حين تصبح القومية تهمة

د. عدنان بوزان

في هذا الشرق المرهق من التاريخ، لا تزال هناك مفارقة سياسية وثقافية صارخة: يطلب منك أن تتخلى عن قوميتك باسم المواطنة، بينما يتمسك الآخر بقوميته ويفتخر بجذوره؛ ويطلب منك أن تنسى لغتك باسم الوحدة، بينما تحمى لغات الآخرين، وتدرس، وترفع في المؤسسات؛ ويطلب منك أن تتخلى عن تاريخك باسم التعايش، بينما يعاد إنتاج تاريخ الآخرين وتقديمه بوصفه أساساً للهوية والدولة.

والأكثر غرابة أن الأمر لا يتوقف عند القومية واللغة والتاريخ، بل يمتد أحياناً إلى الدين نفسه. قد يكون دينك ودينهم واحداً، ومذهبك ومذهبهم واحداً، ومع ذلك يتحول الدين، في الخطاب السياسي والاجتماعي، إلى هوية مرتبطة بأسمائهم وقوميتهم، وكأن الإيمان نفسه أصبح ملكيةً قومية، لا حقاً مشتركاً لجميع المؤمنين به. فإذا تحدثت باسم دينك، قيل لك: لا تتحدث باسم الدين؛ لأن الدين، في منطقهم، قد حجز مسبقاً تحت اسمهم وهويتهم.

فأي مواطنة هذه التي يطلب فيها من الإنسان أن يتخلى عن قوميته ولغته وتاريخه، ثم يمنع حتى من امتلاك حق التعبير عن انتمائه الديني؟ وأي مساواة تلك التي تجعلك مواطناً عندما يتعلق الأمر بالواجبات، وغريباً عندما يتعلق الأمر بالحقوق، و«عبداً» سياسياً عندما تطالب بأن تكون لك هوية وذاكرة ولغة ووطن؟

حين يسمح لقومية بأن تقول: هذه لغتي، وهذا تاريخي، وهذه دولتي، وهذا اسمي؛ ثم يقال لقومية أخرى: اخفِ لغتك، وانسَ تاريخك، ولا تذكر اسم وطنك، ولا ترفع صوتك بهويتك؛ فنحن لا نكون أمام مواطنة متساوية، بل أمام نظام من الازدواجية القومية والثقافية.

المشكلة ليست دائماً في الآخر وحده؛ فالمشكلة أيضاً تكمن في أولئك الذين، من داخل قوميتنا، يبررون هذه الازدواجية، ويصفقون لها، ويحولون التنازل عن الحقوق إلى «واقعية سياسية»، والتخلي عن الهوية إلى «انفتاح»، والصمت أمام الإلغاء إلى «حكمة». هؤلاء لا يدافعون عن التعايش، بل يساهمون، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، في تكريس ميزان غير عادل: طرف يحق له أن يكون نفسه، وطرف يطلب منه أن يكون نسخةً من غيره.

التعايش الحقيقي لا يعني أن يتخلى أحد عن هويته كي يشعر الآخر بالأمان؛ بل يعني أن يكون الجميع متساوين في الحق في اللغة والتاريخ والثقافة والاسم والذاكرة والانتماء. والوطن الحقيقي ليس الذي يطلب من مواطنيه أن ينسوا أنفسهم، بل الذي يحمي حقهم في أن يكونوا أنفسهم.

إن القضية الكوردية، في جوهرها، ليست قضية كراهية لقومية أخرى، ولا دعوة إلى إلغاء أحد؛ إنها قضية رفض للإلغاء. فالكوردي لا يحتاج إلى إذن كي يكون كوردياً، ولا يحتاج إلى اعتذار كي يتحدث لغته، ولا إلى شهادة من أحد كي يعتز بتاريخه وثقافته.

والأخطر من ظلم الآخرين أن يتحول بعض أبناء القضية إلى حراس لهذا الظلم؛ يصفقون وفق مصالحهم، ويبدلون مواقفهم وفق حساباتهم، ويهاجمون من يتمسك بهويته أكثر مما يواجهون من ينكرها.

لقد دفعت الشعوب ثمن الخوف طويلاً. وويلٌ لشعب يفقد القدرة على الدفاع عن ذاكرته، ثم يطالب العالم باحترامه. وويلٌ لشعب يصبح بعض أبنائه أكثر خوفاً على مشاعر الآخرين من خوفهم على كرامة شعبهم.

لا أحد يطلب من الكورد أن يكرهوا أحداً؛ المطلوب فقط ألا يكرهوا أنفسهم، وألا يسمحوا لأحد بأن يجعل القومية تهمة، واللغة جريمة، والتاريخ عبئاً، والوطن كلمةً ممنوعة.

فالكرامة لا تعني أن تكون أعلى من الآخرين، بل أن ترفض أن تكون أدنى منهم.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…

شكري بكر بداية لا بد أن نتساءل : إلى أي مدى يمكن أن تدوم أزمة الحركة السياسية الكوردية في سوريا ، ألا يحين المراجعة الذاتية؟. المتتبع لأزمة الحركة السياسية الكوردية يرى بأنها ذات أزمة داخلية لا خارجية . إنه لأمر طبيعي أن تُحمِل الحركة الكوردية النظم المتعاقبة على السلطة في سوريا مسؤولية ما آلت إليه القضية الكوردية وإدامتها لعقود طويلة…

النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود   *حميد بوزأرسلان مدير الدراسات في كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) ندوة دراسية حول الكُرْد سيدي الرئيس، سيداتي وسادتي، يسعدني جدًا أن أكون معكم اليوم لمناقشة القضية الكردية. في البداية، تساءلتُ عما إذا كان عليّ تقديم لمحة تاريخية شاملة تغطي القرن العشرين بأكمله، أم التركيز أكثر على السنوات الأخيرة.   في النهاية، قررتُ…

اكرم حسين لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق واستقباله من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب لقطة بروتوكولية عابرة، ولا حدثاً يُختزل في حدود العلاقات الثنائية بين دمشق وأربيل. فقد حمل المشهد دلالات سياسية عميقة تتجاوز أبعاد الزيارة ذاتها، خصوصاً مع طبيعة الاستقبال الرسمي ورفع علم كردستان إلى جانب العلم السوري؛…