اكرم حسين
يأتي التحضير لعقد المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي في سوريا في لحظة سياسية مختلفة جذرياً عن تلك التي تأسس فيها المجلس، الأمر الذي يجعل من المؤتمر محطة تتجاوز حدود التجديد التنظيمي أو انتخاب هيئات قيادية جديدة، لتتحول إلى مناسبة لإعادة تعريف وظيفة المجلس ودوره وأدوات عمله في المرحلة السورية الجديدة.
فالمجلس الذي تشكل في سياق الثورة السورية ودلالتها ، واتخذ من معارضة النظام السابق وإسقاطه أحد عناوينه الأساسية، يجد نفسه اليوم أمام واقع سياسي جديد انتقلت فيه سوريا، من مرحلة الثورة والصراع على السلطة إلى مرحلة بناء الدولة وإعادة صياغة النظام السياسي والدستوري ، ومن هنا فإن استمرار المجلس بالآليات والخطاب والبنية التي حكمت عمله خلال المرحلة السابقة لن يكون كافياً للاستجابة لمتطلبات المرحلة الجديدة.
أولاً: مراجعة التأسيس وإعادة تعريف وظيفة المجلس:
أولى المهمات أمام المؤتمر الخامس هي إجراء مراجعة سياسية وتنظيمية عميقة لتجربة المجلس منذ تأسيسه ، وهذه المراجعة لا ينبغي أن تكون محاكمة للأشخاص بقدر ما ينبغي أن تكون تقييماً موضوعياً للسياسات والأدوات والنتائج.
فقد تأسس المجلس بوصفه إطاراً سياسياً كردياً داخل المعارضة السورية، في ظل نظام سلطوي كان ينكر الحقوق القومية والسياسية للشعب الكردي. أما اليوم، وبعد التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد وخاصة مع المرسوم ١٣ الخاص بالحقوق الكردية ، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نعارض السلطة؟ وكيف ننتزع الحقوق ؟ بل أصبح: كيف نشارك في بناء دولة سورية جديدة تضمن حقوق جميع مكوناتها، وكيف نضمن تثبيت الحقوق الكردية دستورياً وقانونياً وسياسياً؟
ان هذا التحول يستوجب إعادة صياغة وظيفة المجلس، بحيث ينتقل من منطق المعارضة بوصفها غاية سياسية إلى منطق العمل السياسي والمؤسساتي بوصفه وسيلة لتحقيق أهداف وطنية وقومية مشروعة.
ومن الضروري، في هذا السياق، أن يناقش المؤتمر طبيعة المجلس: هل يبقى ائتلافاً واسعاً لأحزاب وحركات سياسية، أم يتحول إلى مؤسسة وطنية كردية أكثر تماسكاً وفاعلية؟ وما طبيعة العلاقة بين المجلس وأحزابه؟ وكيف يمكن تجاوز حالة التداخل بين القرار الحزبي والقرارالمؤسساتي للمجلس؟
إن إعادة الهيكلة ليست اجراءاً شكلياً على الصعيد التنظيمي ، بل شرط أساسي لاستعادة الدور والقدرة على التأثير.
ثانياً: الانتقال من عقلية المعارضة إلى عقلية الشريك السياسي:
أحدثت مشاركة المجلس في العملية السياسية الجديدة، بما في ذلك المشاركة في انتخابات مجلس الشعب ووصول عدد من أعضائه إلى المؤسسة التشريعية، تحولاً مهماً في موقعه السياسي.
فالمجلس لم يعد خارج العملية السياسية السورية كما كان في السابق، وإنما أصبح جزءاً من عملية الانتقال السياسي، الأمر الذي يفرض عليه تطوير أدوات جديدة للعمل البرلماني والسياسي والقانوني.
وهنا ينبغي التفريق بين المشاركة في مؤسسات الدولة وبين الانخراط غير المشروط في السلطة. فالمشاركة السياسية لا تعني التخلي عن المطالب الكردية أو منح السلطة صكاً على بياض، وإنما تعني استخدام المؤسسات المتاحة للدفاع عن مشروع سياسي واضح، يقوم على المواطنة المتساوية، واللامركزية المناسبة لطبيعة الدولة السورية، والاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والثقافية والسياسية للشعب الكردي.
ومن المهم أن يحدد المؤتمر بوضوح العلاقة بين المجلس والسلطة الانتقالية: ما الذي يؤيده؟ وما الذي يعارضه؟ وما هي الخطوط الحمراء؟ وما هي الملفات التي يمكن التفاوض حولها؟ وما هي القضايا التي تحتاج إلى ضمانات دستورية وقانونية؟
اذاً ، المطلوب هوالانتقال من معارضة السلطة إلى مساءلة السلطة ومشاركتها ومراقبتها في الوقت نفسه.
ثالثاً: القضية الكردية في الدستور والدولة الجديدة:
يجب أن تكون القضية الكردية في صلب أعمال المؤتمر الخامس، ولكن ضمن رؤية سياسية جديدة تتناسب مع المرحلة الانتقالية.
إن صدور المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق الكردية، بصرف النظر عن حدود ما تضمنه وآليات تنفيذه، لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، بل بداية لمسار سياسي وقانوني أوسع. فالمشكلة التاريخية للحقوق الكردية في سوريا لم تكن مرتبطة فقط بغياب بعض الإجراءات القانونية، وإنما ارتبطت بطبيعة النظام السياسي والدستوري الذي لم يعترف بالتعدد القومي والثقافي للبلاد.
وعليه، ينبغي للمجلس أن يعمل على تحويل الحقوق الكردية من قرارات أو مراسيم قابلة للتعديل إلى حقوق دستورية راسخة، تتضمن الاعتراف بالوجود القومي للشعب الكردي، وضمان حقوقه الثقافية واللغوية والسياسية، ومعالجة آثار سياسات التمييز السابقة، وضمان المشاركة الحقيقية في مؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، يحتاج الخطاب الكردي للمجلس إلى أن يكون جزءاً من مشروع وطني سوري أوسع. فالدفاع عن الحقوق الكردية لا يتعارض مع بناء سوريا تعددية وديمقراطية، بل يمكن أن يكون أحد عناصر بناء هذه الدولة إذا جرى وضعه ضمن إطار المواطنة المتساوية والتعددية والشراكة الوطنية.
رابعاً: مراجعة كونفراس 26 نيسان ووحدة الصف الكردي:
تأتي العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدة الصف الكردي في مقدمة الملفات التي لا يمكن للمؤتمر الخامس تجاوزها.
لقد شكل كونفراس 26 نيسان وصياغة رؤية كردية مشتركة محطة مهمة، إلا أن عدم تحول مخرجاته إلى مسار سياسي عملي وفعّال يفرض مراجعة حقيقية للتجربة.
المطلوب ليس إعادة إنتاج الشعارات ذاتها حول “وحدة الصف الكردي”، وإنما الإجابة عن سؤال أكثر واقعية: كيف يمكن تحويل التوافق الكردي من وثائق وبيانات إلى مؤسسات وآليات وقرارات قابلة للتنفيذ؟
كما ينبغي تقييم أداء الوفد المفاوض، وأسباب عدم تمكنه من فتح مسار حوار فعلي مع السلطة السورية، وتحديد ما إذا كانت المشكلة في الوفد ، أم في غياب استراتيجية تفاوضية واضحة، أم في طبيعة موقف السلطة نفسها.
وفي كل الأحوال، ينبغي ألا تتحول وحدة الصف الكردي إلى عنوان للمحاصصة بين الأحزاب، بل إلى إطار سياسي يحدد الحد الأدنى المشترك من الحقوق والمطالب، مع ترك المجال لكل حزب أو تيار للحفاظ على هويته وبرنامجه.
خامساً: بناء سياسة جديدة تجاه السلطة السورية:
إذا كانت المرحلة السابقة قد فرضت على المجلس العمل في مواجهة النظام السابق، فإن المرحلة الحالية تفرض عليه تطوير سياسة أكثر تعقيداً تجاه السلطة الانتقالية.
فالسياسة الفاعلة لا تقوم على التأييد المطلق ولا على المعارضة المطلقة، وإنما على التعامل مع السلطة وفق المواقف والسياسات والنتائج.
وينبغي أن يمتلك المجلس برنامجاً تفاوضياً واضحاً، يتضمن مجموعة من المطالب القابلة للقياس، وفي مقدمتها ضمان الحقوق الكردية دستورياً، والمشاركة السياسية، والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، وضمان استخدام اللغة الكردية وتعليمها، ومعالجة آثار سياسات التمييز السابقة، وضمان التمثيل العادل في مؤسسات الدولة، إضافة إلى المشاركة في صياغة مستقبل الإدارة المحلية وشكل الدولة السورية.
ومن الضروري أيضاً أن ينتقل المجلس من رد الفعل إلى المبادرة؛ أي أن يطرح مشاريع وقوانين وأوراقاً سياسية، وأن يمتلك خبراء في القانون الدستوري والسياسة العامة والاقتصاد والإدارة، بدلاً من حصر نشاطه في البيانات والمواقف السياسية.
سادساً: نقد تجربة القيادة السابقة:
لا يمكن للمؤتمر أن يكون محطة لإعادة إنتاج القيادة السابقة من دون تقييم.
فخلال السنوات الماضية، لم يتمكن المجلس، رغم امتلاكه شرعية سياسية وتمثيلاً داخل أطر المعارضة السورية وعلاقات إقليمية ودولية، من تحويل كثير من أهدافه المعلنة إلى مكاسب سياسية ملموسة ، وهذه الحقيقة تحتاج إلى قراءة نقدية مسؤولة.
ولا ينبغي اختزال أسباب التعثر في شخص أو حزب واحد؛ فهناك عوامل داخلية وخارجية، من بينها الانقسامات الحزبية، وضعف آليات اتخاذ القرار، وتبدل موازين القوى، وتناقضات المعارضة السورية، والتدخلات الإقليمية والدولية.
لكن المسؤولية السياسية تقتضي أيضاً الاعتراف بأن ضعف الأداء الداخلي يمكن أن يحوّل حتى أفضل الظروف الخارجية إلى فرص ضائعة.
ومن هنا ينبغي أن يعتمد المؤتمر معايير واضحة للمساءلة السياسية والتنظيمية، بحيث لا تكون المناصب مكافأة على الولاء الحزبي، وإنما نتيجة للكفاءة والقدرة على الإنجاز والتمثيل السياسي.
سابعاً: العلاقة مع إقليم كردستان والعواصم الدولية:
العلاقة مع إقليم كردستان العراق ينبغي أن تحظى بمراجعة خاصة، نظراً إلى أهميتها السياسية والجغرافية والتاريخية، لكن من الضروري أن تقوم هذه العلاقة على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وأن يمتلك المجلس هامشاً واضحاً من الاستقلالية في صناعة قراره السياسي.
أما العلاقات مع الولايات المتحدة وتركيا والدول الأوروبية وغيرها، فينبغي أن يعاد تعريفها على أساس المصالح السياسية للمجلس والقضية الكردية ومستقبل سوريا، لا على أساس انتظار أن تقوم القوى الخارجية نيابة عن الكرد بصياغة مستقبلهم.
لقد أثبتت التجربة أن الدول تتحرك وفق مصالحها ، ولذلك فإن أفضل سياسة خارجية للمجلس هي التي تستند أولاً إلى قوة الموقف الداخلي، ووحدة الرؤية، والقدرة على التفاوض، وامتلاك مشروع سياسي قابل للحياة.
ثامناً: الحاجة إلى خطاب سياسي جديد:
ربما يكون التحدي الأعمق أمام المؤتمر هو إنتاج خطاب سياسي جديد.
فالخطاب الذي كان مناسباً في زمن الثورة والمعارضة لا يكفي في زمن بناء الدولة ، والمجتمع الكردي نفسه يحتاج إلى أن يسمع من المجلس تصوراً واضحاً لمستقبله الاقتصادي والسياسي والثقافي، وليس فقط مواقف مرتبطة بالأحداث اليومية.
ينبغي أن يجيب المجلس عن أسئلة تتعلق بالتنمية، والاستثمار، والتعليم، واللغة، والإدارة المحلية، والشباب، والمرأة، والعدالة الانتقالية، وعودة المهجرين، وإعادة الإعمار، ودور الكرد في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية للدولة الجديدة.
وهذا يعني أن المجلس يحتاج إلى الانتقال من سياسة المطالب إلى سياسة البرامج.
تاسعاً : المؤتمر أمام اختبار مختلف: المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي لا ينبغي أن يكون مؤتمراً عادياً لتغيير بعض المواقع القيادية، وإنما فرصة لإعادة تأسيس المجلس سياسياً على أساس متطلبات المرحلة الجديدة.
فالمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة الشعارات الكبرى، وإنما مرحلة المؤسسات والتفاوض والدستور والقوانين وبناء التحالفات وإنتاج السياسات.
وإذا أراد المجلس أن يستعيد دوره، فعليه أن يخرج من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية صناعة السياسة، ومن ردود الفعل إلى المبادرة، كي يستطيع ان يصبح مؤسسة وطنية كردية قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها.
المطلوب من المؤتمر، قبل انتخاب الأشخاص، أن يحدد ما هو المجلس الذي نريده؟ وما هو المشروع الذي يحمله؟ وما هي الأدوات التي يحتاجها لتحقيقه؟
فإذا نجح المؤتمر في الإجابة عن هذه الأسئلة، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في مسيرة المجلس. أما إذا اقتصر المؤتمر كما في المرات السابقة على المحاصصة في توزيع المواقع وإعادة إنتاج الأدوات القديمة والقيادات ذاتها، فإن المشكلة لن تكون في الظروف الخارجية وحدها، بل في عجز المجلس عن إدراك أن سوريا تغيرت، وأن المرحلة السياسية الجديدة تتطلب مجلساً جديداً في بنيته، وخطابه، وأدواته، وعلاقاته، وقدرته على الإنجاز؟!