حسين امين
ما أسهل أن تمارس السياسة من خلف شاشة هاتف، وما أسهل أن تتهم كل من يخالفك بالرأي. فإذا لم يصفق لك، أو انتقد موقفًا، أو كشف خللًا، انهالت عليه الاتهامات: هذا عميل، وذاك متخاذل، وثالث يكتب لأنه يعيش في أوروبا.
لهؤلاء أقول:
أنا لم أتعلم السياسة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل عشتها منذ طفولتي. بدأت في اتحاد الشباب الديمقراطي، ثم واصلت نضالي في صفوف الحزب الشيوعي السوري منظمات القاعدة، يوم كانت المعارضة تعني الملاحقة والاعتقال والتضحية.
استدعيت مرات عديدة إلى الأفرع الأمنية، واعتقلت أكثر من مرة، وامتلأ ملفي بالتقارير الأمنية والحزبية. ثم نُفيت من مدينتي عفرين، ونُقلت قسرًا من ثانوية عفرين إلى منبج، ثم إلى جرابلس، وبعدها إلى عشرات المدارس والمعاهد، قبل أن يُبعدني النظام نهائيًا عن التعليم، ويقضي أكثر من نصف حياتي الوظيفية بعيدًا عن مهنتي بسبب مواقفي السياسية.
وحين بدأت أحداث سوريا، كنت في عفرين منذ اللحظات الأولى. بقيت في مدينتي، ولم أهاجر، ولم أغادر، ولم أرفع السلاح يومًا في وجه أي مواطن سوري. كنت أؤمن أن خدمة الناس شرف، وأن الموقف الصادق أقوى من البندقية.
حتى آخر يوم قبل احتلال عفرين بقيت فيها، تحت القصف، ثابتًا كالجبل. كنت أنقل المرضى، وأساعد المدنيين، ونقلت العائلات بسيارتي أثناء أولى غارات الطيران، لأن حماية الإنسان كانت بالنسبة لي واجبًا لا شعارًا.
وعندما هُجّرنا قسرًا إلى نبل والزهراء ثم إلى المخيمات، لم أعتبر أن الحكاية انتهت. وبعد شهر واحد فقط عدت إلى عفرين، وأنا أعلم أنني أعود حاملًا دمي على كفي.
كانت النتيجة أن تعرضت للاعتقال و اشد التعذيب والاهانة والشتم ، واستُولي على منزلي، وأُحرقت ملابسي، ونُهب أثاث بيتي، وبيعت محتوياته في أسواق المنطقة. وكان مؤلمًا أن بعض من اشترى تلك الأغراض كان يعلم أنها مسروقة من بيوت المهجرين، لكنه أغراه رخص ثمنها، ولم يسأل عن ثمنها الحقيقي الذي دفعه أصحابها من دموعهم وأوجاعهم.
واليوم، أستغرب ممن يوزعون شهادات النضال، ويخوّنون كل رأي مستقل، ويتحدثون وكأنهم وحدهم أصحاب التاريخ. النضال ليس لقبًا يُمنح، ولا منشورًا يُكتب، ولا تصفيقًا على صفحات التواصل.
أنا لم أبدل مواقفي بتبدل السلطات، ولم أبع قناعاتي بحثًا عن منصب أو مكسب. دفعت ثمنها في عهد البعث، ودفعت ثمنها بعد احتلال عفرين، وما زلت أدفع ثمن الكلمة الحرة.
لن أخضع لحملات التخوين، ولن أصمت لأن الحقيقة لا تعجب البعض. سأبقى أقول رأيي دفاعًا عن الشعب الكوردي، وعن حقه في الحرية والكرامة والاعتراف، وعن سوريا ديمقراطية تعددية تقوم على الشراكة الحقيقية والعدالة.
فالتاريخ لا يكتبه أصحاب الضجيج، ولا من يختبئون خلف الشاشات، بل يكتبه الذين دفعوا من أعمارهم وحريتهم وبيوتهم ثمنًا لمواقفهم، وبقوا أوفياء لقضيتهم حتى النهاية.
وليعلم الجميع أنني لم أغادر عفرين لأنني أردت الهجرة أو بحثًا عن حياةٍ أكثر راحة.
كنت أريد أن أموت في عفرين، على ترابها وبين أهلها، ولم أفكر يومًا في مغادرتها. لكنني وُضعت أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن أتعرض للتصفية، أو أن أعود إلى السجن، في ظل ملاحقات وتقارير وكيد سياسي طالني كما طالني في زمن البعث، وكأن التاريخ يعيد نفسه بأسماء وسلطات مختلفة.
وعندما اضطررت إلى الخروج، لم يكن ذلك رحلة نجاة، بل رحلة عذاب. دفعت ثمن النزوح في المخيمات، وفي قسوة الطرق، وفي عبور الحدود، وواجهت خطر الموت أكثر من مرة. كنت من آخر الذين غادروا عفرين تقريبًا، بعد أن أُغلقت الطرق، وشُددت الحدود، وضاقت الخيارات حتى بدا وكأن كل الأبواب قد أُوصدت في وجهي.
وحتى اليوم ما زلت أدفع ثمن تلك الرحلة، وثمن مواقفي، وثمن الكلمة الحرة.
لهذا، عندما يتحدث البعض عن النضال وكأنه شعار، أو يوزعون شهادات الوطنية على الناس، أبتسم بحزن. فهناك فرق كبير بين من يكتب عن المعاناة، ومن عاشها بكل تفاصيلها، ودفع ثمنها من حريته، وبيته، ومستقبله، وما زال يدفع حتى هذه اللحظة.