الدكتور احمد رشيد
قراءة مقال الأستاذ صلاح بدرالدين ليست مجرد قراءة في ذكرى حزبية قديمة، بل عودة إلى لحظة سياسية كان فيها السؤال أكبر بكثير من أسماء الأشخاص ومواقعهم داخل التنظيمات:
من نحن؟ ما قضيتنا؟ ما شكل علاقتنا بسوريا؟ وكيف يمكن للكرد أن يتحولوا من موضوع للسياسات المفروضة عليهم إلى صاحب قضية وقرار ورؤية؟
وهنا بالضبط تكمن أهمية الخامس من آب 1965.
فما حدث لم يكن مجرد اجتماع حزبي آخر يُضاف إلى أرشيف المؤتمرات، بل كان محاولة لإعادة تعريف الحركة السياسية الكردية السورية على أسس سياسية وفكرية واضحة، وربط القضية الكردية بالثقافة والسياسة والعلاقات الوطنية والقومية والأممية، بعيداً عن الارتجال والشعارات الموسمية.
ولذلك ربما نفهم اليوم لماذا ما زال الخامس من آب يزعج بعض أصحاب القراءات الانتقائية للتاريخ!
فالتاريخ، بالنسبة للبعض، يصبح جميلاً عندما يكون بلا أسئلة، وبلا وثائق، وبلا ذاكرة، وبلا مناضلين ما زالوا أحياء يستطيعون أن يقولوا: كنت هناك، ورأيت، ودفعت الثمن.
أما عندما يتحدث رجل مثل صلاح بدرالدين عن تلك المرحلة، ويضع أمامنا أسماء الرجال، والمؤتمرات، والملاحقات الأمنية، والسجون، والمنافي، والاختفاء، ومصادرة الكتب والصور، وحرمان الإنسان من حقوقه المدنية لعقود، فإن بعض الروايات المعلبة تبدأ فجأة بفقدان توازنها!
والأكثر إثارة للسخرية أن هناك من يريد أن يقرأ تاريخ الحركة الكردية من خلال النتائج فقط، متناسياً السؤال البسيط:
أين كنتم عندما كان ثمن الموقف هو السجن والملاحقة والهجرة والتشرد؟
من السهل جداً اليوم أن يجلس الإنسان أمام هاتفه، ويكتب تعليقاً من ثلاث كلمات عن “الماضي”، ثم يمنح نفسه شهادة في الوطنية والنضال والتاريخ.
لكن التاريخ لا يُكتب بهذه الطريقة.
التاريخ يعرف من كان في السجن.
ويعرف من كان مطارداً.
ويعرف من اضطر إلى مغادرة عائلته.
ويعرف من لم يستطع حتى حضور جنازة والديه.
ويعرف من حمل القضية معه عبر الحدود والمنافي.
ويعرف أيضاً من اكتشف الوطنية بعد أن أصبح الحديث عنها آمناً!
ولهذا فإن قراءة شهادة صلاح بدرالدين تستحق الاحترام، حتى من يختلف معه سياسياً.
الاختلاف مع الرجل حق، أما إلغاء تاريخه فليس نقداً؛ إنه محاولة بائسة لإعادة كتابة الذاكرة وفق مقاس اللحظة.
وإذا كان الخامس من آب قد طرح منذ عقود قضايا مثل استقلالية القرار الكردي السوري، وصيانة الشخصية الكردية السورية، والاعتراف بالكرد كشعب أصيل ومتجذر، والبحث عن حل سياسي ضمن سوريا جديدة موحدة، فإن السؤال المضحك حقاً هو:
كم عاماً نحتاج حتى نكتشف أن القضايا التي طرحها ذلك الجيل لم تكن أوهاماً ولا ترفاً سياسياً؟
لقد تغيّرت الأنظمة، وتبدلت الخرائط، وسقطت مشاريع، وصعدت أخرى، وانقسمت أحزاب، وانقسمت الانقسامات نفسها إلى انقسامات جديدة… لكن القضية بقيت.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الذين كانوا يتهمون أصحاب نهج الخامس من آب بأنهم “يحلمون أكثر مما ينبغي”، وجدوا أنفسهم بعد عقود يكررون بعض الأسئلة التي طرحها أولئك المناضلون منذ زمن بعيد!
التاريخ ساخر أحياناً.
يسخر من الذين ظنوا أن بإمكانهم دفن فكرة لأنها لم تعجبهم.
ويسخر أكثر ممن اعتقدوا أن تغيير اسم الحزب أو تبديل الشعار يكفي لتغيير جوهر القضية.
أما القضية الحقيقية فلا تتغير بتغيير اللافتات.
ومن هنا تأتي أهمية القسم الثاني من المقال: مرحلة إعادة البناء.
فالكاتب لا يعيش على أمجاد الماضي، ولا يحاول تحويل الخامس من آب إلى متحف سياسي. بل يربط الذاكرة بالمستقبل، ويدعو إلى إعادة بناء الحركة الكردية السورية على أسس مدنية وديمقراطية، وإلى تجاوز حالة الانقسام والتمثيل المجزأ، وصولاً إلى مؤتمر كردي جامع وهيئة تمتلك شرعية حقيقية في تمثيل الكرد والتحاور باسمهم.
وهذا تحديداً هو الدرس الذي ما زال البعض يهرب منه.
المشكلة ليست فقط في وجود خصوم للقضية؛ المشكلة أحياناً في أولئك الذين يجعلون من الانقسام مهنة، ومن التشكيك وسيلة للظهور، ومن تخوين الآخرين بديلاً عن إنتاج مشروع سياسي.
وبعض هؤلاء لا يحتاج إلى خصم سياسي أصلاً؛ يكفيه أن يجد رفيقاً قديماً ليختلف معه، ثم يبدأ بتفسير التاريخ كله من خلال ذلك الخلاف!
أما نهج الخامس من آب، فيبقى في جوهره محاولة للقول إن الحركة السياسية لا تُبنى على الأشخاص وحدهم، وإنما على الفكرة والتنظيم والمسؤولية والاستقلالية والوعي السياسي.
وهذا ما يجعل احترام المناضلين واجباً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
كل الاحترام والتقدير للأستاذ صلاح بدرالدين.
شكراً لك على أنك ما زلت تكتب، وما زلت توثق، وما زلت تفتح الملفات التي يريد البعض أن تبقى مغلقة، وما زلت تحمل ذاكرتك السياسية بعد كل هذه العقود.
شكراً على نضالك الطويل، وعلى ما تحملته من سجون وملاحقات ومنافي وحرمان، وعلى إبقاء الذاكرة حية أمام جيل لم يعش تلك الأيام ولا يعرف حجم الثمن الذي دفعه السابقون.
أطال الله في عمرك، ومنحك الصحة والقوة، وأبقى صوتك حاضراً في النقاش العام.
والرحمة والخلود لكل من رحلوا من أولئك المناضلين الذين لم ينتظروا تصفيقاً ولا شهادة حسن سيرة من أحد.
سلامٌ على أرواحهم.
وسلامٌ على مناضلي الخامس من آب.
وسلامٌ على كل من حمل القضية في زمن كان حملها فيه ثقيلاً وخطراً ومكلفاً.
أما الذين يريدون اليوم أن يمنحوا أنفسهم رتبة “حارس التاريخ”، فنقول لهم بكل بساطة:
التاريخ ليس منشوراً قابلاً للتعديل بعد النشر… والتاريخ يتذكر أكثر مما يتذكر أصحاب الذاكرة الانتقائية!
الخامس من آب ليس مجرد تاريخ.
إنه ذاكرة سياسية، ومحاولة فكرية، وتجربة نضالية، وسؤال ما زال مفتوحاً: كيف نبني حركة كردية سورية تمتلك قرارها، وتحترم شعبها، وتؤمن بالديمقراطية، وتعرف أن وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف، وأن الاختلاف لا يعني الخيانة؟
وهذه الأسئلة، مهما حاول البعض السخرية منها أو دفنها تحت ركام الانقسامات، ستبقى حاضرة.
لأن الأفكار التي تولد من المعاناة وتدفع أثماناً حقيقية لا تموت بسهولة.
المجد للمناضلين الذين دفعوا الثمن، والرحمة للراحلين، والعمر المديد لمن بقي شاهداً على زمن لم يكن فيه النضال نزهة على مواقع التواصل الاجتماعي.
الخامس من آب… ذاكرة لا تُختصر، وتجربة لا تُمحى، ودرس لم ينتهِ بعد.