تولد من قلب الخراب فتُقاس أولاً بقدرتها على مقاومة العدم. ومن هذا المنظور، فإن تجربة الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سوريا، ومشروع الأمة الديمقراطية الذي شكّل إطارها الفكري، يستحقان قراءةً تتجاوز الانقسام السهل بين التمجيد المطلق والرفض المطلق؛ لأنهما ينتميان إلى ذلك النوع من المشاريع التي لا يمكن فهمها خارج الشروط التاريخية التي أنجبتها.

لقد وُلدت هذه التجربة في لحظةٍ لم تكن فيها سوريا دولةً تتنازعها الأحزاب، بل أرضاً تتنازعها الجيوش والهويات والخوف. كانت المؤسسات تنهار، والمدن تُفرغ من سكانها، والثقة بين الجماعات تتآكل، واللغة السياسية نفسها تتحول إلى امتدادٍ للبارود. وفي مثل هذا السياق، لم يكن السؤال المركزي: ما هو النموذج المثالي للحكم؟ بل: كيف يمكن لمجتمعٍ مهددٍ بالتفكك أن يحافظ على ذاته دون أن يتحول إلى نسخةٍ جديدة من الاستبداد الذي ثار عليه الجميع؟

هنا تحديداً تكمن القيمة الأولى للإدارة الذاتية، لا بوصفها نظاماً كاملاً، ولا باعتبارها تجربةً منزّهة عن الأخطاء، وإنما باعتبارها محاولةً تاريخية لنقل المجتمع من حالة الفوضى إلى حالة التنظيم، ومن منطق الجماعة المغلقة إلى منطق الشراكة الممكنة، ومن فكرة السلطة التي تملك المجتمع إلى فكرة المجتمع الذي يحاول إنتاج مؤسساته.

إن أكثر ما يلفت في مشروع الأمة الديمقراطية ليس المصطلح ذاته، فالمصطلحات تزول وتُستبدل، وإنما الفكرة الفلسفية الكامنة خلفه: أن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في قوميته أو دينه أو طائفته أو لغته، وأن الهوية، مهما كانت عزيزة، لا يجوز أن تتحول إلى مبررٍ لإنكار هوية الآخر. فالمجتمع الحقيقي ليس ذلك الذي يذيب الفوارق، بل ذلك الذي يمنع الفوارق من التحول إلى سلّمٍ للهيمنة. ليست العدالة أن يصبح الجميع متشابهين، وإنما أن يصبح المختلفون متساوين في الكرامة.

وهذا هو الفارق الجوهري بين التعدد بوصفه حقيقةً اجتماعية، والتعدد بوصفه فلسفةً سياسية. فسوريا لم تكن يوماً مجتمعاً أحادي اللون، لكنها كثيراً ما حُكمت بعقلٍ أحادي. تعددت فيها اللغات والأديان والإثنيات، بينما بقيت السلطة تبحث دائماً عن هويةٍ واحدة تصوغ الجميع داخلها. ولذلك فإن أهمية أي مشروع بديل لا تُقاس بقدرته على تمثيل جماعة بعينها، بل بقدرته على تحرير المجال العام من وهم أن الوطن يملكه مكوّن أكثر من غيره.

من هنا يمكن فهم الطموح النظري للأمة الديمقراطية بوصفه اعتراضاً فلسفياً على فكرة أن الدولة القومية هي النهاية الطبيعية للتاريخ. لم يكن السؤال فيها كيف تنتصر قومية على أخرى، بل كيف يمكن أن توجد صيغة سياسية تجعل العربي لا يشعر بأن الاعتراف بالكرد ينتقص منه، وتجعل الكردي لا يرى في عروبـة جاره مشروعاً لإلغائه، وتجعل السرياني والآشوري والأرمني والإيزيدي وسائر المكونات يشعرون بأن ذاكرتهم ليست عبئاً على الوطن بل جزءاً من ثرائه.

ولعل أعمق ما في هذه الرؤية أنها تنقل مركز الثقل من الدولة إلى الإنسان. فالدولة، في هذا التصور، ليست كائناً مقدساً، والأمة ليست صنماً، والمؤسسة ليست غايةً في ذاتها؛ إنما كلها وسائل لتنظيم حياة البشر. وحين تتحول الوسيلة إلى غايةٍ يبدأ الانحراف، لأن الإنسان يصبح خادماً للبنية التي كان يفترض أن تخدمه. لذلك فإن القيمة الأخلاقية لأي مشروعٍ سياسيٍ تبدأ من سؤالٍ بسيطٍ،  لكنه شديد العمق: هل يشعر الفرد أن كرامته محفوظة لأنه إنسان، أم لأنها منحةٌ من السلطة أو ثمرةٌ لانتمائه؟

غير أن الفلسفة السياسية لا تُختبر في الكتب، بل في المسافة الفاصلة بين الفكرة وممارستها. وهنا ينبغي أن يكون النقد أكثر شجاعةً من المديح. فمن حق أي تجربةٍ أن تُنتقد، بل إن التجربة التي تخاف النقد تفقد أحد أهم شروط ديمقراطيتها. وإذا كانت الإدارة الذاتية قد رفعت شعارات المشاركة والمجالس المحلية والتعددية وتمكين المجتمع، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بجمال هذه المبادئ، وإنما بمدى تجسدها في الواقع، وبقدرة المؤسسات على مراجعة ذاتها، وبقدرة المواطن على الاعتراض دون أن يتحول إلى خصمٍ، وبقدرة القانون على أن يكون أعلى من الأشخاص.

إن الدفاع الناضج عن التجربة لا يعني تبرير كل ما وقع فيها، كما أن الإدانة الناضجة لا تعني إنكار كل ما أنجزته. فالتاريخ ليس محكمةً تبحث عن البراءة أو الإدانة، بل مختبرٌ لفهم ما يصلح للبقاء وما يحتاج إلى التغيير. ومن أخطر الأخطاء الفكرية أن نخلط بين المشروع وأخطائه، فنرفض الفكرة لأنها لم تتحقق كاملةً، أو نقدسها لأنها حملت وعوداً كبيرة. كلا الموقفين يهرب من التفكير؛ لأن التفكير الحقيقي يقف في المنطقة الصعبة بينهما.

لقد كان يمكن لهذه التجربة أن تكون أكثر من إدارةٍ لمنطقةٍ جغرافية؛ كان يمكن أن تصبح مختبراً سورياً لإعادة تعريف معنى المواطنة. ليس لأن الكرد وحدهم يملكون حلاً لسوريا، بل لأن معاناتهم التاريخية جعلتهم أكثر احتكاكاً بسؤال الاعتراف والهوية والحق في الوجود. والشعوب التي خبرت الإقصاء تستطيع، إن امتلكت الحكمة، أن تنتج فلسفةً سياسيةً لا تقوم على الانتقام من الآخرين، بل على منع تكرار الإقصاء ضد أي أحد.

وهنا يكمن الامتحان الأخلاقي الأكبر للكرد أنفسهم. فالشعب الذي يطالب العالم بالاعتراف بلغته وثقافته وحقوقه لا يستطيع أن يبني مستقبله على إنكار لغة أو ثقافة أو حقوق شعبٍ آخر. إن قوة القضية الكردية لا تزداد حين تصبح صورةً معكوسةًا عن القومية التي اضطهدتها، بل حين تقدم نموذجاً يقول إن الحرية لا تتجزأ، وإن الكرامة لا تُمنح بالانتماء، وإن العدالة التي تستثني أحداً تحمل في داخلها بذور ظلمٍ جديد.

لهذا فإن المبدأ الذي يستحق أن يُحفظ من مشروع الأمة الديمقراطية ليس آيديولوجيته الجامدة، بل جوهره الإنساني القابل للتطوير. فكل نظريةٍ سياسيةٍ تصبح خطراً حين تتحول إلى نصٍٍ مغلق لا يقبل المراجعة، لكنها تصبح قوةً تاريخية حين تسمح للواقع بأن يصححها. إن الأفكار لا تنضج بحمايتها من النقد، وإنما بقدرتها على النجاة منه.

ولعل المستقبل السوري يحتاج بشكلٍ أقل إلى صراع المشاريع المغلقة، وأكثر إلى مشروعٍ يعترف بأن الإنسان يسبق التعريفات كلها. فالإنسان ليس عربياً فقط ولا كردياً فقط، وليس مسلماً أو مسيحياً أو إيزيدياً فقط، وليس ابن أكثرية أو أقلية فقط؛ إنه كائنٌ يولد حراً قبل أن تمنحه السياسة أسماءها، وقبل أن ترسم الجغرافيا حدودها، وقبل أن تصنع السلطة هرم الانتماءات الذي يضع بعض البشر فوق بعض.

إن المجتمع الذي يحترم الإنسان لا يلغي الهويات، بل يحررها من وظيفتها العدائية. فاللغة تصبح جسراً لا متراساً، والدين يصبح ضميراً لا أداةً للفرز، والقومية تصبح ذاكرةً وثقافةً لا مشروعاً للسيادة المطلقة. وعند هذه النقطة فقط يمكن أن تتحول التعددية من مجرد وصفٍ اجتماعيٍ إلى فضيلةٍ سياسية.

لهذا، فإن تجربة الإدارة الذاتية، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، وبغض النظر عن نواقصها وعثراتها، تظل من أكثر المحاولات السورية جرأةً في اقتراح نموذجٍ مغايرٍ لما عرفته البلاد لعقود. ليست لأنها حققت المدينة الفاضلة، بل لأنها حاولت أن تتخيل إمكانيةً أخرى في زمنٍ كان الخيال نفسه يُقتل. وربما لا تكون أهميتها في ما أنجزته بالفعل بقدر ما تكمن في السؤال الذي تركته مفتوحاً أمام السوريين جميعاً: هل يمكن بناء وطنٍ لا تكون فيه القومية شرطاً للمواطنة، ولا الطائفة جواز مرورٍ إلى الحقوق، ولا الأكثرية رخصةً لابتلاع الأقلية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص الكرد وحدهم، ولا الإدارة الذاتية وحدها، ولا أي حزب أو حركة بعينها. إنها تخص معنى سوريا المقبلة. فإذا كان ثمة درسٌ يستحق أن يُستخلص من كل تلك السنوات، فهو أن الأوطان لا تنهار بسبب اختلاف شعوبها، بل بسبب عجزها عن تحويل الاختلاف إلى عقدٍ أخلاقي وسياسي عادل. 

وحين يصبح الإنسان هو القيمة الأعلى، لا تعود الهويات سجوناً، ولا تصبح الدولة إلهاً، ولا تتحول السياسة إلى فن السيطرة، بل إلى فن تنظيم الحرية بين بشرٍ متساوين في الكرامة ومختلفين في الذاكرة.

وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لأي مشروعٍ يستحق البقاء: 

أن يُقاس بقدرته على حماية الإنسان من الإنسان، لا بقدرته على تمكين جماعةٍ من جماعة. أن يكون الوطن فضاءً تتجاور فيه الهويات دون أن تتقاتل، لأن  الانتصار السياسي الأسمى ليس هو  أن ينتصر طرفٌ، بل أن ينتصر مبدأٌٌ يجعل الجميع أكثر إنسانيةً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي جكر سلو   يواجه سلك العدالة في سوريا تحديات جوهرية تتعلق بترسيخ سيادة القانون، وضمان استقلال السلطة القضائية، وتعزيز دور المحاماة بوصفها شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة. وترتبط معالجة هذه التحديات ارتباطًا وثيقًا بطبيعة النظام السياسي وشكل الدولة ومؤسساتها، إذ إن الدول الخارجة من الأزمات تتجه عادةً إلى إصلاح منظومتها القضائية وفق المعايير الدولية أو بما يوائم متطلبات العدالة…

ابراهيم زورو ينسى المسلمون الكورد بأنهم كانوا أصحاب أعظم ديانة بهرت العالم، الذي أخذوا منه جملةً وتفصيلاً، حتى أنهم نسبوا زرادشت إليهم. وتضيف ماري بويس بأن الزرادشتية أقدم ديانة على الإطلاق، ومعرفتها ضرورية لمعرفة الديانات الأخرى.، “تُعَدُّ الزرادشتيةُ أقدمَ دين من بين أديان الوحي العالمية، ولعلَّها أثّرت، بشكل مباشر وغير مباشر، تأثيراً كبيراً في الإنسانية أكثر من أية ديانة أخرى……

عبد الكريم عمي ما هو السر في الحقيقة؟ الثورة السورية قامت في بداياتها على فكرة واضحة وهي بناء دولة سورية ديمقراطية مدنية علمانية تعددية، دولة تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري، وتنهي عقودا من الاستبداد والدكتاتورية والاقصاء. وعلى هذا الاساس انتفض الشعب السوري بمختلف مكوناته، وشاركت قوى سياسية ومدنية وشخصيات وطنية في مواجهة نظام الاسد…

إبراهيم محمود ما كتبتُه في مقالي عن مئوية قامشلو/ قامشلي، قبل أيام ، بعنوان ” ولوعن القليل من الوفاء المشترك لمدينة قامشلو/ قامشلي” كما وصلني من تعليقات ومن تقدير، متوقعٌ، لأن الأسماء التي عرَّفت بنفسها كما هي، أفصحت عن شفافية علاقة وفي دائرة نسَب مكانية تضعنا جميعاً، في محمية جغرافية واحدة، إن أردنا أو نشدنا الدقة، وتتحدانا مستجداتها جميعاً، ولعلها…