د. مرشد اليوسف
تبدو تركيا شديدة القلق من التطورات العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، ولا سيما احتمال سقوط النظام الإيراني نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة من إسرائيل والولايات المتحدة. فمثل هذا التحول، إذا وقع، لن يكون مجرد تغيير في نظام سياسي داخل إيران، بل قد يؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها، ويفتح الباب أمام تحولات عميقة في القضية الكردية على امتداد الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم التحرك التركي المتسارع تجاه حزب العمال الكردستاني وما يسمى «عملية السلام». فأنقرة، في تقديري، لا تريد أن تنتظر نتائج التحولات الإقليمية ثم تتعامل مع تداعياتها، وإنما تحاول استباقها وإعادة ترتيب البيت الداخلي قبل أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة.
إن أخطر ما تخشاه تركيا هو أن يؤدي انهيار النظام الإيراني أو ضعفه الشديد إلى بروز قوة كردية إيرانية جديدة، وأن تتفاعل هذه القوة مع التطورات الكردية في العراق وسوريا وتركيا، بما قد يعيد طرح القضية الكردية بوصفها قضية إقليمية تتجاوز حدود الدول القائمة.
ولهذا تبدو عملية السلام التركية مع حزب العمال الكردستاني جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إغلاق الجبهة الكردية المسلحة داخل تركيا، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
غير أن السؤال الأساسي هنا هو: هل تسعى تركيا فعلًا إلى حل القضية الكردية، أم إلى حل حزب العمال الكردستاني؟
فالفرق بين الأمرين جوهري. فإذا كان المطلوب من الجانب الكردي هو التخلي عن السلاح، وحل التنظيم، وتفكيك بنيته العسكرية، وإعادة أعضائه إلى الحياة المدنية، بينما تقتصر التنازلات التركية على إجراءات قانونية وأمنية محدودة دون اعتراف دستوري واضح بالهوية والحقوق القومية والسياسية للكرد، فإن العملية تصبح أقرب إلى تسوية أمنية لإغلاق الملف العسكري منها إلى تسوية تاريخية للقضية الكردية.
ومن هنا تأتي المخاوف الكردية من أن تكون التنازلات المقدمة مجرد تنازلات مؤقتة أو محدودة، مقابل تنازل كردي استراتيجي يتمثل في إنهاء حزب العمال الكردستاني كقوة مسلحة. وفي هذه الحالة ستكون أنقرة قد حققت هدفًا أمنيًا كبيرًا، بينما تبقى الأسباب السياسية والتاريخية التي أنتجت القضية الكردية قائمة.
لكن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على نزع السلاح وحده. فإغلاق الجبهة العسكرية دون معالجة قضية الهوية والحقوق السياسية والثقافية واللغوية والمشاركة العادلة في الدولة سيؤدي، في أفضل الأحوال، إلى تجميد المشكلة وليس حلها.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي لعملية السلام التركية ليس في كيفية إنهاء حزب العمال الكردستاني، وإنما في ما الذي سيحصل عليه الكرد بعد انتهاء الحزب من دوره العسكري.
إذا انتهت العملية باعتراف دستوري وسياسي وثقافي حقيقي بالوجود الكردي وحقوقه، فإنها يمكن أن تتحول إلى تسوية تاريخية تفتح صفحة جديدة بين الدولة التركية والكرد.
أما إذا انتهت بتفكيك الحزب ونزع سلاحه وإعادة أعضائه إلى المجتمع، دون إصلاحات سياسية جوهرية، فإن التاريخ قد يسجلها باعتبارها عملية تصفية للبعد العسكري للقضية الكردية، لا حلًا للقضية الكردية نفسها.
ومن هنا يمكن فهم الاستراتيجية التركية في هذه المرحلة باعتبارها محاولة لاستباق النظام الإقليمي الجديد: إغلاق الجبهة الكردية داخل تركيا قبل أن تفتح التحولات القادمة في إيران وسوريا والعراق أبوابًا جديدة أمام القضية الكردية.
والسؤال الذي سيحسم مستقبل هذه العملية هو: هل ستقبل تركيا بأن يكون السلام مع الكرد شراكة تاريخية داخل الدولة، أم أنها تريد فقط أن يكون سلامًا بلا سلاح، ولكن أيضًا بلا حقوق قومية وسياسية حقيقية؟