صلاح عمر
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الزيارات السياسية بعدد ساعاتها، ولا بعدد الصور التي تُلتقط خلالها، بل بما تفتحه من أبواب، وما تغلقه من احتمالات، وما تؤسس له من مسارات جديدة. ومن هذا المنظور، فإن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق ولقاءه بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل لحظة سياسية تستحق أن تُقرأ في سياق التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة.
فالشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق. تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، والتنافس الإقليمي، والأزمات الاقتصادية، وإعادة تشكيل موازين القوى، كلها تجعل من الحوار السياسي خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا دبلوماسيًا. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الرهان الحقيقي على من يرفع سقف الخطاب، بل على من يمتلك القدرة على خفض منسوب التوتر، وبناء مساحات مشتركة للمصالح.
لقد أثبتت قيادة إقليم كردستان العراق، خلال السنوات الماضية، أن بإمكانها أن تؤدي دورًا يتجاوز حدود الإقليم، مستندة إلى سياسة تقوم على الانفتاح والتوازن والوساطة. ولم يكن دعمها لمسار الحوار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية موقفًا عابرًا، بل تعبيرًا عن رؤية ترى أن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار العراق، وأن أمن المنطقة لا يُبنى بإقصاء أحد، بل بإشراك جميع مكوناتها في صناعة مستقبلها.
ومن هنا، فإن زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق تحمل رسالة مزدوجة. فهي، من جهة، تؤكد أن العلاقات السورية–العراقية تحتاج إلى مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، في ظل تحديات مشتركة لا يمكن لأي طرف مواجهتها منفردًا. ومن جهة أخرى، تفتح نافذة أمل أمام القضية الكردية في سوريا، بوصفها قضية حقوق دستورية وشراكة وطنية، لا ملفًا أمنيًا يُدار بمنطق القوة أو الإنكار.
لقد دفعت سوريا، لعقود طويلة، ثمن السياسات التي قامت على الإقصاء ونفي التنوع. واليوم، إذا كانت الدولة السورية تسعى إلى بناء مرحلة جديدة، فإن نجاحها لن يُقاس فقط بإعادة بناء المؤسسات، بل بقدرتها على بناء الثقة مع جميع مكوناتها، وفي مقدمتها الشعب الكردي، الذي كان وما يزال جزءًا أصيلًا من تاريخ سوريا وجغرافيتها ومستقبلها.
إن الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد لا ينتقص من وحدة الدولة، بل يعززها. والدولة التي تتسع لمواطنيها جميعًا هي الدولة الأكثر قدرة على حماية وحدتها واستقرارها. أما الخطابات الشوفينية التي ما تزال تحاول تصوير الحقوق الكردية باعتبارها تهديدًا، فإنها لا تدافع عن سوريا، بل تعيد إنتاج الأسباب التي أوصلتها إلى أزماتها.
وفي المقابل، تقع على عاتق الحركة السياسية الكردية مسؤولية تاريخية في استثمار هذه اللحظة بعقلانية، وتغليب لغة الحوار، والعمل على تحويل أي تفاهمات سياسية إلى ضمانات دستورية ومؤسساتية، بعيدًا عن منطق ردود الأفعال أو الحسابات الضيقة. فالحقوق التي تُبنى بالحوار وتُحصَّن بالدستور تكون أكثر رسوخًا من تلك التي تفرضها موازين القوة المؤقتة.
كما لا ينبغي إغفال البعد الاقتصادي لهذه الزيارة. فالعراق وسوريا وإقليم كردستان يمتلكون فرصًا كبيرة للتكامل في مجالات التجارة والطاقة والمعابر والاستثمار وإعادة الإعمار. وحين تتحول الجغرافيا من خطوط فصل إلى فضاء للتعاون، تصبح السياسة شريكًا في التنمية، لا مجرد إدارة للصراعات.
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تتقدم حين تنتصر فئة على أخرى، بل حين تنتصر الحكمة على الانفعال، والمصلحة العامة على الحسابات الضيقة. والسياسة الحقيقية ليست فن صناعة الأعداء، بل فن تقليل عددهم، وبناء الشراكات التي تجعل المستقبل أكثر استقرارًا.
ربما لن تُغيّر زيارة واحدة وجه المنطقة، لكن التاريخ لا يُكتب بالقفزات المفاجئة وحدها، بل يتشكل أيضًا من الخطوات الهادئة التي يعرف أصحابها إلى أين يريدون الوصول.
وفي زمنٍ يعلو فيه الضجيج، تبقى الحكمة أكثر قدرة على صناعة المستقبل.
فالنهر لا يغيّر مجراه بالصخب، بل باستمرار الجريان… والسياسة الرشيدة هي التي تعرف كيف تصل إلى البحر، لا كيف تثير الأمواج.