ارتبطت صور اضطهاد الشعب الكردي في الشرق الأوسط تاريخياً بالعمليات العسكرية، وحملات الأنفال، والقصف الكيماوي في حلبجة، أو تدمير القرى وهدم الهوية. لكن في العقود الأخيرة، طوّرت الأنظمة الإقليمية في بغداد وأنقرة ودمشق وطهران أسلوباً جديداً يوصف سياسياً بـ«الأكثر خطورة»، لأنه لا يستخدم الرصاص، بل يستخدم قاعات البرلمان وصناديق الاقتراع.
ولم تعد أنظمتهم مضطرة لإطلاق الرصاص لطمس الهوية الكردية، فقد عثروا جميعاً على سلاح أكثر فتكاً وخباثة: إنه صندوق الاقتراع وقاعات البرلمان.
لقد تحولت «الديمقراطية» في بغداد وأنقرة ودمشق وطهران من قيمة إنسانية تحمي التنوع، إلى مسرحية هزلية ومقصلة قانونية تُستخدم لشرعنة الإقصاء والتجويع والملاحقة بدم بارد، تحت غطاء إرادة الشعب، وبأسلوب يدّعي الحضارة زيفاً وبهتاناً.
إن ما تمارسه هذه العواصم الأربع يعكس الأزمة العالمية لما يُعرف اليوم بـ«الديمقراطية غير الليبرالية»، وتحديداً مفهوم «الديمقراطية الدكتاتورية» أو «استبداد الأغلبية». هذا المفهوم المشوه يقوم على اختزال الديمقراطية كاملة في مجرد عملية حسابية وصناديق الاقتراع، مع تفريغها تماماً من جوهرها الحقيقي.
وفي هذه البيئة التشريعية، تُساق القوانين عبر لغة رفع الأيادي الفاسدة المرتشية، حيث تُشترى الذمم والولاءات تحت الطاولة، وتتحالف كتل الأغلبية الفاسدة مصلحياً لتوجيه التصويت البرلماني كأداة لإخضاع الأقلية الكردية، وتسيير مخططات إقصائها بآليات تبدو في ظاهرها سليمة وقانونية، بينما هي في جوهرها صفقات مشبوهة لتكريس التهميش.
في هذه المنظومة المشوهة، يُساق قوت الشعب الكردي ورواتب موظفيه في إقليم كردستان إلى مقصلة التصويت البرلماني في بغداد، حيث تتوافق تلك الأيادي المرتشية لقطع الأرزاق تحت لافتة «سيادة القانون الديمقراطي».
وفي الوقت ذاته، تُنصب صناديق الاقتراع في أنقرة كفخ ديمقراطي يُسمح للكرد بموجبه بالتصويت، لكن ما إن يطالب نوابهم بحقوقهم حتى تتخلى الأغلبية القومية عن قناعها، فتُرفع الحصانات ويُلقى بالقادة في السجون بتهم الإرهاب المعلبة.
وتكتمل فصول المسرحية في دمشق وطهران؛ حيث يُستخدم مجلس الشعب السوري لشرعنة الإنكار المطلق للوجود الكردي، بينما يذهب مجلس الشورى الإيراني ومنظومته القضائية إلى ذروة التطرف عبر إلباس أحكام الإعدام والاعتقالات السياسية ثوباً قانونياً وشرعياً.
الخلاصة تثبت هذه المعادلة أن القانون في هذه الدول لا يعني العدالة، بل يمثل سياط الحاكم التي تحركها مصالح الكتل الفاسدة ضد الأقلية القومية. وطالما ظل العالم يتعامل مع الديمقراطية كعملية إجرائية شكلية، ستستمر عواصم المنطقة في ممارسة أبشع أنواع التطهير السياسي والاقتصادي ضد الكرد عبر هذه «الديمقراطية الدكتاتورية»، ولكن هذه المرة بياقات بيضاء، وأيادٍ مرتشية، ومطارق برلمانية، وأسلوب «حضاري».
ما هو سارٍ اليوم في أغلب دول العالم هو جثة الديمقراطية أو هيكلها الخارجي: الانتخابات والبرلمانات، أما روحها — العدالة، وحماية الضعيف، والمواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان — فقد تم ذبحها على يد الأنظمة التي تستخدم مطرقة القاضي ورئيس البرلمان بدلاً من بندقية الجندي.
الديمقراطية في هذا الزمن أصبحت، للأسف، مجرد ورقة يغطي بها الطغاة عورة استبدادهم.