الرئيس نيجيرفان بارزاني في دمشق… دبلوماسية تبني جسور المستقبل 

عمر إبراهيم 
في لحظة سياسية تعد من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة، جاءت زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، ، إلى العاصمة السورية دمشق ولقاؤه بالرئيس ، لتؤكد أن الحوار لا يزال الطريق الأقصر نحو الاستقرار، وأن الدبلوماسية قادرة على فتح الأبواب التي تعجز عن فتحها الصراعات.
لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن الإرث السياسي والتاريخي لعائلة بارزاني، التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من النضال. فمن الشيخ عبد السلام بارزاني، إلى الشيخ أحمد بارزاني، ثم القائد التاريخي ملا مصطفى بارزاني، وصولًا إلى الرئيس مسعود بارزاني، حملت هذه المسيرة مشروعًا سياسيًا وقوميًا سعى إلى الدفاع عن الحقوق، وإعلاء قيم السلام والعدالة والتعايش بين الشعوب.
ويمثل نيجيرفان بارزاني اليوم امتدادًا لهذا النهج، لكنه يضيف إليه بعدًا دبلوماسيًا يقوم على الحوار وبناء الثقة وإيجاد مساحات مشتركة بين الأطراف المختلفة. وقد أثبت خلال السنوات الماضية حضوره في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واضعًا الاستقرار فوق الخلافات، والتفاهم فوق التصعيد.
وتأتي زيارته إلى دمشق في وقت تحتاج فيه سوريا إلى كل مبادرة تسهم في ترسيخ الأمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب. كما أن هذه الزيارة تحمل رسالة دعم لمسار الحوار بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية (قسد)”، بما يساعد على الوصول إلى حلول وطنية تحفظ وحدة سوريا وسيادتها، وتضمن مشاركة جميع مكوناتها في بناء مستقبل البلاد.
ومن القضايا التي لا يمكن تجاهلها، الحقوق المشروعة للشعب الكردي في سوريا. فالكرد يشكلون أحد المكونات التاريخية الأصيلة و وثاني قومية في البلاد ، ويطمحون إلى ضمان حقوقهم الدستورية والثقافية والسياسية في إطار دولة المواطنة والقانون، بما يعزز الاستقرار ويقوي الوحدة الوطنية.
كما تفتح الزيارة الباب أمام تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا وإقليم كردستان والعراق، من خلال تنشيط التجارة، وتطوير المعابر، وتشجيع الاستثمارات، بما ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين ويخدم المصالح المشتركة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يعيش فيه الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد، مع استمرار الأزمات والتوترات الإقليمية، الأمر الذي يجعل الحوار والتفاهم ضرورة لا خيارًا. فالمنطقة لم تعد تحتمل المزيد من الصراعات، وشعوبها تتطلع إلى الأمن والتنمية والعيش الكريم.
إن نجاح هذه الزيارة لن يقاس فقط بما يصدر عنها من تصريحات، بل بما يمكن أن تؤسس له من تفاهمات عملية تسهم في تعزيز الاستقرار، وتدعم بناء دولة سورية قوية، تحترم حقوق جميع مواطنيها، وتفتح صفحة جديدة من التعاون مع محيطها الإقليمي.
ويبقى الأمل أن تكون هذه الزيارة خطوة في مسار طويل من الحكمة السياسية، وأن تنتصر لغة العقل على لغة السلاح، وأن يدرك الجميع أن مستقبل سوريا والمنطقة لا يبنى إلا بالشراكة والعدالة واحترام التنوع، لأن السلام الحقيقي هو الانتصار الذي يستحقه جميع أبناء المنطقة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…