إبراهيم محمود
” إلى صديقي الذي لما يزل حياً يرزق: الأستاذ والكاتب حينها: وليد حسو، الشاهد على مأساة ما حدث ، وشهود عيان كانوا طلابي ذات يوم في ديركا حمكو”
ما ليس عنواناً
لا بأس أن أنير بعضاً مما يخصُّ تبعات مقال ” جان دوست… كاتبٌ في مواجهة ثقافة الشتيمة.” لكاتبها الأستاذ ” عاكف حسن “، في موقع ” ولاتى مه ” الذي يظهر أنه من ديركا حمكو، أو درَّس ذات يوم في مدرستها ” يوسف العظمة ” كما ذكر ذلك أحد الأخوة المعلّقين، وهو كاظم أ. عزيز ” بخصوص كيفية التعامل مع الكاتب في ومع الذي يكتبه وليس في شخصه، والسؤال الشائك: متى وكيف يمكن الفصل بين الاثنين، كما حاولت متابعة ذلك في الربط بين ما يقوله الكاتب عن نفسه ويسطّره باسمه: بحثاً، أو نصاً أدبياً وخلافهما، في كتابي” وعي الذات الكردية: كيف يعرّف الكاتب الكردي بنفسه؟” المنشور سنة ” 2004 ” وكان عبارة عن حلقات نُشِرت بالتسلسل في موقع ” عفرين نت ” وما كان يجري من تجييش لوعي قطيعي من قبل جُلّ الذين تناولتُهم ومَن هم معهم، بأحزابهم جملة وتفصيلاً، ومن تهديدات لي، بأشكال مختلفة، وللمسئول عن الموقع، والذي أحتفظ له بكامل التقدير لشجاعة موقفه ، حيث كان يعلِمني بذلك ، وقد استمر حتى النهاية. وتبعات تلك المقالات وغيرها لا زالت قائمة بالكثير من ذيولها، وللأحزاب الكردية في روجآفا في جملتها وأنا أحمّلها كامل المسئولية ، والتي انبنت منذ بداياتها الأول على ذهنية التخوين وإثارة الشبهات، وما شهدته الأيام التالية أكّد ذلك، وإلى اللحظة.
بعض من التحديث
كان ذلك في السنة الدراسة” 1981-1982 ” حين تم قبولي ضمن ملاك وزارة التربية السورية ” نقطة على السطر هنا: حينها واجهني حينها العديدون من ذوي الذهنية التحزبية الكردوارية بسؤالهم المعهود: كيف ” قبَلوك ” في أول مسابقة تقدمت إليها؟ كان السؤال له مغزاه الاتهامي، إذ كان علي في الحالة هذه أن يجري رفضي ربما لأكثر من دورة، لأنال براءة ذمة من هذه الأحزاب في وعيها القطيعي: التخويني”، وجرى تعييني في منطقة ” ديريك: ديركا حملة” المالكية معرَّبة ” وفي أهم مدرستين فيها، والأساسية فيها من خلال نِصَابي التدريسي : ثانوية يوسف العظمة ” وهي مختلطة في قسمها العلمي: الثانوي، والساعات الإضافية في ثانوية ” الطليعة ” للبنات ، مدرّساً لمادة الفلسفة، في الصفوف الثلاثة الأولى في المدرستين ” 32 ساعة ” أي ما يزيد عن نِصاب الساعات الإضافية نفسها، ولم تكن تُحسَب لي، وكان علي أن أقبل بها، حيث كنت وحدي .
وأنا أتوجه إلى ” ديريك ” من قامشلو، حيث أقيم، وفي الكرسي المزوج الأول في ” ميكرو باص”، وكان بجانبي رجلٌّ خمسيني، حسبما أذكر، ورأى حقيبة كبيرة نسبياً معي، حيث سألني عن وجهتي وعملي، فأعلمته بذلك، فما كان منه إلا قال لي: يا ابن أختي انتبه إلى نفسك. واكتفى بهذا الكلام الذي لم أنسه أبداً.
كلام الرجل عشت مناخاته بتمامه.
الدوامة الديركيّة
من خلال تجربة سنة كاملة من التدريس، ومع طلاب يمتلكون قدْراً معلوماً من الوعي، وفيهم نسبة كبيرة من الكرد، وثمة السريان والأرمن ونسبة لا بأس بها من العرب. سنة استثنائية كانت نسيج وحدها” لا بد أن يجري التفصيل فيها ذات يوم، إن كان في العمر بقية، في سيرتي الذاتية التي أواظب على كتابتها، حيث الجزء الرابع قيد الطباعة خارجاً ” تجربة غنية ومؤلمة، لا بل ومرعبة بمناخها الهيتشكوكي من التوليف الكردي.
هناك، وبوصفها منطقة حدودية نسبياً، كان للحدود ، ومع كردستان العراق تحديداً، كان ثمة تأثير لافت في النفوس جهة المستجدات على الساحة السياسية الكردية. كان على المقيم فيها، أو من يقيم فيها، ولو لبعض الوقت، وفي مجال وظيفي حساس، كعملي، أن يكون معروفاً بانتمائه الحزبي، أو يكون له سجلٌّ حزبي أو سياسي معروف عند أهل المنطقة ” من الكرد أنفسهم “، قبل الجهات الأمنية: أن تكونَ من حزب كردي، وفي الواجهة ” بارتي ديمقراطي كردستاني “، أو شيوعي، أو بعثي.. لا مفر من وضع الاسم في خانة من هذه الخانات.. كنت خارجها جميعاً.. ولكم دفعت تكاليف هذه الاستقلالية في العلاقة .
كم كان مخاض العلاقات مع من هم من بني جلدتي صعباً. وقبل كل شيء، كان من السهل تلبيسي تهمة معينة، طالما ليس لدي خانة سياسية” حزبية “، إزاء كل موقف لدي، ومع الطلاب ومن خلالهم، الذين أظهروا في نسبة معلومة منهم أي دور بائس ” نقلة تقارير ” إزاء الجاري من داخل المدرسة إلى خارجها ” خصوصاً أنني كنت صارماً في علاقتي مع الجميع” أتراني أمديح نفسي؟ “لا بد أن هناك شهود عيان من طلاب في مقدورهم الحديث عن ذلك إذا كانوا منصفين بحق أنفسهم، ومتحررين من تلك اللوثة، أنّى كانت طبعتها الحربية “، ومن خلال نشاطي الثقافي : مشاركات، وإلقاء محاضرات في المركز الثقافي الرسمي وتأثير ذلك على وسط مجتمعي صغير نسبياً، وتضاعف هذا الموقف توتراً، حين وجدتني مضطراً لتغيير غرفتي التي استأجرتها في حي كردي، منتقلاً إلى حي مسيحي في عمومه، واختلاف العلاقة بزاوية كاملة تماماً جهة التعامل ؟؟؟
ليتفجر هذا الموقف ذات يوم ربيعي” في الفصل الدراسي الثاني ” في شعبة البكالوريا الأدبية الوحيدة، وطلابها ذكور، والنسبة الكبرى طلاب كرد ” تجاه علاقة استفزازية مع طالب كردي” راسب سنة ثانية ” أساء إلى الأدب، وعنّفتُ بكلام، اضطررت إليه، لا أبرره في مجموعه، لكنه جاء في سياق علاقة طويلة.
وانتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، وجرت القطيعة كاملة نسبياً( ليذكر طلاب تلك المرحلة، ومن كانوا من ذويهم كيف حاولوا تصفيتي، عبر الاستنجاد بأخوة بيشمركة لنا كانوا في المنطقة، ولكنهم اكتفوا بقطيعة كاملة وما تبعها من سيطرة مناخ كابوسي، لم يدّخر الحزب الكردي السائد فيها جهداً في لعبة السمسرة الحزبية وتأكيد تبعيته، باسمي.. ولا أدري لماذا لم تتم عملية التصفية. لا بد أن هناك عقلاء تدخلوا في الموضوع، لمَا للموضوع الحدّي هذا، فيما لو تم، من عواقب وتبعات..إلخ، أي لأكون، كما أتردد من صنف ” الأمعيين للجهات الأمنية، بالمعنى الحرفي “
وكما كان صديقي وليد حسو، أستاذ اللغة الفرنسية، والكردي الإيزيدي القادم من حلب، والشيوعي حزبياً يعلِمني عن كل ذلك أول بأول، وهو المقرب من كردنا هناك بصفته شيوعياً قبل كل شيء .
إلى أن جاء يوم ربيعي من شهر نيسان، ليكون لنا: حسو وأنا، نشاط أدبي مشترك، بالنسبة إليه قرأ قصصاً له، وبالنسبة إلي، أظن أنني قرأت قصيدتين، وكان ذلك ربما آخر لقائي بكتابة الشعر حتى زمن طويل.
كان النشاط على خلفية من ميلاد حزب البعث” السابع من نيسان ” وجرت تسمية المناسبة، وكانت الوقيعة. والحضور تعدّى الكراسي عدداً ووقوفاً، مع الجهات الأمنية ومن لهم صلهم صلة بالأحزاب الكردية والحزب الشيوعي..كان حسو أول من بدأ، حيث إن أغلب الحضور جاء من أجله، وجاء دوري، ويا له من دور لا أحسَد عليه، حين قدّمني مدير المركز وهو بعثي مخضرم ومن المنطقة، بعد أن أسترسل في إبراز مناقب حزبه، وليكون تقديمي كما لو أنني شاعر حزبه ومدّاحه. لا أظن أن موقفاً كهذا يمكن التفاعل معه بسهولة.
يذكر بعضٌ من طلابي ما جرى، والذين كانوا معتدلين، وفي نسبة منهم شيوعيون، ما حدث إثرها، حين اعتليت المنصة، وبعد توجيه التحية جرى تفجير القنبلة التي اضطررتُ لتفجيرها، بناء على ما عشته من علاقات سابقة، وأنا أقول بالحرف الواحد: لن أعزف على وتر العروبة، إنما على وتر الإنسانية.
ما قلته تفسيراً لهذه العبارة، ربما لم يصغ إليه الكثيرون لأن تصفيقاً غير معهود تجاوز صداه حدودَ المركز.
إنها العبارة التي نوقشتُ عليها بعد انتهاء النشاط لأكثر من نصف ساعة.
وما جرى بعد ذلك من محاولة اعتقالي من قبل الجهات الأمنية وتدخّل جهات أخرى” شيوعية ” كما علِمت، لأصنف كما قيل لي ” نصيراً شيوعياً ” يا للمأساة!
وبعدها اختلف الموقف، وانقشعت الغيمة تلك.. ولكنها لم تنقشع في تكوينها التحزبي الكردي، ومن هم متكتلون في نطاقه ممن يُعتبَرون كتاباً، على خلفية ما كتبت وأكتب إلى الآن.
طبعاً لأنني، ولا زلت أريد أن يكون لي وجهي، صوتي، طريقتي في التعبير عما يجري..هذا ليس مقبولاً من جملة الأحزاب الكردية التي ترى أنها معصومة عن أي خطأ. هل سبق لأحدهم أن قرأ أو سمع تصريحاً من جهة حزبية كردية باعتراف بخطأ ما، أو إساءة إلى شخص ما، كما هي العلاقة معي؟
هذه الأحزاب التي في لسانها المشطور، وفي الوسط تكون تهمة التخوين شغالة” قرأت قبل أيام في موقع ولاتي مه، على سبيل المثال، أحدهم، لا يدخر جهداً في ” غسل ” الأخ حسن صالح، بالكثير من مآثر التخوين والشتائم النقالة “، هذه الأحزاب التي أصبح عددها فلكياً قياساً إلى واقعها شعبها المبتلي بها، وتلك الغنائم التي حصلوا ويحصلون عليها إثر الانفجار السوري” الآذاري 2011 ” داخلاً وخارجاً، وقد كتبتُ الكثير حول ذلك، وما يخص الكتاب الكرد وقد أصبحوا مِللاً ونحلاً، في تشكيلات وتنظيمات مبهرجة داخلاً وخارجاً كذلك، ويستمر الشعب الكردي في التناقص في حضوره النوعي.
لم أتلمس جرأة لدى أي حزب كردي يعترف بخطأ له لا يجوز عليه نسيانه كما قلت، مقارنة بأحزاب أخرى، كما في بيان منشور للحزب الشيوعي السوري الذي اعترف بخطأ قاتل له في تسعينيات القرن الفائت، جهة العلاقة مع شاعرينا الكرديين جكرخوين ورشيدى كرد، اللذين كانا شيوعيين ، وجكرخوين بداية. ماذا يتبقّى لديهم لو اعترفت بذلك؟
جلّ الكتاب الكرد مصابون بهذه اللوثة، بل يحملون هذه الجرثومة في نفسهم ورؤوسهم استجابة قطيعية لرعاتهم القطيعيين، وكما جرى معي في أكثر من منشور تهويلي ، كما لو أن وشْم أي منهم بصفة أمَّعية نافرة كهذه ضمان أمن وسلامة قطيعيين لأي منهم، كما أعرف في ذلك في أكثر من كاتب، ومنهم من بلغوا من العمر عتياً، منهم من يجامل هذا الحزب بحضوره، ومع آخر بغياب الأول، ورغم ذلك يُحتفى به حتى خارج حدود روجآفا كردستانه، منهم من لا يخفي صنيعه هذا، من يتصرف هكذا في وضح النهار دون أي مساءلة. لماذا؟ لأن ذلك يتناسب وذهنية أحزابه الكردية الروجآفاوية وكتجربة لازلتُ أتابع كابوسيتها.
وإذا كان لي من كلمة بصدد كاتبنا جان دوست، وبوعي متحرر من كل قطيعية، وفي هذا الوقت حيث فقدت الأحزاب الكردية سياجها الشائك الذي كانت تحبس شعبها وهو في تحويله قطيعياً داخلها، بتأثير من مناقب العولمة والسوشيال الميديا وهذه الوسائط الالكترونية، فمن السهل علي أن أشير إلى نقطة أعتبرها محورية بهذا الشأن، وهي أن جان دوست الكاتب الكردي المعروف ليس بفضيلة تحزبية كردية، سواها، إنما باجتهاده الخاص، مهما جرى تقويمه سلباً، سوى أنه يبقى كاتباً وله حضوره، شاء إبراهيم محمود أو أبى مثلاً. ويبقى نقده الفعلي حيث الربط بين كتاباته التي لا تغفَل خاصيتها التاريخية وقدرته الملموسة على استنطاقها بقالب روائي هنا، وما هو عليه، يبقى ذلك ممكناً، وأكرر: دون أن يعني ذلك طي صفحة اسمه الذي يُعرَف به أدبياً، وهو جانب دوست.. هكذا هي نظرتي للكثير من كتابنا الكرد، حيث يصعب علي التعامل معهم في سلوكهم الارتزاقي، واليومي البائس، وبنسب متباينة، ولكنهم كتّاب، ولهم حضورهم، ويمكن الإصغاء إلى صوتهم الأدبي شاء إبراهيم محمود أو أبى هنا كذلك، هل لديهم الجرأة ليعترفوا بمثل ما تقدَّم؟ يا ويلهم من ليلهم!
أعني بذلك أنه لا ينبغي توصيف أي كان بعلامة فارقة من نوع” يا أسود، يا أبيض ” ولا برزخ بينهما، في كل منا ما يمكن النظر فيه للتواصل معه، إن أردنا حياة!
ولكم كررتُ وأشرت، هنا، حيث أقيم في إقليم كردستان العراق، وربما في وضع سيء جداً معاشياً، جرّاء استقلالية مما ذكرت، ولكنني لم أقصّر، تبعاً لما كتبت ونشرتُ، في التعبير عما يخصني كردياً ومنتمياً إلى شعب كردي وجغرافية كردستانية، وبطريقتي الخاصة، ذكرت في العديد من المناسبات هنا، وفي لقاءات متلفزة، رغم قلتها، وهي كردية، أنه يستحيل بناء أو تكوين مجتمع يستحق الحياة، ويُنظر إليه على أنه مجتمع مفتوح، دون وجود فئة من المثقفين الذين يتميزون بأفقهم الفكري والإبداعي البعيد المدى دون أي وصاية سياسية من أي جهة كانت، حزبية أو غيرها كذلك، وأرى أن الكرد في مجملهم كشعب، جرّاء هذه التربية القطيعية، يفتقرون إلى مثل هذه العلامة، وربما في ومن هذه النقطة، يعايَنون كثيراً من انقساماتهم وغواية المناصب والكراسي فيهم، وفيما بينهم وسماسرة اللعبة في الوسط، صحبة خُطب إنشائية، رفقة هتافات وشعارات، تزيد طينة واقعهم بلة.
أقول ذلك بأعلى صوتي وأنا في هذا المكان، وفي هذا الموقع، ومن الشعور الواعي ، كما أرني ، بمسئوليتي عما أقول وأكتب، وأنا في عمري السبعيني وما كتبته ونشرته في بقاع الأرض هنا وهناك وبؤس المردود رغم جلاء المجهود، وصمت المعنيين المشهود، إن جاز التعبير. وبي تخوّف من الجاري وأبعد أبعد، وليس على نفسي، جرّاء ما ذكرت، وآمل أن يقرأ هذا المنشور من له صلة مباشرة ممن يُعتبرون من أوْلي أمر الكرد، وليس من يديرون آلة التخوين وبها يجري التفريق بين هذا وذاك، تبعاً لنوعية المحسوبية أو دونها في نطاق جغرافية الكرد وجارجها .
دهوك 20-8-2026 ، الساعة الثامنة مساء