الهوية الكوردية وسياسات الخلط بالأولويات

المهندس نذير عجو / هولندا

لا جدال حول الهوية الإنسانية المشتركة للبشر، والتي تأخذ مكانها مع أية هوية أخرى، تلازم الإنسان ولادةً أو موروثاً أو قناعةً؛ حيث الانتماء الأثني بالولادة، وبالتالي الهوية القومية التي ترتبط بحد ذاتها بجغرافيا معينة تتعلق بتلك القومية، تلك الجغرافيا التي تطورت حضارياً لتأخذ هوية إضافية عُرّفت بالوطنية، والموروث العقيدي وتشعباته الطائفية المأخوذة من المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، وبالتالي الهوية الدينية أو الطائفية، إضافة للقناعات المرتبطة بالفكر والثقافة بعمومها، وبالتالي الهوية الثقافية أو العقائدية.

إذاً، ومن خلال ما ذُكر، يمكننا تعريف هوية الإنسان الفرد أو المجتمع وفق ما يلي:

إنسان أو مجتمع إنساني، بهوية قومية (كوردية، عربية، ألمانية،…..)، وهوية وطنية (كوردستان، سوريا، ألمانيا، أمريكا،….)، وهوية عقيدية (أيزيدي، مسلم، مسيحي،……)، وهوية طائفية (سني، شيعي، علوي، كاثوليكي، بروتستانتي،…)، وهوية فكرية أو عقائدية (شيوعي، رأسمالي، اشتراكي، ديمقراطي،…)، وقد يكون هناك الكثير من الهويات الصغيرة (العشائرية، المذهبية….).

تلك الهويات التي رسمت سيرورة حياة الإنسان السياسية عبر التاريخ، وما نتج عنها من مصالح وتعصبات أدت وتسببت بخلق الصراعات السرمدية، الأمر الذي دفع بتلك الهويات أن تكون المادة الأولية والمطواعة للساسة والقادة السياسيين (السلطة والمتسلطين)، حيث أُخذ الإنسان الفرد والمجتمع هذا المنحى من غيره، حيث توجيه الفرد والمجتمع بالتمسك بهذه الهوية من تلك، أو الخلط بالأولويات في تسلسل الهويات، بما يتلاءم ومصلحة الساسة والقادة في التحكم بالفرد والمجتمع، وتسخير ممتلكاتهم العقلية، وبالتالي كينونتهم، خدمة لأهوائهم وأجنداتهم السياسية (السلطوية).

واليوم، كما الماضي، كوردياً يخضع الإنسان الكوردي كفرد وكمجتمع من قبل ساستهم وقادتهم لخلط متعمد للتسلسل الهوياتي المنطقي، بما يخدم أجنداتهم الفردية أو الحزبية أو العقائدية، وأحياناً علاقاتهم الوظيفية والمصلحية مع هذا الطرف أو ذاك، وذلك تعاكساً مع ما اتّبعه ويتّبعه الساسة والقادة الشرفاء والخدم لمصالح شعبهم من باقي الشعوب.

فهم لا يتنازلون عن أولويتهم في الهوية القومية بعد الإنسانية، ويُسخّرون كل الهويات الأخرى خدمة لهويتهم المولودة معهم، ألا وهي القومية. فالعربي المسلم أو الشيوعي أو الديمقراطي أو الملحد أو… ماضياً وحاضراً قد سخّر كل تلك الهويات لهويته العربية، أو سلسلها تالياً، فلن ترى أحدهم يقول: إنني مسلم عربي، وإنما يقول: إنني عربي مسلم، وعربي ديمقراطي، وحتى عربي أممي…، ولذلك أصبح صاحب كيان ودولة وشأن.

وكذلك فعل التركي المسلم والشيوعي والديمقراطي والملحد، وأيضاً فعل الفارسي والفرنسي والألماني وووو…… إلا السياسي والقيادي الكوردي، فهو ماضياً وحاضراً لم يعطِ هويته المولودة معه أية أولوية أو اعتبار، وسخّرها لحساب الهويات الأخرى.

فالقيادي الكوردي المسلم سخّر كورديته لإسلامه، وفي أقله نسي هويته الكوردية أمام إسلامه، وكذلك فعل الكوردي الشيوعي، حيث تبرأ من كورديته أمام أمميته.

واليوم نحن أمام ساسة وقادة كورد ينهلون من عدالة القضية وعنفوان حب الكوردي لقضيته كخزان وقود لتحقيق هوية توجهاتهم الفكرية وأيديولوجياتهم العابرة للهويات (أمة ديمقراطية، إخوة الشعوب)، وآخرون يلهثون وراء الهوية الوطنية غير المعترفة بهم أصلاً أمام هويتهم المولودة معهم (الكوردية).

أمام هكذا ساسة وقادة نشاز، وهكذا خلط للأولويات في تسلسل الهويات، هل ما زال هناك أمل لإيجاد مكان للهوية الكوردية في ظل هكذا ساسة وهكذا قادة، في بحر ومستنقع العنصريات والتعصبات والتطرفات المختلفة، ولا سيما القومية في المنطقة؟

وهل هناك احتمال لشأن أو كيان كوردي في ظل الظروف والأحداث التي تمر على المنطقة، والفرصة الذهبية لإثبات الذات والشأن والكيان؟

إنها، وللأسف، الكارثة الأكثر تأثيراً على حاضر ومستقبل الشعب الكوردي إن لم يُصحح مسار البوصلة التي تركها الشعب الكوردي بيد هؤلاء الساسة والقادة المنحرفين والمُحرّفين لاتجاهها، والذين لم يرَ الشعب منهم إلا الخيبات والمآسي والصراعات الداخلية.

إنه زمن تغيير الخرائط، وفرصة تقرير المصير، فهل من منقذ؟

فاشهد يا شعبنا على سيناريوهات قهرك وإبادتك، دون تصحيح لمسارك الذي هو شرط ولادتك.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…