ثمانون عاماً من الريادة… الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومسيرة المليون صوت

د. سيامند مزوري / محامي مستشار 
في السادس عشر من آب 1946، تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مرحلة كانت تفتقر فيها الحركة التحررية إلى التنظيم؛ حيث جاء تأسيسه استجابة للحاجة الماسة إلى إطار سياسي قادر على توحيد الجهود، وصياغة المطالب الوطنية، والدفاع عن القضية الكوردية في المحافل المحلية والدولية.
ومن هنا برز الدور التاريخي لـ الملا مصطفى بارزاني في قيادة التأسيس، إيماناً بأن النضال الميداني يتطلب رؤية سياسية ودبلوماسية حديثة. وقد حمل الحزب في بدايته اسم “الحزب الديمقراطي الكوردي”، قبل أن يتحول في مؤتمره الثالث عام 1953 إلى “الحزب الديمقراطي الكوردستاني”، في خطوة رسخت مفهوم كوردستان كإطار جغرافي وسياسي جامع لكافة المكونات القومية والدينية.
على مدى عقود، ربط الحزب بين حل القضية الكوردية وطبيعة النظام السياسي في العراق، وجسد شعاره التاريخي “الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان” إيماناً راسخاً بالتعددية. وكانت ثورة أيلول محطة محورية أثمرت اتفاق 11 آذار 1970، كأول اعتراف رسمي بالحقوق الكوردية، قبل أن تتعثر التفاهمات وتستأنف المواجهة المسلحة.
ورغم نكسة اتفاق الجزائر عام 1975، انطلقت ثورة گولان عام 1976 بقيادة إدريس بارزاني ومسعود بارزاني لإعادة تنظيم الصفوف. وفي عام 1979، تولى الرئيس مسعود بارزاني قيادة الحزب، ليقود المرحلة وصولاً إلى انتفاضة آذار 1991، والتي مهدت الطريق لإجراء أول انتخابات برلمانية عام 1992 وتأسيس مؤسسات إقليم كوردستان.
مع إقرار الدستور العراقي عام 2005، انتقل الإقليم إلى مرحلة الاعتراف الدستوري الاتحادي. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحزب المحرك الأساسي لإدارة الإقليم وحماية حقوقه؛ حيث برز الدور الدبلوماسي لـ نێچیرڤان بارزاني، بينما يقود مسرور بارزاني السلطة التنفيذية في مرحلة تتطلب مواجهة تحديات اقتصادية وإدارية وتنموية دقيقة.
إن عبارة “مليون صوت” لا تعبر فقط عن الثقل الانتخابي والجماهيري للحزب في المحطات الأخيرة، بل تجسد التحول الأهم في تاريخه: الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية والمؤسساتية التي تستند إلى صندوق الاقتراع. فالصوت الانتخابي هنا مسؤولية وأمانة تتطلب تعزيز الشفافية، وسيادة القانون، والتنمية المستدامة.
تأتي الذكرى الثمانون للحزب في وقت لا تزال فيه أمام كوردستان ملفات حاسمة، أبرزها التطبيق الكامل للنصوص الدستورية، وتنظيم العلاقة المالية والأمنية بين بغداد وأربيل، وحسم ملف المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم. وهي ملفات تتطلب رؤية متجددة تتناسب مع متغيرات العصر.
وبهذه المناسبة، نتقدم بأحر التهاني والتبريكات إلى فخامة الرئيس مسعود بارزاني، وإلى قيادة وكوادر وجماهير الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ثمانون عاماً ليست مجرد رقم في التقويم، بل هي ذاكرة أجيال وتضحيات، ومسؤولية مستمرة لنقل هذه النجاحات إلى مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً لشعب كوردستان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تصريح يتابع المكتب القانوني للمجلس الوطني الكردي في سوريا بقلق ما تنشره مواقع و شخصيات إعلامية تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) و التي تهدد أعضاء المكتب و الهيئة القانونية بشكل متكرر. حيث تعرض المحامي “رضوان سيدو” المنسق العام للمكتب القانوني للمجلس الوطني الكردي و عضو مجلس الشعب السوري للتهديد بالقتل والذم والقدح والشتم من قبل أحد قياديي (PYD) وقد سبق…

خالد السينو Khaled Al Sino يا اخي نحن الكرد السوريين مبدعين في كل شيء، ومنها طبعا «التكويع» السياسي تخيل شخصا بنى نفسه سياسيا وحزبيا وتنظيميا على مدى عقود، وكان صورته السياسية قائما كليا على مهاجمة الحزب الديمقراطي الكردستاني – العراق، واعتباره حزبا عشائريا ورجعيا، وإلصاق كل الصفات…

راجآل محمد Rajal Muhammed في روايته “السديم والأختام”، قدّم سليم بركات تشريحًا دقيقًا للوعي الكردي، وخاصة الطبقة السياسية منه، حين قال: “نشأ الكرد على حيلة الظاهر وحده، بلا تورية، فيتصبب الواحد منهم من مسامه الطيش والتهور ومنازعة الأرض على كونها أرضًا والسماء على كونها سماءً”. وهذا التشخيص يتجلى بوضوح اليوم فيما آلت إليه الأمور في (روج آفا)، حيث راهنت قيادة…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة سياسية جديدة تتجه فيها الأنظار إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة إطار قانوني ينظم الحياة السياسية. ورغم غياب مؤشرات حاسمة بشأن شكل النظام السياسي المقبل أو قانون الأحزاب المرتقب، فإن السؤال الأهم يبقى: هل ستبادر القوى السياسية إلى تغيير نفسها، أم ستنتظر حتى تفرض عليها المتغيرات ذلك؟ تقف الأحزاب الكردية اليوم أمام فرصة تاريخية لمراجعة…