كوردستان هي الحل الذي يخشاه الشرق الأوسط (2/2)

د. محمود عباس

المشكلة ليست في قيام كوردستان، بل في استمرار إنكارها

عن أي استقرار يتحدثون عندما يحذرون من قيام كوردستان؟

الشرق الأوسط خلال القرن الماضي لم يكن نموذجًا للاستقرار حتى نخشى أن تأتي كوردستان لتفسده. كان مسرحًا للانقلابات، والدكتاتوريات، والحروب الأهلية، والمجازر، والإبادات، والتطهير الديمغرافي، والإرهاب الديني والقومي، والتدخلات الخارجية، وانهيار الدول والمجتمعات.

ولهذا ربما حان الوقت لقلب السؤال كله:

ماذا لو لم تكن كوردستان مشكلة الشرق الأوسط، بل كان إنكار كوردستان أحد أسباب مشكلاته المزمنة؟

الحدود التي رسمتها القوى الكبرى صنعت دولًا، لكنها لم تنجح دائمًا في صناعة أوطان. وضعت شعوبًا متباينة داخل خرائط واحدة، ثم سلمت السلطة في كثير منها إلى أنظمة مركزية اعتبرت الوحدة مرادفًا للإخضاع، والمواطنة مرادفًا للذوبان، والاختلاف خطرًا أمنيًا ينبغي سحقه.

وكان الكورد من أكثر من دفع ثمن هذه المعادلة.

فلماذا يصبح استمرارها «حكمة سياسية»، بينما يصبح التفكير في تغييرها «مغامرة»؟

كوردستان الحرة ليست بالضرورة مشروع تفكيك للشرق الأوسط؛ قد تكون مشروعًا لإعادة بنائه على قاعدة أكثر عدالة واستقرارًا.

فدولة كوردستان ديمقراطية ومستقرة في قلب المنطقة يمكن أن تصبح عنصر توازن بين تركيا وإيران والعالم العربي، وجسرًا بين مصالح متعارضة، وحاجزًا أمام تمدد التطرف القومي والديني، وشريكًا طبيعيًا للقوى الدولية التي دفعت أثمان أزمات المنطقة مرارًا.

والتاريخ القريب قدّم اختبارًا واضحًا.

عندما تمدد داعش وانهارت جيوش ومدن أمامه، لم يكن الكورد عبئًا على العالم. كانوا من أكثر القوى التي وقفت في وجه التنظيم وقدّمت آلاف الضحايا في معركة لم تكن دفاعًا عن مدنهم وحدها، بل عن المنطقة والعالم.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

كيف يُطلب من شعب أن يقاتل الإرهاب دفاعًا عن العالم، ثم يُقال له إن امتلاكه دولة يشكل خطرًا على العالم؟

إن شعبًا أثبت قدرته على التنظيم والإدارة والدفاع وبناء المؤسسات لا ينبغي أن يبقى إلى الأبد رهينة حدود رسمها آخرون.

ولا يعني ذلك أن على الحراك الكوردستاني غدًا أن يهدم كل الصيغ السياسية القائمة. السياسة ليست أمنيات. قد تفرض الظروف الفيدرالية هنا، والحكم الذاتي هناك، والشراكة في دولة مشتركة في مكان آخر.

لكن قبول مرحلة سياسية شيء، وتحويلها إلى نهاية التاريخ شيء آخر.

من حق الحراك الكوردستاني أن يقول بوضوح:

نقبل بما تسمح به موازين القوى اليوم، لكننا لا نتنازل عن حق شعبنا في تقرير مصيره غدًا.

ومن حق الطفل الذي تعلم كلمة كوردستان في بيت أبيه ألا يُطلب منه عندما يكبر أن يتعامل معها كخطيئة سياسية.

ومن حق الشاب الكوردي ألا يعيش ممزقًا بين وطن يملأ ذاكرته ووطن رسمي يطلب منه أن ينكر الأول كي يقبله الثاني.

ومن حق شعب كامل أن تكون له دولة تتحدث بلغته، ودستور يكتبه بإرادته، وبرلمان ينتخبه، وحكومة يحاسبها، ومعارضة يحميها القانون، وأرض لا يقرر الآخرون مصيرها نيابة عنه.

وليس في ذلك عداء للعرب أو الترك أو الفرس.

ربما يكون السلام الحقيقي معهم ممكنًا فقط عندما تنتهي علاقة السيد والتابع وتبدأ علاقة الشعوب الحرة المتجاورة.

فالسلام لا يصنعه إجبار شعب على نسيان اسمه، ولا تصنعه حدود تحتاج إلى الجيوش والمخابرات حتى تبقى “مقدسة”.

السلام الحقيقي يبدأ عندما لا يحتاج شعب إلى إنكار شعب آخر كي يحافظ على دولته.

لقد جرّب الشرق الأوسط خلال قرن كامل القمع والمركزية والإنكار القومي والتعريب والتتريك والتفريس والتهجير والدكتاتوريات العسكرية والإسلام السياسي والقومية المتطرفة.

والنتيجة أمام العالم.

ربما حان الوقت لتجربة شيء لم يُجرّب بعد:

العدالة.

أن يُعاد النظر في القضية الكوردستانية لا بوصفها مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها، بل قضية شعب ينبغي حلها.

وأن يُنظر إلى قيام كوردستان، عندما تسمح الظروف وإرادة شعبها، لا باعتباره ولادة أزمة جديدة، بل ربما نهاية أزمة عمرها قرن.

ولهذا ينبغي أن يتوقف الحراك الكوردستاني عن الخوف من لغته الحقيقية.

لا تخجلوا من اسم وطنكم.

لا تجعلوا التكتيك بديلًا عن الهدف.

ولا تضعوا كوردستان في العتمة كي يطمئن من يخشى ظهورها إلى النور.

تفاوضوا، وابنوا التحالفات، واقبلوا الحلول المرحلية حين تفرضها الضرورة، لكن لا تسمحوا للواقعية السياسية أن تتحول إلى ثقافة تُنسي الطفل الكوردي ما قالته له أمه في أول أيام حياته.

ذلك الطفل ليس مطلوبًا منه عندما يكبر أن يعتذر لأنه ما زال يؤمن بكوردستان.

من حقه أن يقول:

أنا كوردي، ووطني كوردستان.

ومن حق الحراك الكوردستاني أن يقول للعالم الحقيقة نفسها:

هذه الأرض اسمها كوردستان، وهذا الشعب له الحق أن يكون سيدًا على أرضه.

أما خصوم الكورد، فعليهم أن يسمعوا حقيقة قد لا يحبونها:

كوردستان لن تختفي لأنكم ترفضون اسمها، والحلم الكوردستاني لن يموت لأن السياسة أجبرته عقودًا على الاختباء.

فالأوطان التي تعيش في ذاكرة عشرات الملايين لا تمحوها الحدود، ولا المراسيم، ولا المناهج، ولا حملات الإعلام.

والسؤال الذي يجب أن يطرحه العالم لم يعد:

كيف نمنع قيام كوردستان؟

بل:

كيف يمكن لكوردستان حرة وديمقراطية أن تصبح أحد مفاتيح السلام والاستقرار ومواجهة الإرهاب في شرق أوسط استُنزف قرنًا كاملًا في محاولات منعها من الوجود؟

كوردستان وطن، وليست تهمة.

كوردستان ليست الخطر.

الخطر الحقيقي هو الإصرار على إبقائها مقسمة، وشعبها موزعًا بين دول لا تزال تخشى حتى من اسمه.

وربما تكون المفارقة التي سيكتشفها العالم متأخرًا أن الدولة التي خشي قيامها طويلًا، كانت واحدة من الدول التي احتاجها الشرق الأوسط كي يبدأ بالخروج من دوامة الدم والفوضى.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/8/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شـــــريف علي الاستهداف الإيراني للقيادة السياسية والأمنية في إقليم كردستان ليس هو الاول ،فبعد عام 2003، اتسمت علاقة إيران بالقيادة الكوردية بطابع مزدوج: تعاون اقتصادي وسياسي من جهة، وتوجس أمني من جهة أخرى، خصوصًا مع تنامي دور أربيل في التنسيق مع الولايات المتحدة. ومع توسع النفوذ الإيراني في بغداد، أصبحت أربيل تمثل نقطة توازن مضادة داخل المشهد العراقي. خاصة وانه…

صديق ملا كانت الساحة الكردية في تركيا مسرحاً لصراع طويل بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية؛ هذا الصراع الذي كلّف الخزينة التركية مليارات الدولارات والآلاف من القتلى والجرحى بين الطرفين المتصارعين وتدمير أكثر من ستمائة قرية كردية على جانبي الحدود التركية _ العراقية والذي لم ينجح حتى هذه اللحظة لإيجاد حلول موضوعية للقضية الكردية في كردستان تركيا عن طريق الكفاح…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني يمر المجتمع الإيراني بمرحلة بالغة الحساسية والتعقيد، تتداخل فيها أزمات المعيشة الطاحنة مع تدهور الأمن النفسي والاجتماعي. فبينما يكتوي المواطنون بنار الجوع والفقر والبطالة، يلجأ نظام ولاية الفقيه إلى توسيع نطاق الحرب والتهديدات الإقليمية من جهة، وتصعيد موجات الإعدام والقمع الداخلي من جهة أخرى. ولم يعد هذا السلوك مجرد رد فعل…

ماهين شيخاني تمهيد: لماذا تنتصر بعض الأقليات سياسياً؟ في الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الشعوب دائماً بعدد السكان، ولا باتساع الجغرافيا، ولا حتى بعمق التاريخ. فهذه المنطقة تحكمها معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ تتداخل الجغرافيا مع المصالح الدولية، وتصبح القوة السياسية رهناً بقدرة أي شعب على بناء شبكة من التحالفات والاستناد إلى مؤسسات فاعلة، لا بمجرد عدده أو عدالة قضيته. ومن…