اكرم حسين
لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق واستقباله من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب لقطة بروتوكولية عابرة، ولا حدثاً يُختزل في حدود العلاقات الثنائية بين دمشق وأربيل. فقد حمل المشهد دلالات سياسية عميقة تتجاوز أبعاد الزيارة ذاتها، خصوصاً مع طبيعة الاستقبال الرسمي ورفع علم كردستان إلى جانب العلم السوري؛ وهي رمزية سياسية لم تكن ممكنة للظهور في الفضاء العام السوري طوال عقود من الإنكار والتهميش والتعاطي الأمني.
لا يعني هذا المشهد بالضرورة أن دمشق تتجه لتبني التجربة الفيدرالية لإقليم كردستان العراق أو أنها بصدد نسخ نسق دولتي آخر، فلكل من سوريا والعراق سياقاتهما التاريخية والدستورية والسياسية الخاصة بهما. لكن التحول الحقيقي يكمن في تغيّر زاوية النظر إلى القضية الكردية وإلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الكرد في معادلة سوريا الجديدة. فللمرة الأولى منذ عقود، تنتقل القضية الكردية تدريجياً من خانة “الملف الأمني” المُدار بلغة المنع والسيطرة، إلى موقع “القضية السياسية” المطروحة على طاولة النقاش حول صياغة مستقبل الدولة.
ان هذا التحول لا يمكن فصله عن الانزياحات الإقليمية والدولية المحيطة بالبلاد. فالدولة السورية الخارجة من أتون حرب طويلة تحتاج إلى إعادة تشكيل علاقاتها الإقليمية وصياغة توازنات جديدة في ملفات الأمن، والحدود، والاقتصاد، وإعادة الإعمار. وفي هذا السياق، يبرز إقليم كردستان العراق كفاعل إقليمي نظراً لموقعه الجيوسياسي، وشبكة علاقاته الدولية، وتشابكه المباشر مع ملفات المنطقة الكردية في سوريا . من هنا، يأتي انفتاح دمشق على أربيل كخطوة تفرضها الحسابات الواقعية للمرحلة الجديدة . خاصة وأن أربيل تمتلك مصلحة حقيقية في استقرار سوريا والحفاظ على وحدتها، والوصول إلى صيغة سياسية تضمن حقوق جميع المكونات وتنهي النزاع المسلح.
اذاً ، تتقاطع المصالح بين دمشق وأربيل، لكن الأهم هو أن هذا التقاطع يخلق مساحة سياسية جديدة يترتب على الكرد السوريين استثمارها وتأطيرها ضمن رؤية تفاوضية متكاملة ، وهنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا سيفعل الكرد بهذه اللحظة؟ هل يكتفون بالاحتفاء بالرمزية الإعلامية، أم ينتقلون إلى الفعل السياسي المنظم؟
إن الزيارة لا تمنح حقوقاً جاهزة، ولا تحسم بحد ذاتها مستقبل القضية الكردية، فالحقوق تُنتزع وتُثبت عبر الدستور والتفاوض والمؤسسات. لكنها كشفت عن تبدّل الظروف المعطاة، وهو ما يجب البناء عليه. المطلوب اليوم من المجلس الوطني الكردي وسائر القوى السياسية أن تتجاوز الذهنية الاستعراضية، وأن تجعل من هذه الزيارة مدخلاً لإعادة بناء خطاب سياسي عقلاني أكثر وضوحاً؛ يضع الحقوق الكردية في قلب مشروع بناء “سوريا الجديدة”.
وتتحدد معالم هذا المشروع في نقاط استراتيجية رئيسية:
• الاعتراف الدستوري عبرالانتقال من المراسيم والخطابات الشفهية والسياسية إلى نص دستوري صريح يعترف بالكرد كمكون أصيل من مكونات الشعب السوري، ويضمن حقوقهم اللغوية والثقافية والسياسية، ويزيل آثار التمييز التاريخي.
• الشراكة الوطنية الفعلية وتجاوز مفهوم التمثيل الرمزي (وجود شخصيات في مناصب صورية) إلى الشراكة الحقيقية في صنع القرار، وهذا لا يعني المحاصصة الطائفية أو القومية، بل ان تتجسد الشراكة في دولة مواطنة متساوية يرى فيها الجميع أنفسهم ممثَّلين ومحميين.
• اللامركزية كخيار استقراري عبر نوع من اللامركزية -الإدارية اوالسياسية- ضمن الحوار الوطني العام، وكآلية لتفكيك المركزية الشديدة التي كانت سبباً في الأزمات السورية، ولتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها تحت مظلة دولة سورية واحدة وذات سيادة.
• بناء الشرعية الوطنية عبر طرح الحقوق الكردية كجزء من مشروع وطني سوري شامل، يرتكز على المواطنة، وسيادة القانون، والحكم الرشيد، بدلاً من تقديمها كمشروع معزول عن الوطنية السورية العامة.
في هذا المسار، تشكل العلاقة مع إقليم كردستان العراق مصدر دعم وسياسة وخبرة تراكمية، لكنها يجب ألا تحل محل العمل السياسي والوطني في الداخل السوري. فالتجربة الكردستانية العراقية يُستفاد منها ولا تُنسخ بحذافيرها، لاختلاف الطبيعة والتوازنات بين البلدين.
يبقى التحدي الأكبر والأخطر ممثلاً في الانقسام الكردي الداخلي. حيث ينبغي التوافق على حد أدنى من الثوابت والأهداف الاستراتيجية.
إن صورة العلمين السوري والكردستاني في قصر الشعب هي لحظة تاريخية مهمة، لكن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بالصور، بل بتحويل هذه اللحظة إلى نصوص دستورية، وقوانين ضامنة، ومشاركة فعلية، وإدارة محلية كفؤة، وإرث مقطوع مع التمييز.
لقد تغيرت قواعد اللعبة في سوريا، وأضحت القضية الكردية جزءاً من النقاش المفتوح حول هوية الدولة ومستقبلها. فالتاريخ لا يمنح الفرص نفسها مرتين؛ والمسؤولية تقع الآن على عاتق القوى السياسية الكردية لتقديم مشروع سياسي ناضج يتجاوز الشعارات العاطفية، ويجمع بين الحقوق القومية المشروعة والانتماء الوطني الشامل، كي يكون الكرد شركاء حقيقيين في بناء سوريا المستقرة لكل أبنائها.