ابن الجزيرة بين الذكاء الفردي وفشل العمل السياسي والجماعي

زاهد العلواني آل حقي

في الجزيرة السورية، عرباً وكرداً ومسيحية نشأ مجتمع عُرف بالذكاء والقدرة على التكيّف والصبر وتحمل الظروف الصعبة لمدة 55 سنة بين دفتي الرحى.

ابن الجزيرة أياً كان انتماؤه القومي أو الديني يستطيع في كثير من الأحيان أن ينجح في التجارة، والوصناعة،والتعليم، والزراعة، وأن يبني لنفسه ولأسرته مكانة محترمة بجهده الشخصي.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصراحة والصدق مع أنفسنا لماذا يستطيع ابن الجزيرة أن ينجح كفرد لكنه يتعثر عندما يصبح النجاح مرتبطاً بالجماعة ؟ ( طبعاً الحسد والغيرة )

إذاً فالمشكلة ليست في الذكاء!.
الجزيرة مليئة بعقول فيها رجال أعمال ومثقفون وأطباء ومهندسون ومعلمون وموظفون وناشطون وشخصيات اجتماعية تمتلك تجارب طويلة.
إذا المشكلة في تقديري، هي ضعف ثقافة العمل الجماعي والسبب( النظام السابق لم يكن يسمح بثقافة العمل الإجتماعي).

بالنسبة للعرب والأكراد، فالمشكلة مشتركة واحدة رغم اختلاف الظروف التي مرَّت بهم.
كلاهما يمتلك طاقات بشرية كبيرة وكلاهما عانى من ظروف “سياسية”واقتصادية واجتماعية صعبة، لكن الخلل في القدرة على تحويل هذه الطاقات إلى مشروع جماعي منظم.

تجد عشرات الشخصيات الكردية الحزبية والكُتَّاب القادرة على الحديث عن حقوق مجتمعها لكنك تجد صعوبة في جمعها حول برنامج واحد .
وتجد أحزاباً كردية لديها بعض الفعاليات، لكن المصالح المتعارضة والانقسامات الشخصية والحزبية تجعل القوة موزعة ومشتتة.

والنتيجة أن العرب والكرد يمتلكون كل هذه الطاقات لا يستطيعون توظيفها في الاتجاه الذي يخدم مصلحة المجتمع .

من أكبر الأخطاء التي تقع بها الأحزاب الكردية تعتقد أن العمل السياسي هو الظهور الإعلامي أو كثرة الكلام ورفع الشعارات( العاطفية).

السياسة الحقيقية هي تنظيم المصالح وبناء المؤسسات وإدارة الخلاف والتفاوض مع جميع ابناء سورية ، ووضع البرامج ، والاستمرار في العمل لصالح الحزب ولاتكون المكاسب الشخصية من الأولويات .
أما الرجل العربي الناجح ليس بالضرورة يكون أكثر الناس كلاماً، وإنما أكثرهم قدرة على جمع الناس حول هدف سامي لمصلحة الكل.

أقول للعربي والكردي، الذي لا يستطيع أن يعمل مع من يختلف معه في الرأي، لن يستطيع أن يمثل مجتمعاً متنوعاً.

وماذا عن المسيحيين في الجزيرة السورية؟
فقد قدم نموذجاً مختلفاً في جميع المجالات ونجح أفراده تاريخياً في التعليم والمهن الصناعية والتجارية والإدارية وامتلكوا تقاليد مؤسساتية و(كنسية)واجتماعية ساعدت على تحقيق نجاحات مهمة جداً.
لكن من الإنصاف أيضاً القول إن حجم هذا المكوّن وظروفه الديموغرافية( التغير الذي طرأ على عدد سكانهم والهجرة التي تعرض لها أبناؤه خلال 50 سنة ماضية تحد من قدرته على لعب أدوار كبيرة في الجزيرة .

المطلوب أن يكون لكل مكوّن دوره الطبيعي ضمن مشروع وطني جامع، فالجزيرة تحتاج إلى عقول تعمل في مجال السياسة في الحكومة الجديدة والقادمة.

الجزيرة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من (( الزعامات المتنافسة بأسم القبيلة والعشيرة، بقدر حاجتها إلى مؤسسات قوية وعقول سياسية ناضجة جامعة.

تحتاج إلى الانتقال من ( أنا أولاً إلى نحن أولاً).
ومن قبيلتي وحزبي أولاً إلى منطقتي ومجتمعي أولاً.
ومن كيف أستفيد من أموال إلى ماذا أستطيع أن أقدم للمجتمع ؟
ومن كيف أنتصر على خصمي إلى كيف ننتصر جميعاً كرداً وعرباً ومسيحية ويصبح لنا ثقلاً في دمشق ؟

أما أن يتحول الخلاف الكردي العربي المسيحي إلى عداوات شخصية وتخوين وإقصاء، فهنا يصبح الخلاف سبباً في إضعاف المجتمع (كله).

المطلوب، الاختلاف في الرأي .
نعم أنا أعترف ومن خلال تجربة عائلتنا، الجزيرة ليست مجتمعاً متجانساً، وهذا ليس عيباً، فيها عرب وكرد وسريان وآشوريون وأرمن ، وفيها قبائل، عشائر وأحزاب ومستقلون ومثقفون ورجال أعمال وشباب.
هذه التعددية مع كل أسف تحولت إلى نقطة ضعف وصراعات، لكنها يمكن أن تصبح نقطة قوة تاريخية إذا تحولت إلى شراكة حقيقية.

والشراكة لا تعني أن يتنازل العربي عن هويته، ولا أن يتنازل الكردي عن حقوقه، ولا أن يتخلى المسيحي عن خصوصيته.

في الختام :
أكبر تحدٍ أمام ابن الجزيرة هو أن يثبت أنه قادر على تحويل الذكاء الفردي إلى قوة جماعية.
وأن يتعلم السياسي فيها أن الكرسي ليس هدفاً، وأن الزعامة ليست ملكية خاصة، وأن تمثيل الناس ليس امتيازاً بل مسؤولية وأمانة ومحاسبة.

وإذا استطاع العرب والكرد، يتجاوزوا الحسابات الصغيرة ويبنون ثقافة سياسية جديدة تقوم على الكفاءة والنزاهة والعمل الجماعي، فإن الجزيرة تستطيع أن تتحول من منطقة تشتت سياسي إلى نموذج في الشراكة الوطنية.

أما إذا بقي كل فرد يتمسك بقبيلته وعشيرته أو حزبه أو جماعة بعينه يبحث عن مصالح ضيقة، النتيجة ( ستظل العقول أصغر بكثير من حجم الجزيرة وأهلها وتاريخها).

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي تمرّ سوريا اليوم بمرحلة انتقالية قد ترسم شكل الدولة السورية ومستقبل العلاقة بين مكوّناتها، وموقع الشعب الكردي وحقوقه في سوريا الجديدة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي التمسك بالأدوات والخطابات التي رافقتنا لعقود، بل تفرض المرحلة أسئلة جديدة، أبرزها: إذا كانت المرحلة قد تغيّرت، فهل ينبغي أن تبقى القيادات والعقلية السياسية الكردية على حالها؟ هذا السؤال ليس استهدافاً…

أمل حسن إن دعس الرموز الوطنية أو حرقها في المحافل والحفلات وأمام الأنظار لا يخدم المصلحة العامة مطلقا، فكل رمز يحمل خصوصية ودورا يمثل وطنا أو مكونا سياسيا، وله قدسيته لدى الشعب الذي ينتمي إليه. ومثلما نؤمن نحن بعلم كوردستان ونضحي من أجل رفعة رايته، فإن لكل راية شعبا يحترمها وشهداء بذلوا أرواحهم تحتها.ونحن نطالب بسوريا ديمقراطية تتسع لجميع أبنائها…

د. مرشد اليوسف تبدو تركيا شديدة القلق من التطورات العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، ولا سيما احتمال سقوط النظام الإيراني نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة من إسرائيل والولايات المتحدة. فمثل هذا التحول، إذا وقع، لن يكون مجرد تغيير في نظام سياسي داخل إيران، بل قد يؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها، ويفتح الباب أمام تحولات عميقة…

محي الدين حاجي ارتبطت صور اضطهاد الشعب الكردي في الشرق الأوسط تاريخياً بالعمليات العسكرية، وحملات الأنفال، والقصف الكيماوي في حلبجة، أو تدمير القرى وهدم الهوية. لكن في العقود الأخيرة، طوّرت الأنظمة الإقليمية في بغداد وأنقرة ودمشق وطهران أسلوباً جديداً يوصف سياسياً بـ«الأكثر خطورة»، لأنه لا يستخدم الرصاص، بل يستخدم قاعات البرلمان وصناديق الاقتراع. ولم تعد أنظمتهم مضطرة لإطلاق الرصاص لطمس…