من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ (1/8)

د. محمود عباس

كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟

اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا

السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟

فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما كان ممكنًا ولم يتحقق، مصانع لم تُبنَ، ومدن لم تتطور، وجامعات لم تتحول إلى مراكز عالمية، وثروات بقيت تحت الأرض، وعقول هاجرت، ونساء متعلمات لم يدخلن سوق العمل كما كان يمكن، وموانئ كان يمكن أن تصبح عقدًا للتجارة العالمية، ومدن تاريخية كان يمكن أن تستقبل عشرات الملايين من السياح.

ولا أقصد هنا الدفاع عن نظام الشاه الدكتاتوري أو الافتراض أن إيران كانت ستتحول تلقائيًا إلى ديمقراطية مزدهرة بمجرد عدم قيام الجمهورية الإسلامية. لذلك سأضع افتراضًا أكثر تحفظًا، ماذا لو تحولت إيران بعد أواخر السبعينيات إلى دولة تنموية طبيعية، غير عقائدية، لا تجعل تصدير الثورة والصراع الدائم مع الخارج جزءًا من شرعيتها، وتستثمر مواردها في الإنسان والاقتصاد والبنية التحتية؟

عندها تتغير الصورة جذريًا.

في عام 1978، بلغ الناتج المحلي الإيراني نحو 78 مليار دولار، وكان عدد السكان قرابة 37.1 مليون نسمة، أي ما يعادل نحو 2100 دولار للفرد بالأسعار الجارية آنذاك. وفي السنة نفسها كان اقتصاد كوريا الجنوبية نحو 52.8 مليار دولار وعدد سكانها قريبًا جدًا من إيران، بنحو 37 مليونًا، أي إن دخل الفرد الكوري كان قرابة 1430 دولارًا فقط. بمعنى أن الإيراني، عند نقطة الانطلاق عشية الثورة، كان من حيث الناتج الاسمي للفرد في وضع أفضل من الكوري الجنوبي.

لكن انظر إلى النتيجة بعد نحو نصف قرن، وصل دخل الفرد في كوريا الجنوبية عام 2025 إلى نحو 36,227 دولارًا، بينما بلغ في إيران نحو 3,924 دولارًا وفق البنك الدولي. أما تركيا، التي كان نصيب الفرد فيها سنة 1978 نحو 1,510 دولارات، فقد وصل إلى نحو 18,599 دولارًا في 2025. والمقارنة بالدولار الاسمي ليست مقياسًا مثاليًا بسبب تغير أسعار الصرف والتضخم، لكنها تكشف حجم التباعد في المسارات الاقتصادية بصورة يصعب تجاهلها.

وهنا تبدأ المفاجأة الحقيقية.

إذا طبقنا على إيران، على سبيل المقارنة الحسابية فقط، معدل المضاعفة الذي حققته تركيا منذ 1978، لكان نصيب الفرد الإيراني اليوم في حدود 26 ألف دولار. وإذا سلكت مسارًا قريبًا من كوريا الجنوبية، فإن الرقم النظري يتجاوز 53 ألف دولار.

ولا أعتقد أن من المنهجي أن نزعم أن إيران كانت ستصبح كوريا أخرى بالتأكيد. لذلك فإن تقديري الأكثر تحفظًا يضع إيران الطبيعية والمنفتحة اقتصاديًا اليوم في نطاق 25 إلى 40 ألف دولار للفرد سنويًا. وبعدد سكان قريب من التسعين مليونًا، نتحدث عن اقتصاد كان يمكن أن يتراوح حجمه بين نحو 2.3 و3.7 تريليون دولار، بدل نحو 363 مليار دولار المسجلة في بيانات البنك الدولي لعام 2025.

أي أننا لا نتحدث عن خسارة بضع نقاط نمو، بل ربما عن اقتصاد يقل حجمه الحالي عدة مرات عما كان يمكن أن يكون عليه.

وهذه ليست مجرد لعبة أرقام. دراسة اقتصادية حديثة استخدمت نماذج «المسار المقابل» لإيران وجدت أن مرحلة المواجهة المستمرة مع الغرب ارتبطت بخسائر كبيرة ومستمرة في الناتج الحقيقي، والاستثمار الأجنبي والتجارة والصادرات غير النفطية. ودراسة أخرى قدّرت أن غياب العقوبات كان يمكن أن يرفع متوسط النمو الإيراني إلى حدود 4–5% بدلًا من نحو 3%.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

3/8/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…

شكري بكر بداية لا بد أن نتساءل : إلى أي مدى يمكن أن تدوم أزمة الحركة السياسية الكوردية في سوريا ، ألا يحين المراجعة الذاتية؟. المتتبع لأزمة الحركة السياسية الكوردية يرى بأنها ذات أزمة داخلية لا خارجية . إنه لأمر طبيعي أن تُحمِل الحركة الكوردية النظم المتعاقبة على السلطة في سوريا مسؤولية ما آلت إليه القضية الكوردية وإدامتها لعقود طويلة…

د. عدنان بوزان في هذا الشرق المرهق من التاريخ، لا تزال هناك مفارقة سياسية وثقافية صارخة: يطلب منك أن تتخلى عن قوميتك باسم المواطنة، بينما يتمسك الآخر بقوميته ويفتخر بجذوره؛ ويطلب منك أن تنسى لغتك باسم الوحدة، بينما تحمى لغات الآخرين، وتدرس، وترفع في المؤسسات؛ ويطلب منك أن تتخلى عن تاريخك باسم التعايش، بينما يعاد إنتاج تاريخ الآخرين وتقديمه…