خالد السينو
أكتب هذه السطور من خارج حزب يكيتي الكوردستاني، بلا انحياز لأي من طرفي الخلاف، لكن أيضا بلا حياد المتفرج. فمن خلال تجربة سياسية وتنظيمية عشتها داخل حزب كردي آخر، أعرف كيف تبدأ الخلافات التنظيمية صغيرة، ثم تتحول تدريجيا إلى صراع على الشرعية، لتنتهي بانقسام يحمل فيه كل طرف نسخته من النظام الداخلي ووثائقه وحججه التي «تثبت» أنه كان على حق.
ولهذا فإن ما يجري اليوم في يكيتي يعني كل من يهتم بمستقبل الحركة السياسية الكردية، لا باعتباره شأنا داخليا لحزب واحد فحسب، بل لأنه يعيد طرح سؤال أوسع: هل نتعلم من تجارب الانشقاق السابقة، أم نعيد إنتاجها بالأسماء والحجج ذاتها؟
الواضح أن الخلاف تجاوز حدود مادة تنظيمية أو موعد مؤتمر، وصار خلافا حول الشرعية نفسها..
من يملك حق القرار؟
ومن يضع قواعد المؤتمر؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية .. فكل طرف قادر على تقديم نصوص ووثائق وأرقام تسند موقفه، وإذا بقي الطرفان أسيري هذه الدائرة المغلقة فسيتحول النظام الداخلي من مرجعية تجمعهما إلى سلاح يستخدمه كل منهما ضد الآخر.
وقد رأينا هذا المشهد مرارا في الأحزاب الكردية وربما داخل يكيتي نفسه فيما سبق .. طرف يقول «نحن مع النظام الداخلي»، والآخر يردد العبارة نفسها .. طرف يحتج بالأغلبية، والآخر بالنصاب .. طرف يتحدث عن الشرعية، والآخر عن خرقها. ثم يأتي الانشقاق، فيصبح لكل طرف نظامه الداخلي وروايته وشرعيته الخاصة.
فالمشكلة ليست فقط في تحديد من يملك الحق، بل في كيفية منع الخلاف من الوصول إلى نقطة يغدو فيها الانشقاق المخرج الوحيد المتاح.
المطلوب اليوم ليس أن يتنازل أي طرف عن قناعته، بل أن يتنازل عن استخدام هذه القناعة بطريقة تهدد بقاء الحزب.
فالطرف الذي يملك الأغلبية يستطيع أن يتصرف بمسؤولية من يملكها، لا بمنطق فرض الأمر الواقع. والطرف الذي يرى أن النظام الداخلي قد خُرق يستطيع أن يتمسك بحقه، من دون أن يحول المقاطعة إلى أداة لتعطيل الحزب إلى أجل غير معلوم.
بمعنى آخر.. لا ينبغي أن يُطلب من أحد الطرفين الاعتراف بأنه المخطئ، بل أن يقبل الطرفان معا بأن إنقاذ الحزب أهم من الانتصار في هذه الجولة بعينها.
يمكن أن يبدأ الحل من اتفاق بسيط: تجميد القرارات الخلافية التي يمكن أن تؤثر في نتيجة المؤتمر، وتشكيل لجنة مصالحة مقبولة من الطرفين، مهمتها الاستماع إلى وجهتي النظر، وتحديد نقاط الخلاف التنظيمية بدقة، واقتراح صيغة متوافق عليها لعقد المؤتمر وآليات التمثيل فيه.
ولا حاجة لأن تكون هذه اللجنة كبيرة أو ذات صلاحيات مفتوحة، مهمتها محددة .. إخراج الحزب من أزمته، لا إعادة توزيع موازين القوى داخله.
وفي هذا السياق يمكن أن يُطرح اسم السيد حسن صالح لرئاسة اللجنة أو عضويتها، إلى جانب شخصيات أخرى يتوافق عليها الطرفان.
لا أطرح اسمه باعتباره شخصية بلا تاريخ أو خلافات حزبية .. فالحياد المطلق في الحياة الحزبية شبه مستحيل. لكنه يعرف يكيتي من الداخل، ويعرف تاريخه وشخصياته، وعايش خلافاته وانقساماته السابقة. وإذا استطاع الطرفان القبول به، مع آخرين، وسيطا في هذه المرحلة، فقد يكون ذلك بحد ذاته مؤشرا على استعداد حقيقي للتسوية.
لكن نجاح أي لجنة لن يتوقف على أعضائها بقدر ما سيتوقف على التزام الطرفين مسبقا بما يُتفق عليه.
المؤتمر القادم، أيا كانت صيغته يجب ألا يكون مؤتمرا لتصفية الحسابات أو إقصاء تيار، بل مؤتمرا لإنهاء الأزمة وإعادة بناء المؤسسة، والتأكيد بوضوح على أن يكيتي حزب ومؤسسات، وليس هالة تدور حول الأشخاص.. فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسة فيجب أن تبقى .. لهذا من يفوز لا ينبغي أن يتعامل مع فوزه باعتباره تفويضا لإقصاء الآخرين.
لأننا إن عقدنا مؤتمرا ينتهي بفوز طرف وخروج الآخر، فلن نكون قد حللنا المشكلة، بل أجلنا الانشقاق إلى ما بعد المؤتمر فحسب.
الحركة السياسية الكردية السورية دفعت ثمنا باهظا من كثرة الانقسامات. وفي كل مرة كان هناك مبرر مختلف، لكن النتيجة كانت غالبا واحدة. تنظيم جديد، قيادة جديدة، بيانات متبادلة، وكل طرف يؤكد أنه صاحب الشرعية الوحيد.
ولا أظن أن يكيتي بحاجة اليوم إلى انشقاق جديد يضاف إلى هذا السجل الطويل .. وعليه ..
هل يستطيع كل طرف أن يقدم تنازلا لمصلحة الحزب، كما يطالب الطرف الآخر بالتنازل؟
التنازل هو الفرصة الحقيقية للخروج من الأزمة.
أما إن بقي كل طرف مقتنعا بأن الحل هو أن يتراجع الآخر أولا، ويعترف الآخر أولا، ويقبل الآخر بشروطه أولا، فلن تحل المشكلة لا لجنة ولا وساطة ولا مؤتمر.
في السياسة، ليست كل المعارك التي نستطيع خوضها تستحق أن تُخاض حتى النهاية.
وأحيانا لا تكمن شجاعة القيادة في إثبات أنها كانت على حق، بل في معرفة اللحظة التي يجب أن تتنازل فيها عن جزء من حقها كي لا تخسر المؤسسة كلها.
يكيتي اليوم أمام هذا الاختبار بالذات …
إما أن تكون هذه الأزمة مقدمة لانقسام جديد، أو أن تتحول إلى تجربة مختلفة تثبت أن الخلاف داخل الحزب يمكن أن ينتهي بتسوية لا بانشقاق.
وهذا في النهاية، ليس مصلحة يكيتي وحده، بل مصلحة الحركة السياسية الكردية كلها.