“صيدلية العقول” 

المهندس باسل قس نصر الله

كُتب على باب أول مكتبة مصرية في عهد الفراعنة “هنا طبّ العقول وغذاء النفوس”

وإذا كانت أي دولة تبحث عن طريق للخروج من أزماتها، فإن إعادة بناء الإنسان يجب أن تسبق إعادة بناء الحجر. فالمشكلة السورية مثلاُ ليست في الخراب المادي وحده، بل في ما تركته سنوات الصراع من خوف وانقسام وتعب في العقول والنفوس. ولعل أبلغ ما يقال في هذا المجال:

“ليس هناك إلا ثورة واحدة وهي تنوير العقول وتطهير الطباع”

فالعقل هو نقطة البداية، منه تنطلق الفكرة، ثم تتحول إلى موقف، ثم إلى سلوك. ولذلك فإن مواجهة العنف والتطرف لا تكون أمنية فقط، بل تبدأ من المدرسة والجامعة والكتاب والإعلام والخطاب الديني.

قد قيل:
«الارهاب يستهدف في الأساس احتلال العقول والسيطرة عليها. ولذلك لا بد أن ندقق في اختيار كل ما يسهم في صياغة العقول .. الثقافة .. والفكر الديني .. والاعلام .. والتعليم ..»

وهنا تكمن مسؤولية الدولة السورية – ونحن بحاجة لذلك – في بناء جيل لا يُقاد بالشعارات، ولا يستسلم للتعصب، بل يمتلك القدرة على السؤال والنقد والتمييز بين الحقيقة والوهم.

كما أن الصراع الحقيقي بين الأمم لم يعد صراع جيوش فقط، وإنما صراع معرفة وعقول. ولذلك:
“إن أفضل استثمار في الحياة إنما هو الاستثمار في مناجم العقول، ذلك لأن العقول العارفة والمبدعة هي التي تطور الحياة، وتبصّرنا بمكامن القوة في نفوسنا … والسباق بين الأمم حالياً إنما هو في مجال المعرفة لأن المعرفة قوة”

ومن أخطر ما يمكن أن تفعله دولة أن تهمل عقولها أو تخيف أصحاب الرأي والخبرة، لأن الوطن الذي يخسر مفكريه وعلماءه يخسر جزءاً من مستقبله.

لذلك فإن «صيدلية العقول» في سورية ليست مشروعاً ثقافياً هامشياً، بل ضرورة وطنية: أن نعيد للإنسان ثقته بعقله، وللمثقف حريته، وللعلم مكانته، وللحوار قيمته.
وصدق القول، قبل أن نفتش عن أسباب الخراب في كل مكان، أن نتذكر الحكمة الأشد دلالة:

«لا تبحث عن الالغام – في الحقول – بل في العقول الضيقة»

فالعقول المستنيرة تبني وطناً، والعقول الضيقة تستطيع أن تهدمه.

اللهم اشهد بأني بلّغت

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حمدو يوسف تثير الدعوة التي أطلقها المركز الكوردي في بامبرغ للتظاهر في ألمانيا دعماً للفيدرالية والحقوق القومية للشعب الكوردي في سوريا سؤالاً جدياً حول الفجوة المتزايدة بين مطالب قطاعات من الشعب الكوردي وبين مواقف بعض الشخصيات التي يفترض أنها تمثله داخل مؤسسات السلطة السورية ومجلس الشعب. ففي الوقت الذي ترفع فيه فعاليات كوردية في الخارج سقف المطالب إلى الفيدرالية، والاعتراف…

د. مرشد اليوسف هل يستطيع الكرد أن يكونوا شركاء في قضيتهم؟ كان الليل قد تقدم، لكن الحوار لم يكن قد وصل إلى نهايته. شعرت أن الرجلين، رغم استمرار الخلاف بينهما، بدآ يكتشفان أن خلف الاتهامات المتبادلة أسئلة أكبر بكثير من الأحزاب والقيادات. قلت لهما: — لنفترض أننا اتفقنا على أن الطرفين ارتكبا أخطاء، وأن تركيا استغلت الانقسام الكردي، وأن القوى…

جوان عصمت سيدا Ciwan Ismet Seyda سبعة وثلاثون عامًا مضت على رحيل والدي ورفيقي عصمت سيدا، وما زالت ذكراه حاضرة في ذاكرتي، كما بقيت سيرته ومواقفه جزءًا من ذاكرة الحركة الوطنية والقومية الكردية في كوردستان سوريا. ينحدر الرفيق عصمت سيدا من عائلة ذات تاريخ وطني وقومي عريق؛ فقد كان عمه الملا عبيد الله ووالده الملا فتح الله من علماء الدين…

المحامي عبدالرحمن محمد الحقوق لا تتجزأ، والإقرار بالحق كاشف له وليس منشئا له. كما أن الاعتراف بالهوية الجامعة للدولة ليس منة من أحد، بل هو حق وواجب ومسؤولية وطنية وسياسية وأخلاقية. تكمن المشكلة الأساسية في ذهنية السلطة الانتقالية المؤقتة في دمشق، وفي نمط التفكير الذي يحكم مقاربتها للقضية الكوردية، ولا سيما عندما يكرر بعض مسؤوليها أن أهلنا وإخوتنا الكورد قد…