علم كوردستان في قصر الشعب…… زيارة نيجيرفان بارزاني ودلالات التحول في سوريا والعراق

عبدالرحمن كلو 
—————-
لم يكن ظهور علم كوردستان داخل قصر الشعب في دمشق، إلى جانب العلمين السوري والعراقي، حدثًا بروتوكوليًا تقليديًا، عند زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق في الثالث من آب/أغسطس 2026. ففي السياسة، قد تقول الرموز أحيانًا ما لا تقوله البيانات الرسمية، وقد تحمل صورة واحدة من الدلالات ما يتجاوز العبارات الدبلوماسية المحسوبة.
نعم جاءت الزيارة بدعوة رسمية من الرئيس السوري أحمد الشرع، وتركزت المحادثات المعلنة على العلاقات بين سوريا والعراق وإقليم كوردستان، والتعاون الاقتصادي، والتطورات الإقليمية، ودعم الأمن والاستقرار. كما أكد نيجيرفان بارزاني دعمه لسوريا مستقرة وموحدة تُصان فيها حقوق جميع المكونات القومية والدينية. غير أن أهمية الزيارة لا تكمن في مضمون البيان الرسمي ، بل في توقيتها، وفي هوية الضيف، وفي المشهد الإقليمي الذي احتضنها، وفي علم كوردستان الذي ارتفع داخل واحد من أكثر القصور ارتباطًا بتاريخ المركزية السورية وإنكار التعدد القومي والسياسي.
الزيارة جاءت في لحظة انتقالية لم يعد فيها الشرق الأوسط امتدادًا مباشرًا للمعادلات التي حكمته قبل سقوط نظام بشار الأسد. وما حدث في سوريا لم يكن مجرد تغيير في رأس السلطة، بل انهيارًا لإحدى أهم الحلقات الجيوسياسية التي استند إليها المشروع الإقليمي الإيراني طوال عقود.
ما بعد سقوط النظام: انهيار الممر الإيراني
شكّلت سوريا في عهد الأسد أكثر من حليف سياسي لطهران. فقد كانت العقدة الجغرافية التي تربط إيران بالعراق ولبنان، والممر الذي عبرت منه الأسلحة والأموال والخبرات العسكرية إلى حزب الله، والمجال الذي أتاح للحرس الثوري الإيراني تحويل النفوذ المتفرق إلى محور إقليمي متصل يمتد من الحدود الإيرانية إلى البحر المتوسط.
ولذلك كان سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024 ضربة استراتيجية شديدة القسوة لإيران، لا لأنها فقدت حكومة حليفة فحسب، بل لأنها فقدت الجسر الذي كان يمنح شبكتها الإقليمية تماسكها الجغرافي. وتزامن ذلك مع إضعاف حزب الله في لبنان، وتراجع قدرات عدد من القوى المرتبطة بطهران، وتصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران نفسها. 
غير أن الحديث عن انكفاء إيران وتراجع نفوذها لا يعني أنها خرجت نهائيًا من المشهد. فإيران لم تفقد جميع أدواتها، وما زالت تمتلك القدرة على التعطيل والضرب غير المباشر وتهديد أمن الطاقة والملاحة واستثمار القوى الحليفة داخل عدد من الدول. لكنها بالتأكيد لم تعد قادرة على إدارة الشرق أو الإقليم من الموقع نفسه الذي كانت تشغله قبل سقوط الأسد وإضعاف حزب الله.
وهنا يكمن التحول الأهم: لقد تراجعت إيران من موقع القوة القادرة على تشكيل المجال الإقليمي إلى قوة تحاول الاحتفاظ بما تبقى لها من أوراق، وتمنع اكتمال النظام الذي يجري بناؤه على أنقاض نفوذها السابق.
العراق: العقدة الإيرانية الأكثر استعصاءً
إذا كانت الحلقة السورية قد سقطت، والحلقة اللبنانية قد ضعفت، فإن العراق ما يزال يمثل العقدة الأكثر تعقيدًا في تفكيك النفوذ الإيراني.
فإيران لا تتحرك في العراق من خلال ميليشيات منفصلة عن الدولة فحسب، بل من خلال شبكة متداخلة من الأحزاب والفصائل والمؤسسات الاقتصادية والتمثيل البرلماني والمواقع الحكومية. وقد تحولت بعض القوى المسلحة، بمرور الزمن، إلى بنى سياسية واقتصادية تمتلك نفوذًا داخل الدولة، بالتوازي مع احتفاظها بمرجعياتها الأيديولوجية وعلاقاتها العسكرية والأمنية خارج الحدود العراقية.
و خطورة الحالة العراقية تكمن في أن بعض الفصائل لم تعد تحاول مواجهة الدولة من خارجها، بل تسعى إلى التحصن داخلها. فهي تعلن قبولها بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لكنها تعمل في الوقت نفسه على إعادة تعريف مؤسسات الدولة بحيث يصبح سلاحها جزءًا محميًا منها، من دون أن يخضع فعليًا لقيادتها السياسية والدستورية.
إنها، بعبارة أدق، لا تنتقل من الميليشيا إلى الدولة، بل تحاول نقل الميليشيا إلى داخل الدولة؛ أي مأسسة الدولة الموازية بدل تفكيكها، وهذا ما علينا تداركه والتحذير منه .
وفي المقابل، ما تزال فصائل أخرى تعلن رفضها الصريح لنزع السلاح، وتتمسك بشرعية ما تسميه ” سلاح المقاومة “، وتربط بقاءه بوجود القوات الأجنبية أو باستمرار المواجهة الإقليمية، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، واصلت تحدي قرارات الحكومة ورفض التخلي عن قدراتها العسكرية المستقلة.
لكن لا تتوقف المشكلة عند حدود التوازن الداخلي العراقي. فحين تنطلق الطائرات المسيّرة والصواريخ من الأراضي العراقية نحو إقليم كوردستان أو المنشآت النفطية في الدول العربية المجاورة، يتحول السلاح الولائي من أزمة سيادة عراقية إلى أداة حرب إقليمية.
وقد كشفت تقارير عن خلايا عراقية سرية أنشأها الحرس الثوري الإيراني، وتعمل مباشرة بإمرته بعيدًا حتى عن بعض شبكات الميليشيات التقليدية، ونفذت هجمات بطائرات مسيّرة انطلاقًا من جنوب العراق باتجاه السعودية والكويت والإمارات. كما اتهمت السعودية فصائل عراقية مرتبطة بإيران بالهجوم على منشآتها النفطية، الأمر الذي استدعى ردودًا عسكرية أمريكية وسعودية داخل العراق.
وبذلك لم تعد معركة حصر السلاح شأنًا إداريًا داخليًا، بل أصبحت جزءًا من الصراع على هوية العراق وموقعه: هل يكون دولة عربية اتحادية مستقلة، أم سيبقى ممرًا عسكريًا وساحة متقدمة في استراتيجية الحرس الثوري؟
مساران متوازيان: تفكيك القديم وبناء البديل
على الرغم من الضربات القاسية التي تلقتها إيران وقواها الحليفة، فإن المواجهة العسكرية لم تصل إلى نهايتها الحاسمة. فالهدن أو التفاهمات الوقتية والمفاوضات وعمليات وقف التصعيد كلها لا تعني زوال أسباب الحرب، كما أن احتمال استئناف الضربات يظل قائمًا ما دامت ملفات النفوذ الإقليمي والسلاح النووي والممرات البحرية وشبكات الوكلاء لم تُحسم.
غير أن المسار السياسي لم ينتظر انتهاء المسار العسكري.
فالضربات العسكرية تعمل على إضعاف مكونات النظام الإقليمي القديم، بينما تعمل التحركات الدبلوماسية على بناء ترتيبات بديلة قبل أن تتمكن إيران أو الفصائل المرتبطة بها من إعادة تنظيم مواقعها. ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق عن عملية أوسع لإعادة ترتيب المجال السياسي في سوريا والعراق.
إنها ليست إعلانًا عن اكتمال معادلة جديدة، بل إحدى الحركات أوالترتيبات التمهيدية داخلها.
لماذا نيجيرفان بارزاني؟
بحكم وضع إقليم كوردستان كإقليم اتحادي داخل العراق، لا يمتلك الإقليم الصلاحيات الدستورية الكاملة التي تمتلكها الدول المستقلة في رسم السياسات الإقليمية أو إعادة ترتيب التوازنات الدولية. ومع ذلك، أنشأ الإقليم طوال العقود الماضية شبكة واسعة من العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وتركيا، وأصبح قادرًا على أداء نوع من الدبلوماسية الإقليمية الموازية ضمن حدود موقعه الدستوري.
وعلى الرغم من أن الإقليم لا يستطيع أن يؤدي دورًا سياسيًا كبيرًا في سوريا أو العراق خارج المظلة الاستراتيجية الأمريكية، أو في تعارض مباشر مع الاتجاه العام للسياسة الغربية. لكن هذا لا يعني أن أربيل مجرد أداة تنفيذ. فهي تمتلك هامشًا خاصًا من المبادرة، وتستند إلى خبرة سياسية ممتدة، وإلى علاقات مباشرة مع القوى الكوردية السورية ودمشق وأنقرة وبغداد.
كما أن زيارة دمشق لم تأتِ من فراغ. فقد سبقتها لقاءات بين نيجيرفان بارزاني وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، وقيادة المجلس الوطني الكوردي في سوريا، ومسؤولين أمريكيين وفرنسيين ناقشوا مستقبل الكورد السوريين، واتفاق الاندماج بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وملف تنظيم داعش والاستقرار في شمال شرقي سوريا.
لذلك لم يذهب نيجيرفان بارزاني إلى دمشق بوصفه رئيس إقليم عراقي مجاور فحسب، بل بوصفه حاملًا لتجربة سياسية كوردستانية في الجمع بين الهوية القومية، والكيان الدستوري، والعلاقة مع الدولة القائمة.
الوظيفة السورية للزيارة
تواجه سوريا الجديدة معضلة مركبة في شمال شرقي البلاد. فهي تريد استعادة السيادة المركزية ودمج المؤسسات العسكرية والإدارية والاقتصادية، بينما يخشى الكورد أن يتحول الاندماج إلى إلغاء سياسي وقومي، وأن تعود الدولة المركزية بصيغة جديدة من دون ضمانات دستورية حقيقية.
وقد توصلت دمشق وقوات سوريا الديمقراطية في كانون الثاني/يناير 2026، بعد مواجهات عسكرية، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والاندماج التدريجي داخل مؤسسات الدولة. ونص الاتفاق على ترتيبات عسكرية وإدارية، وانتشار قوات تابعة لوزارة الداخلية في مدينتي الحسكة وقامشلو، وتشكيل وحدات عسكرية تضم مقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية.
لكن الاتفاق، على أهميته، لا يحل تلقائيًا جوهر المسألة الكوردية.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بمكان دمج المقاتلين أو عدد الألوية أو الجهة التي تدير المعابر والحقول النفطية والسجون، بل تتعلق بموقع الكورد – في الجانب السياسي- داخل سوريا الجديدة: هل يُعترف بهم بوصفهم شعبًا أصيلًا وشريكًا في تأسيس الدولة، أم يجري اختزالهم في تشكيل عسكري انتهت وظيفته بعد الحرب على داعش؟
ومن هنا يمكن فهم دور قيادة إقليم كوردستان باعتباره محاولة لتقريب مسارين لا يزالان متباعدين: مسار دمشق الساعي إلى توحيد الدولة، والمسار الكوردي الساعي إلى تثبيت الحقوق السياسية والقومية وعدم العودة إلى المركزية الإقصائية السابقة.
فالاندماج المستدام لا يتحقق بإدخال القوات إلى مؤسسة عسكرية موحدة وحدها، بل ببناء عقد دستوري يطمئن الكورد وسائر المكونات إلى أن الوحدة لن تكون اسمًا آخر للهيمنة. وتزداد أهمية هذا الشرط عند النظر إلى الخلفية التنظيمية والسياسية لقوات سوريا الديمقراطية؛ فـ«قسد» لم تنشأ ابتداءً بوصفها ممثلًا سياسيًا منتخبًا للكورد السوريين، وإنما تأسست عام 2015 إطارًا عسكريًا متعدد المكونات، شكّلت وحدات حماية الشعب والمرأة عموده الفقري، بهدف محاربة تنظيم داعش ضمن الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ضمها – شكلا- مجالس وتشكيلات عربية وسريانية ومحلية، ظلت بنيتها القيادية والعقائدية الأساسية مرتبطة بالمنظومة التي أنشأها حزب الاتحاد الديمقراطي، والتي تنظر إليها تركيا بوصفها امتدادًا سوريًا لحزب العمال الكوردستاني ـPKK. كما تقر مؤسسات أوروبية بأن وحدات حماية الشعب تمثل المكون الأساسي في «قسد»، وبأن الصلة التنظيمية والفكرية بينها وبين حزب العمال ظلت إحدى العقد المركزية في الموقف التركي من شمال شرقي سوريا.
و هذا لا يعني إنكار الدور العسكري الحاسم الذي أدته «قسد» في مواجهة داعش، ولا تجاهل التضحيات الكبيرة التي قدمها مقاتلوها ، وإنما التمييز بين الوظيفة العسكرية والتمثيل السياسي. فقد اكتسبت «قسد» شرعيتها الدولية أساسًا من كونها الشريك البري الأكثر فاعلية للتحالف الدولي في الحرب على التنظيم، لا من تفويض قومي كوردي شامل أو من توافق سياسي حر بين مختلف الأحزاب والتيارات الكوردية السورية. ومن ثم بقيت المعضلة قائمة بين قوة أدت دورًا عسكريًا دوليًا، وقضية كوردية تحتاج إلى قيادة سياسية تمثل مجتمعها وتفاوض باسمه على الاعتراف الدستوري والحقوق القومية والشراكة في الدولة.
ومن هنا ينشأ التخوف الكوردي الأعمق من أن تنتهي عملية الدمج الجارية إلى إعادة إنتاج البنية التنظيمية نفسها تحت أسماء ومؤسسات جديدة، بدل تحويل المسألة الكوردية إلى قضية سياسية وطنية مستقلة. فالاتفاقات الأخيرة تتجه إلى إدخال مقاتلي «قسد» في تشكيلات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، مع تسليم المعابر والحقول والمؤسسات الأمنية إلى الدولة، في حين لا تزال الضمانات المتعلقة بمكانة الشعب الكوردي وشراكته السياسية وشكل الإدارة في مناطقه أقل وضوحًا من الترتيبات العسكرية والأمنية.
وفي هذا السياق، يكتسب الموقف التركي دلالة خاصة. فقد كانت أنقرة، طوال السنوات الماضية، تطالب بتفكيك «قسد» ووحدات حماية الشعب، وإخراج الكوادر المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني من سوريا، ومنع قيام إدارة كوردية مستقلة على حدودها. غير أن قبولها المتدرج بعملية دمج هذه القوات داخل مؤسسات الدولة السورية، وترحيب المسؤولين الأتراك بالاتفاقات التي تنهي استقلالية «قسد» العسكرية والإدارية، يفتحان بابًا لقراءة أكثر تعقيدًا: فتركيا لا تعترض بالضرورة على بقاء الأفراد والكوادر والبنى المحلية المنحدرة من هذه المنظومة، ما دامت قد جُرّدت من مشروع سياسي كوردي مستقل، وأُعيد إدخالها في وظيفة أمنية تخضع لسلطة دمشق ولا تنتج كيانًا سياسيًا كوردستانيًا على حدودها. وقد قال مسؤولون أتراك إن الاتفاق السوري الذي قلّص سيطرة «قسد» وأعاد مؤسساتها إلى الدولة أزال إحدى العقبات الرئيسية أمام مسار التسوية بين أنقرة وحزب العمال الكوردستاني، فيما أعلن الرئيس التركي أن اتفاق دمشق و«قسد» خفف الضغط عن هذا المسار.
وبذلك يمكن فهم الصمت التركي النسبي، أو انتقال الخطاب التركي من التهديد بالاجتثاث الكامل إلى قبول الاندماج المنضبط، لا بوصفه مصالحة مع المشروع السياسي الكوردي، وإنما قبولًا مشروطًا بإعادة تدوير القوة العسكرية والتنظيمية بعد تفريغها من مضمونها القومي والسياسي. فالمصلحة التركية في هذا الشأن حصرية تكمن في إنهاء أي كيان كوردي مستقل القرار في سوريا، مع الاحتفاظ بجزء من بنيته البشرية والأمنية داخل الدولة السورية لاستخدامه في ضبط المناطق الكوردية وحماية الحدود، ومنع نشوء فراغ أمني جديد.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال عند ربط المسار السوري بمشروع بهجلي–أوجلان داخل تركيا. فهذا المشروع لا يُقدَّم بوصفه اعترافًا دستوريًا صريحًا بالقضية الكوردية وحقوقها القومية، بل يجري تأطيره رسميًا ضمن مفاهيم مثل «التضامن الوطني» و«الاندماج الاجتماعي» وعودة أعضاء حزب العمال إلى المجتمع بعد حل التنظيم وتسليم السلاح. كما استخدم عبد الله أوجلان نفسه مفهوم «الاندماج الديمقراطي» لوصف المرحلة التالية لنهاية العمل المسلح، بينما طرح دولت بهجلي منح أوجلان دورًا رسميًا في إدارة مسار الحل وإعادة التنظيم السياسي.
والمشكلة، من المنظور الكوردي، ليست في إنهاء الحرب أو دمج المقاتلين في الحياة المدنية والمؤسسات الشرعية؛ فهذا هدف مشروع وضروري. إنما تكمن في احتمال تحويل «الاندماج» من وسيلة لإنهاء العنف وفتح المجال أمام السياسة إلى بديل عن السياسة نفسها؛ أي أن يُحل التنظيم العسكري من دون أن تنتقل القضية الكوردية إلى مستوى الاعتراف الدستوري، وأن يُعاد توزيع كوادره داخل مؤسسات الدول القائمة من دون أن يحصل الكورد على تمثيل قومي مستقل أو شراكة سياسية حقيقية.
وفي الحالة السورية، قد يؤدي تطبيق هذه الصيغة إلى إنهاء «قسد» كقوة مستقلة، وإدماج بنيتها العسكرية والأمنية في الدولة، مع إبقاء القرار السياسي الكوردي الحقيقي ضعيفًا أو تابعًا أو منقسمًا. وعندئذ لا تكون العملية انتقالًا من السلاح إلى السياسة، بل من وظيفة عسكرية أمريكية في الحرب على داعش إلى وظيفة أمنية داخل الدولة السورية، بينما تبقى القضية الكوردية خارج التسوية.
وهذا هو التخوف الكوردي الأكبر: ألا يكون المطلوب إنهاء هيمنة حزب الPKK لفتح المجال أمام إرادة سياسية كوردية سورية مستقلة، بل إبقاء هذه الهيمنة في صورة جديدة؛ فتتغير أسماء القوات والمؤسسات، ويعاد توزيع كوادرها داخل أجهزة الدولة، فيما تُختزل القضية الكوردية من قضية شعب وحقوق وشراكة دستورية إلى مشروع «اندماج وظيفي» تديره التفاهمات التركية والسورية والإقليمية.
لذلك لا يكفي أن يُسأل: كيف ستندمج «قسد» في الجيش السوري؟ بل ينبغي أن يسبق ذلك سؤال أكثر جوهرية: من سيمثل الكورد سياسيًا بعد انتهاء «قسد» بصيغتها العسكرية، وما الضمانة التي تمنع استخدام بنيتها السابقة لضبط المجتمع الكوردي بدل تمكينه من التعبير السياسي الحر؟
وعليه، فإن اندماجًا لا يسبقه تحرير القرار السياسي الكوردي من الاحتكار التنظيمي، ولا يصاحبه اعتراف دستوري واضح بالوجود القومي الكوردي، قد ينهي شكلًا من أشكال الصراع المسلح، لكنه لن يحل القضية التي أنتجته، وقد يتحول، في أسوأ الاحتمالات، إلى عملية منظمة لتصفيتها باسم السلام والوحدة والاندماج.
علم كوردستان: ما قاله الرمز ولم يقله البيان
تكتسب مسألة رفع علم كوردستان في قصر الشعب أهمية خاصة لأنها تتجاوز حدود المجاملة البروتوكولية.
لقد استقبلت دمشق نيجيرفان بارزاني بصفته رئيسًا لكيان اتحادي دستوري يحمل اسم كوردستان، وله علمه ومؤسساته وهويته السياسية. وهذا بذاته تحول رمزي كبير في بلد ظل نظامه السابق يتعامل مع الوجود الكوردي بوصفه مشكلة أمنية أو ديموغرافية، وينكر حتى أبسط أشكال الاعتراف بهوية الكورد القومية.
وبالرغم من أن رفع العلم لا يعني اعترافًا سوريًا بإقليم كوردي داخل سوريا، ولا يجوز تحميله هذا المعنى المباشر. لكنه بالتأكيد يعني أن البعد الكوردستاني لم يعد موضوعًا يمكن إخفاؤه أو شطبه من النقاش الإقليمي. كما يعني أن دمشق الجديدة تقبل، من حيث المبدأ، التعامل مع كوردستان ككيان سياسي رسمي وشريك في الحوار.
ويحمل المشهد، في قراءته السياسية الأوسع، رسائل متعددة.
فهو رسالة إلى الكورد السوريين بأن قضيتهم ليست معزولة تمامًا عن عمقها الكوردستاني، وأن التسوية السورية لن تجري بالضرورة داخل غرفة مغلقة بين دمشق وقيادة عسكرية محلية.
وهو رسالة إلى دمشق بأن دمج قوات سوريا الديمقراطية لا يمكن أن يكون بديلًا عن معالجة القضية الكوردية، وأن العلاقة مع الكورد ينبغي ألا تُختزل في الترتيبات الأمنية.
وهو رسالة إلى تركيا بأن إنهاء البنية العسكرية المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني لا يعني حذف البعد القومي الكوردي من سوريا، وأن واشنطن وحلفاءها قد يقبلون تفكيك التشكيلات المسلحة، لكنهم لا يتبنون بالضرورة تفكيك الحضور السياسي الكوردي.
كما أنه رسالة إلى إيران والفصائل الولائية في العراق بأن العامل الكوردستاني سيبقى حاضرًا في ترتيبات سوريا والعراق، وأن إقليم كوردستان لن يُدفع إلى هامش المعادلة الجديدة.
هذه الرسائل ليست بنودًا معلنة في بيان الزيارة، ولا توجد قرينة تثبت أن واشنطن هي التي طلبت رفع العلم. لكنها قراءة مشروعة للسياق؛ لأن التحرك الكوردستاني في دمشق ينسجم مع اتجاه أمريكي وغربي أوسع نحو إعادة إدخال العامل الكوردي في معادلة الاستقرار، مع دفعه في الوقت نفسه من الحالة العسكرية إلى الحالة السياسية والدستورية.
سوريا بين الإرادة الوطنية والمظلة الدولية
مثلما لا يستطيع إقليم كوردستان التحرك خارج التوازنات الأمريكية والدولية، فإن سوريا الجديدة لا تعمل هي الأخرى في فراغ استراتيجي.
فدمشق تحتاج إلى الشرعية الدولية، ورفع العقوبات، وإعادة الإعمار، واستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، والحصول على دعم اقتصادي وأمني. وهذه الاحتياجات تجعل حركتها محكومة بدرجة كبيرة بتوازنات الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وتركيا.
لكن ذلك لا يعني أن دمشق لا تملك إرادة أو مصالح خاصة. فهي تريد إعادة بناء الدولة، واستعادة الموارد والمعابر، ومنع التقسيم، وموازنة النفوذ التركي، والحصول على اعتراف دولي واسع. ومن ثم فإن الانفتاح على إقليم كوردستان يخدم دمشق أيضًا، ولا ينبغي تفسيره بوصفه استجابة آلية لإملاء أمريكي.
الأدق أن نقول إن الإرادة السورية تتحرك داخل مظلة دولية، وتتقاطع في هذه المرحلة مع الحاجة الأمريكية إلى تسوية الملف الكوردي، ومنع عودة داعش، وإعادة تركيب المجال السوري بعيدًا عن النفوذ الإيراني.
ومن هذا التقاطع نشأت مساحة الزيارة.
البعد الكوردي والعربي السني في إعادة توازن العراق
لا تنحصر دلالات الزيارة في الملف السوري. فتوقيتها يجعلها متصلة، بصورة غير مباشرة، بأزمة الدولة العراقية وبمحاولات الحد من هيمنة القوى الولائية على قرارها.
لقد أفضى اختلال التوازن العراقي، خلال السنوات الماضية، إلى توسع نفوذ قوى داخل الإطار التنسيقي تمتلك أذرعًا مسلحة وعلاقات وثيقة بإيران، وتمكنت من الجمع بين العمل الحكومي والبرلماني والنفوذ الاقتصادي والقوة العسكرية الموازية.
ولا تكمن المشكلة في انتماء هذه القوى إلى المكون الشيعي، ولا ينبغي تحويل الصراع مع الميليشيات إلى مواجهة مذهبية. فالمكون الشيعي جزء مؤسس من الدولة العراقية، كما أن قوى شيعية واسعة لا تقبل تحويل العراق إلى ساحة إيرانية.
المشكلة الحقيقية هي احتكار القرار، وتبعية السلاح للخارج، واستخدام مؤسسات الدولة لتوفير الحماية السياسية والقانونية لجماعات لا تخضع فعليًا للدستور.
أهمية تفعيل البعدين الكوردستاني والعربي السني:
ومن هنا تبرز أهمية إعادة تفعيل البعدين الكوردستاني والعربي السني في التوازن العراقي، لا بوصفهما جبهة مذهبية مضادة، بل بوصفهما قوتين دستوريتين واجتماعيتين قادرتين، بالاشتراك مع القوى الشيعية الوطنية، على منع استفراد الفصائل الولائية بالدولة.
ولا توجد حتى الآن خطة أمريكية معلنة لبناء تحالف كوردي ـ عربي سني ضد الإطار التنسيقي. لكن مجمل الحراك السياسي يوحي بأن الولايات المتحدة، ومعها فرنسا وعدد من الدول العربية، تعمل على تهيئة مناخ سياسي مختلف لمرحلة تراجع النفوذ الإيراني في العراق.
وفي هذا السياق، يصبح الحضور الكوردستاني في دمشق جزءًا من إعادة وصل المجالين السوري والعراقي على أسس جديدة: سوريا خارج الممر الإيراني، وإقليم كوردستان بوصفه شريكًا سياسيًا واقتصاديًا، وقوى عربية عراقية تسعى إلى استعادة الدولة، مقابل فصائل تحاول الاحتفاظ بالنظام الإقليمي القديم.
تركيا: شريك كبير لا صاحب تفويض مطلق
تبقى تركيا العقدة الأكثر حساسية في أي ترتيب يتعلق بالكورد السوريين.
فأنقرة تمتلك حضورًا عسكريًا ونفوذًا سياسيًا واقتصاديًا واسعًا في سوريا، ولها علاقات قوية مع الحكومة السورية الجديدة. كما تنظر إلى قوات سوريا الديمقراطية من منظور صلتها بحزب العمال الكوردستاني، وتتعامل مع أي كيان كوردي سياسي أو عسكري قرب حدودها بوصفه قضية أمن قومي.
لكن تركيا نفسها تمر بمرحلة إعادة ترتيب داخلية مرتبطة بمسار عبد الله أوجلان ـ دولت بهجلي. وقد طرحت السلطة التركية في آب/أغسطس 2026 مشروع إطار قانوني لإعادة دمج عناصر حزب العمال الكوردستاني بعد نزع السلاح، في تطور يعكس انتقال المسار من المبادرات السياسية العامة إلى ترتيبات تشريعية وتنفيذية.
وقد يدفع نجاح هذا المسار تركيا إلى مراجعة بعض مقارباتها تجاه الكورد السوريين. لكنه قد يتأخر، أو يتحول إلى عملية أمنية محدودة لا تقدم حلًا سياسيًا كاملًا للمسألة الكوردية داخل تركيا.
وفي كل الأحوال، لا تستطيع أنقرة أن تعيد تشكيل سوريا منفردة.
تركيا شريك كبير وفاعل لا يمكن تجاوزه، لكنها لا تملك تفويضًا مطلقًا لرسم حدود الجغرافيات السياسية أو تقرير مصير المكونات السورية. فإدارة الحدود شيء، وإعادة بناء الدولة وتحديد نظامها الدستوري وهويتها السياسية شيء آخر. وهذه القضايا تُحسم من خلال توازنات القوى الدولية والإقليمية، ومن خلال إرادة السوريين ومكوناتهم، لا من خلال الحسابات الأمنية التركية وحدها.
ولهذا يمكن قراءة علم كوردستان في قصر الشعب بوصفه أيضًا حدًا رمزيًا للنفوذ التركي: تستطيع أنقرة أن تفاوض على الترتيبات الأمنية، لكنها لا تستطيع أن تشطب كوردستان من الوعي السياسي للمنطقة.
من الممرات الإيرانية إلى التوازنات السياسية
لم تكن أهمية زيارة نيجيرفان بارزاني في عدد الاتفاقات التي أُعلن عنها، فهي حتى الآن محدودة وعامة، بل في الموقع الذي ظهر فيه علم كوردستان، وفي اللحظة الإقليمية التي ظهر فيها.
فالمشرق الذي أعقب سقوط نظام الأسد لم يعد هو المشرق الذي كانت إيران تديره من خلال الممرات والميليشيات. كما أنه ليس مشرقًا تستطيع تركيا أن تعيد هندسته منفردة، ولا فضاءً تستطيع القوى الولائية العراقية الاحتفاظ فيه بسلاح عابر للحدود من دون مواجهة تبعات إقليمية ودولية متزايدة.
وفي المقابل، لم تكتمل بعد المعادلة البديلة. فإيران ما تزال قادرة على التعطيل، والفصائل العراقية لم تُفكك، وسوريا لم تستكمل بناء دولتها، والاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية لم يتحول بعد إلى تسوية دستورية راسخة، والمسار التركي ما يزال محكومًا بحسابات الأمن والسلطة أكثر من اعترافه الصريح بالحقوق القومية الكوردية.
لكن اتجاه الحركة أصبح أكثر وضوحًا.
ثمة محاولة للانتقال من شرق أوسط تديره المحاور المسلحة إلى شرق أوسط تعاد فيه موازنة الدول والمكونات. ومن منظومة كان فيها النفوذ الإيراني ( إيران الثورة) قادرًا على تجاوز الحدود والسيادات، إلى ترتيبات انتقالية نوعية ( إيران الدولة) تسعى، ولو ببطء وتناقض، إلى إعادة السلاح إلى داخل الدولة ، وإعادة المكونات إلى داخل السياسة.
في هذه المعادلة الناشئة، لا يظهر إقليم كوردستان بوصفه قوة عسكرية توسعية، ولا دولة مستقلة ترسم خرائط المنطقة، بل بوصفه فاعلًا سياسيًا ووسيطًا إقليميًا وحاملًا لبعد كوردستاني لا يمكن تجاوزه في سوريا والعراق وتركيا.
ولذلك لم يكن علم كوردستان في قصر الشعب مجرد تحية لضيف رسمي.
كان إعلانًا صامتًا بأن كوردستان حاضرة في دمشق، وأن المسألة الكوردية لن تختفي بانتهاء وظيفة عسكرية أو توقيع اتفاق أمني، وأن إعادة بناء المشرق بعد انكفاء إيران لن تقتصر على تغيير المحاور، بل ستعيد فتح الأسئلة التي ظلت دول المنطقة تؤجلها طوال قرن كامل: سؤال الدولة، وسؤال السيادة، وسؤال الشراكة، وسؤال الشعوب التي أُقيمت الحدود فوق جغرافيتها من دون أن تكون شريكة في رسمها.
ومن هنا تبدأ الدلالة الحقيقية للزيارة، لا من حيث انتهى بيانها الرسمي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شكري بكر إذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن كوردستان قسمت في مرحلة أولى إلى قسمين: قسم خضع للإمبراطورية الصفوية، وقسم آخر خضع للإمبراطورية العثمانية، وقد ترسخ هذا التقسيم بموجب معاهدة قصر شيرين عام 1639. ثم جاء الاستعمار الأوروبي ليعمق هذا الواقع، فقسمت كوردستان إلى أربعة أجزاء؛ إذ بقي الجزء الذي كان خاضعا للصفويين ضمن الدولة الإيرانية، بينما قسم الجزء الذي…

عمر كوجري ساعة و 13 دقيقة حاولت متابعة حوار السيد سيبان حمو كاملاً دون اجتزاء.. وقرأت الكثير من متابعات وكتابات الصديقات والأصدقاء عن الحوار الذي أجري معه من قبل الإعلامية ديمة ونوس لصالح منصات ( الشرق بودكاست) مثل العديد من الأصدقاء لم أتفاجأ بالمستوى الضعيف للرجل في التحليل، مع انه كما قال خريج (تاريخ الاديان) حينما كان مسجوناً في تركيا..لغة…

سعيد يوسف   نشر موقع ولاته مى مقالاً للدكتور. محمود عباس وعلى قسمين بتاريخ 22/7/2026 تحت عنوان : “لماذا خسرنا مكتسبات غربيّ كوردستان” “أخفقت الإدارة الذاتية في بناء الدولة، وأخفقنا في حماية التجربة”. بداية لا بد لي من أن أثمّن الدور التنويري الذي يقوم به الدكتور محمود عباس في خدمة الثقافة الكوردية، بشكل مستمر ودون كلل أوملل متمنياً له…

شريف علي   زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني، رئيس أقليم كوردستان إلى دمشق، و بدعوة رسمية من رئيس السلطة الانتقالية في دمشق، شكلت صفعة سياسية موجّهة إلى كل من اعتاد النظر إلى إقليم كوردستان كفاعل هامشي في الملف السوري. الإقليم يعلن — بلا مواربة — أنه يدخل إلى قلب اللعبة، وأنه لم يعد يقبل أن تصاغ ترتيبات المناطق الكوؤدستانية من دون…