من الفتوحات الإسلامية إلي فتح عفرين..الحلقة الخامس – حروب الردة

حيدر عمر

      أحدث خبر وفاة الرسول (ص) اضطراباً بين المسلمين في الجزيرة، ورأى بعضهم أن أمر الدين سيكون مختلفاً عنه عمَّا كان في حياة الرسول، فتنبَّأ بعضهم، و”وضعوا التيجان على رؤوسهم، وامتنع قوم من دفْع الزكاة إلى أبي بكر. وممن تنبَّأ، كما مرَّ سابقاً، طليحة بن خويلد الأسدي، وكان تنبَّأ على عهد رسول الله، ومسيلمة بن حبيب الحنفي باليمامة، وكان تنبَّأ في السنة العاشرة الهجرية، وزعم أنه شريك لرسول الله في النبوَّة، وكان كتب إلى رسول الله: “إني أُشْركتُ معك، فلك نصف الأرض ولي نصفها”. وسجاح بنت الحارث التميمية”([1]). والأسود العنسي في اليمن فوجَّه الرسول قيس بن هبيرة المكشوح المرادي لقتاله، وبعث معه فروة بن مسيك المرادي، وذلك في السنة التي توفي فيها الرسول، فدخلا عليه في السحر، وهو سكران نائم، فذبحه قيس ذبحاً فجعل يخور خوار الثور.([2])    

     و”ارتدَّت العرب قاطبة، واشرأبَّ النفاق بالمدينة”([3]). والنفاق سلوك أو مرض نفسي يُظهر المصابُ به غير ما يُبطن. بمعنى يتخذ موقفين إزاء أمر أو قضية واحدة، يعلن عن واحد ويضمر الآخر  وهو المقصود.  وما مرَّ الحديث عنه حول التفكك القبائلي في جزيرة العرب، وانتماء الفرد إلى قبيلته، والانصياع لها ولمصالحها، والانقياد لشيوخها، ثم مجيء الإسلام، والدعوة إلى الدين الجديد، والقضاء على ذلك التفكك القبائلي، وصهر القبائل المتفرقة والمتنازعة في بوتقة مجتمع واحد ذي أسس وعادات وتقاليد تقف في الجهة المعاكسة لِما كان العربي البدوي قد ألفه. كل هذا خلق بيئة خصبة لنموِّ النفاق في وقت كانت الدعوة الإسلامية مازالت في بداية عهدها. فارتدت طوائف من العرب كبني سُلَيْم وأسد وغطفان وفزارة([4])و غيرهم،  وقد ورد في الكامل “ارتدت كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً”([5])، وامتنع بعضهم عن دفْع الزكاة، وقال آخرون نقيم الصلاة ولا نؤدي الزكاة.([6]) ويقول الذهبي في تاريخ في تاريخ الإسلام “ارتدَّت طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة.([7]) ولم تغب فكرة النفاق عن ذهن أبي بكر، بل ظلت ذات تأثير في بعض مواقفه أثناء الفتوحات، من ذلك مثلاً حين وجَّه خالدَ بنَ الوليد إلى العراق سنة اثنتيْ عشرة من الهجرة، طلب منه ألَّا يستعين بمن ارتدَّ عن الإسلام وإن كان عاد إليه.([8]) لأنه  لَربما مازال على نفاقه. فقد كان من موقف بعض أحياء الأعراب، الذين كانوا ينتظرون أياً من خالد بن الوليد وطليحة الأسدي، الذي قال: “والله ما آمنتُ قط”، أن ينتصر أحدهما على الآخر، فيميلون إليه، ولما انتصر خالد مالوا إليه، و”قالت بنو عامر وسليم وهوازن: ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن بالله ورسوله”([9]) لَدليل على ذلك. أو كان إيمانهم ضعيفاً دفعهم إليه الخوف من العقاب الذي كان يتمثَّل في السبي والقتل وقطع الرؤوس والاستيلاء على الأموال والعقارات، مثلما حدث لبني قريظة ولبني قينقاع، إذ أمر الرسول (ص) بإجلائهم عن المدينة، وولَّى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات، وهي بلدة بأطراف الشام تجاور البلقاء وعَمَّان،([10]) ومثلما حدث عند فتح “وادي القرى”، إذ رفض أهلها دعوة الرسول إياهم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، وقاتلوا ففتحها الرسول عَنوة بالقتال وغنم المسلمون أموالهم من الأثاث والمتاع.([11]) أو كانت العصبية القبلية مازالت راسخة في عقولهم، إذ قال عُيينة بن حصن المرتدّ الذي آزر طليحة الأسدي “والله لَنبيُّ من بني أسد أحبُّ إليَّ من نبيٍّ من بني هاشم، وقد مات محمد وهذا طليحة فاتَّبعوه، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك”([12])

      إن حدوث هذه الاضطرابات من تنبُّؤ بعضهم وارتداد آخرين في ذلك الوقت المبكر من وفاة الرسول، وقبل ذلك ما حدث من تباين في الآراء والمواقف حول خلافة الرسول، ومبايعة أبي بكر من غير إجماع في البداية، ورغبة أبي بكر في اللجوء إلى الحزم في التعامل مع أولئك المتنبِّئين والمرتدِّين لإعادتهم إلى الإسلام، وللحفاظ على هيبة الدولة التي كانت في بداية نشوئها. كل ذلك دفع أبا بكر، فيما نرى، إلى السرعة في التصدي لهم، وقال قولته المشهورة “والله لو منعوني عقالاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله (ص) لأقاتلنَّهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة”([13])، و”ما رضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية. فأما الخطة المخزية فهي أن يقروا بأن من قُتل منهم في النار ومن قُتل منا في الجنة، وأن نغنم منهم، وأن ما أخذوا منا مردود علينا، وأما الحرب المجلية فهي أن يخرجوا من ديارهم”.([14]) ما يعني أن إخراج غير المسلمين من ديارهم أصبح تقليداً إسلامياً، سيتّبعه قادة ما اصطُلِح على تسميته  بالفتح، والفصائل الإسلامية الراديكالية المؤتمرة بأوامر تركية في كل من عفرين ورأس العين وتل أبيض أثناء المقتلة ة السورية في الربع الأول من هذا القرن. . 

وقد أراد أبو بكر الخروج بنفسه لقتالهم وإعادتهم إلى الدين، فقيل له: “إنك لا تصنع بالمسير شيئاً، ولا ندري لِمَ تقصد؟ فأمِّر رجلاً تأمنه وارجع إلى المدينة، فإنك تركتها تغلي بالنفاق”.([15]) فعقد لخالد بن الوليد، وأوصاه وأوصى أمراءه الذين وجههم إلى قتال المرتدين “إذا أتوا داراً أن يقيموا، فإن سمعوا آذاناً أو  رأوا صلاة أمسكوا حتى يسألوهم عن الذي نقموا ومنعوا له الصدقة، وإن لم يسمعوا آذاناً ولا رأوا مصلياً شنّوا الغارة وقتلوا وحرَّقوا”.([16]) وسيَّره إلى قتال المتنبّئ طليحة بن خويلد الأسدي ومَن معه من بني فزارة، الذين فرُّوا من المعركة، التي انتهت بعودة طليحة إلى الإسلام.([17])

     رغم هذه التوصية، فقد استبدَّ خالد بن الوليد برأيه، ولجأ إلى القتل والحرق، فقتل من بني أسد وغطفان خلقاً كثيراً، وأعمل الحرق في بني سليم، الذين جمعهم في حظائر ثم أضرم عليهم النيران، مثلما حرق غيرهم،([18]) لَكأنه اتَّبع سياسة حرق المرتدين أحياءً. وأبو بكر نفسه “حرق رجلاً من بني أسد يقال له شجاع بن ورقاء”([19])، وحرق الفجاءةَ بُجير بن إياس بن عبد الله السلمي، ثم ندِم على ذلك.([20])

    إن الحرق في الإسلام بدعة لم تكن مسبوقة، ولن تكون، بل ستبقى كذلك. يورد الشوكاني حديثاً مروياً عن الرسول (ص) مما رواه أبو هريرة أنه قال: “بعثنا رسول الله صلى الله  عليه وآله وسلم في بعثٍ فقال: إن وجدتم فلاناً ـ لرجلين ـ فأحرقوهما بالنار. ثم قال حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً. وإن النار لا يعذِّب بها إلا الله، فإذا وجدتموهما فاقتلوهما”. وعليه يقول الشوكاني: “فهذا الحديث قد دلَّ على منع التحريق. على كل حال فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألغى أمره بإحراق رجلين مشركين قد بالغا في الأذى له، واستحقا القتل، ثم علل ذلك بأنه لا يجوز التحريق بالنار لأحد من عباده سواء كان مشركاً أو غير مشرك، وإن بلغ في العصيان والتمرُّد على الله أي مبلغ.([21])

     ومما يدلُّ على استبداد خالد برأيه هو أنه “بعد أن فرغ من فزارة وغطفان وأسد وطيء، سار يريد البطاح، وبها مالك بن نويرة  قد تردد عليه أمره وتخلَّفت الأنصار عن خالد. وقالوا له: ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إن الخليفة عهد إلينا، إن نحن فرغنا من بزاخة، واستبرأنا بلاد القوم، أن نقيم حتى يكتب إلينا. فقال خالد” قد عهد إليَّ أن أمضي وأنا الأمير، ولو لم يأتِ كتاب بما رأيته فرصة”.([22]) أمر بقتل أسرى بني تميم، بمن فيهم مالك بن نويرة، الذي كان أحد الصحابة وعاملاً  للرسول (ص) على صدقات بني حنظلة، والذي طلب من خالد أن يحكم فيهم أبو بكر، ولكن خالداً رفض ذلك، وأبى إلَّا أن يقتله، عندئذ التفت مالك إلى زوجته، ويُقال إنها كانت جميلة، وقال لخالد: هذه التي قتلتني. فقتله واصطفى زوجته لنفسه وتزوَّجها.([23]) فخرج بذلك عن شرع الله الذي ينص على وجوب أن تنتظر المرأة المسلمة ثلاثة أو أربعة أشهر بعد وفاة زوجها، ثم يكون لها حق الزواج،  وأمر خالد برأس ابن نوِيْرة  أُثفيةً مع حجرين وطُبِخَ على الثلاثة قِدرٌ، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب من المرتدة.([24])

     إن الحوار الذي داربين خالد بن الوليد ومالك ابن نويرة، ورفْض خالد الاحتكام إلى الخليفة أبي بكر في أمر مالك وأسرى بني تميم، وإصراره على قتله، لَيدلُّ على استبداده برأيه، وأنه لم يقتل مالكاً بسبب ارتداده، بل بدافع الرغبة في زوجته التي تزوَّجها دون انتظار قضاء عدَّتها،  مما دفع عمر بن الخطاب إلى اعتباره زانياً، والطلب من أبي بكر أن يرجمه، ولكن أبا بكر لم يفعل، بل قال: ما كنت أرجمه، فإنه تأوَّل فأخطأ. فقال عمر: إنه قتل مسلماً، فاقتله. قال: ما كنت أقتله، فإنه تأوَّل فأخطأ.([25]) وقال عمر للصديق: أعزله، فإن في سيفه لرهقاً، فقال أبو بكر: لا أشيم سيفاً سلَّه الله على الكفَّار.([26])  مما يعني أن أبا بكر كان متعاطفاً مع خالد بن الوليد الذي استغلَّ هذا التعاطف لمآربه الشخصية، وما يدلُّ على أن أبا بكر لم يكن مقتنعاً بقتل مالك بن نويرة بسبب ارتداده عن الإسلام، هو ما يذكره الذهبي أنه لما “قدم أبو قتادة الأنصاري على أبي بكر، فأخبره بقتل مالك بن نويرة وأصحابه، جذع لذلك، ثم وَدَى مالكاً وردَّ السبْيَ والمال”([27]). وكتب إلى خالد  يستقدمه، ولما قدِم عليه قال له: “هل يزيد خالد على أن يكون تأوَّل فأخطأ؟. ثم ودى مالك بن نويرة وردَّ السبي والمال”([28]).فلو كان مالك بن نويرة مرتدَّاً أو كافراً، لَما دفع أبو بكر ديته.  وكان خالد قد استغلَّ سابقاً تسامح الرسول (ص) معه في الغدر بقوم من بني جذيمة الذين كانوا قد قتلوا عمه في الجاهلية، فطلب منهم أن يضعوا سلاحهم، لأن “الناس قد أسلموا، فوضعوه، وأمر بهم فكُتِّفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما بلغ النبي (ص) ما فعله خالد، رفع يديه إلى السماء حتى بان بياض إبطيه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”، ثم أمر بدفع ديات القتلى.([29]) وفي هذا أيضاً ما يدل على استبداد خالد برأيه، وأن هذا الاستبداد ليس جديداً وليس وليد قتاله المرتدين. وكذلك في غزوه العراق في بدء الغزوات (الفتوحات)، إذ يقول فليب حتّي: “ليس غريباً أن يكون خالد قد قام بهذه الغزوة مستقلاً، حيث أن أصحاب الأمر في المدينة والحجاز كانوا يحصرون أكثر اهتمامهم في بلاد الشام المجاورة دون سواها”([30]).

     وبطلب من أبي بكر، نكَّل خالد بن الوليد في بزاخة ببني سليم وغطفان ممن كانوا ارتدُّوا وقتلوا بعض المسلمين، “فمنهم من حرقه بالنار، ومنهم من رضخه بالحجارة، ومنهم من رمى به من شواهق الجبال، ونكسهم في الآبار، وخزق بالنبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدَّة العرب”([31]). كل ذلك جعل صيت خالد بن الوليد ينتشر بين القبائل وكذلك بين جنده ببطشه، مما دفع مَن كان معه من بني أسد يُعرَف بالصلاح إلى أن يكتب إلى قومه يحذرهم مقدمه عليهم، وقتالهم على ارتدادهم عن دين الإسلام.([32])

      كان خالد بن الوليد محباً للزعامة، ومن ذلك أنه غضب كثيراً حين أتاه كتاب أبي بكر يأمره بترك العراق والمسير بجنده إلى الشام، ولكنه حين فتح الكتاب ورأى فيه أن الصديق ولاه على أبي عبيدة بن الجراح وعلى جميع أجناد الشام من المسلمين فرح لذلك وطابت نفسه.([33])

      استمرَّ خالد بن الوليد في استبداده برأيه، ومن ذلك ما انتهى إلى الخليفة عمر بن الخطاب أن خالداً، إذ كان بآمد، دخل حمّاماً فتدلَّك بغِسلٍ فيه خمر، فكتب عمر إليه: “بلغني أنك تدلَّكت بخمر، وإن الله قد حرَّم ظاهر الخمر وباطنه ومسه، فلا تمسوها أجسادكم”. وأجابه خالد: “إنا قد فتناها فعادت غسولاً غير خمر”. ولم يعجب عمر هذا الجواب، فردَّ عليه مغضباً “إن آل المغيرة ابْتُلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه”. وخرج خالد عن أمر عمر، إذ كان أمره أن يحبس ما يصيبه من المال على ضَعَفة المهاجرين، وألَّا يعطي شاة ولا بعيراً إلَّا بإذنه، إلا أنه جعل ذلك المال أُعْطِيات لذوي البأس والشرف واللسان. وظلَّ

مصرَّاً على موقفه، ومجيباً عمرَ بقوله “إما أن تدعني وعملي، وإلَّا فشأنك بعملك.([34])

     هناك من المؤرخين المحدثين مَن يحاول أن يهذِّب هذا الاستبداد بالرأي بشيء من الاستقلال به لدى خالد([35])، متناسياً أن خالداً في موقعه قائداً وأميراً على المقاتلين يعرف تماماً أن ثمة تراتبية في الهيكل التنظيمي للجيوش، تفرض على الجنود إطاعة قادتهم والامتثال لأوامرهم وتعليماتهم، ويعرف أن له قائداً هو رأس الهيكل التنظيمي لهذا الجيش، يجب أن يعود إليه في هذا الأمر الخطير  ويمتثل لأوامره. ويحاول المؤرِّخ نفسه أن يبرِّر ما فعله خالد ببني جذيمة من القتل، كما مرَّ سابقاً، أنه ظن أن ما أبدوه له من أنهم مسلمون، كان “تقية السيف لا عقيدة القلب فقتل خالد منهم من قتل”.([36]) متناسياً أن القرآن نهى عن الأخذ بالظن في قوله تعالى: “إن بعض الظن إثم”.([37]) وقد أنكر عبد الرحمن بن عوف عليه ذلك، إذ قال له: “يا خالد أخذت بأمر الجاهلية، قتلتهم بعمك الفاكه، فقال خالد: أخذتُهم بقتل أبيك”. ولعلَّ هذا ما كان أحد الأسباب التي دعت عمر بن الخطاب إلى عزله عن قيادة الجيوش.([38])   

     اتبع المسلمون سياسة القتل والسبي والاستيلاء على الأموال، منذ البدايات. من ذلك مثلاً ما أورده ابن هشام في السيرة، إذ انصرف رسول الله عن الطائف، فنزل الجِعِرّانة، وقسَّم بها أموال هوازن وسباياها، وأعطى المؤلَّفة قلوبهم …… “وكان مع رسول الله سبْيُ هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء والإبل والشاء ما لا يُدرى ما عدَّته”.([39])

     واشتدت هذه السياسة، أقصد سياسة القتل والسبي، في قتال المرتدين، من ذلك أن عكرمة بن أبي جهل، الذي سيَّره أبو بكر إلى أهل دَبا، الذين سألوه الصلح على أنهم يؤدُّون الزكاة، فرفض أن يصالحهم إلا على إقرار منهم “بأنَّا على حق وأنتم على باطل، وأن قتيلنا في الجنة وقتيلكم في النار، وعلى أنَّا نحكم فيكم بما رأينا. فأجابوا إلى ذلك، فأرسل إليهم أن أُخْرجوا الآن من مدينتكم بلا سلاح، ففعلوا، ودخل المسلمون إلى حصنهم. فقتلوا أشرافهم، وسبَوْا نساءهم وأولادهم وأخذوا أموالهم، ونزل عكرمة مدينتهم، ووجَّه أيضاً برجالهم إلى أبي بكر، وهم ثلاثمائة من المقاتلة وأربعمائة من النساء والذرية”([40]). وحين وجَّه أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب وبني حنيفة، كتب إليه قائلاً: “لا تبدأ بقتالهم حتى تدعوهم إلى داعية الإسلام، واحرص على صلاحهم، فمن أجابك منهم فاقبل ذلك منه، ومن أبى فاستعمل السيف فيه”([41]). وأمره أن يقتل كل مَن أنبت من بني حنيفة.([42])

     قد لا تنتج عن الاستيلاء على الأموال آثار نفسية ثقيلة على أصحاب تلك الأموال، ولكن السبْيَ لا شكَّ في أنه يخلِّف آثاراً نفسية على المرء، ويفقده شيئاً من كرامته، ثم يأتي بيعه في الأسواق ليقضي على ما تبقَّى له من هذه الكرامة. فقد باع أبو بكر سبايا بني عبد القيس بأربعمائة درهم.([43]) وباع خُرَيم بن أوس بن حارثة الطائي بنت نُفَيْلة بألف درهم.([44]) ولم تخلُ واقعة من وقائع الفتوحات من السبي. كما سنمرُّ على ذلك سريعاً في الصفحات القاغدمة.  

 

([1]).اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 13 ـ 16.

([2]البلاذري: فتوح البلدان، ص 112.

([3]ابن كثير: البداية والنهاية، الجزء السادس، مكتبة المعارف بيروت 1988، ص 304. وكان النفاق قد ظهر في المدينة في حياة الرسول. انظر: الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 3، مصدر سابق، ص 28. الذهبي: سير أعلام النبلاء، ص 320. وانظر تاريخ خليفة، ص 50.

([4]ابن أعثم الكوفي: المصدر السابق، ص 1/10، 14، 18.

([5])  ابن الأثير: الكامل في التاريخ، الجزء الثاني ، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى بيروت 1987، ص 205.

([6]البلاذري: فتوح البلدان، طبعة شركة طبع الكتب العربية سنة 1900، ص 101. انظر تفاصيل المرتدين في البداية والنهاية، لابن كثير، الجزء السادس، ص 312.

([7]الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 3. تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، ص 27.

([8]ابن كثير: البداية والنهاية، 6 / 342.

([9]ابن كثير: البداية والنهاية، 6 / 217، 218. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 2/ 210.

([10]ابن سعد: الطبقات الكبرى، ص 26، 27.

([11]البلاذري: فتوح البلدان، ص 41.

([12]ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 318. 

([13]ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 311. البلاذري: فتوح البلدان، ص 101. خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، ص 50.

([14]البلاذري: فتوح البلدان، ص 101. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 2، ص 205. ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 319.

([15]خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، ص 51.البلاذري: المصدر نفسه، ص 102.

([16]) خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، ص 53. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 2، ص 217.

([17]البلاذري: فتوح البلدان، ص 102 ـ 104.

([18])  ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 319.

([19]اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 21، 22.

([20]البلاذري: فتوح البلدان، ص 104، 105. خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، ص 52. ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 319. ابن سلَّام: كتاب الأموال، ص 131.

([21]الشوكاني: السيل الجرار، الجزء الرابع، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار الكتب العلمية، بيروت، 4/534، 535.

([22]ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 2، ص 216.

([23])  تاريخ خليفة، ص 53. البلاذري: فتوح البلدان، ص 105. أبو الفداء: المختصر، ج 1، ص 158. وانظر خبر قتل مالك بن نويرة في: ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 2/ 500، 501.

([24]ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 322. الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 3، ص 33، 34.

([25]أبو الفداء: المختصر، ج 1، ص 158.

([26]ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 322. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 2، ص 217. الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 377.

([27]الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 320. و ودى أي دفع ديةّ القتلى.

([28]خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، مصدر سابق، ص 53.

([29]أبو الفداء: المختصر، ج 1، ص 145، 146. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 2، ص 128. الواقدي: المغازي، 3/ 875 ـ 884.

([30]فليب حتي: تاريخ العرب، عصر ما قبل الإسلام، ج 1، دار الكشاف للنشر والتوزيع، ص 201.

([31]ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 319. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 2، ص 211.

([32]ابن أعثم الكوفي: الفتوح،  ص 1/9.

([33]المصدر نفسه، ص 1/106، 107.

([34])  د. محمد حسين هيكل: الفاروق عمر، ج 1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1963، ص 272، 273.

([35])  انظر: صادق إبراهيم عرجون: خالد بن الوليد، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة 1981، ص 171، 172.

([36]المصدر نفسه، ص 172.

([37])  سورة الحجرات، الآية 12.

([38]د. عبد العزيز الدوري: مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، مصدر سابق، ص 13.

([39]ابن هشام: السيرة النبوية، ج 4، ص 127. خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، ص 43. والجِعْرانة كانت قرية صعيرة تقع على بُعد 20 كم شرق مكة.

([40]ابن أعثم الكوفي: الفتوح، 1/ 59.

([41]المصدر نفسه، ص 23.

([42]خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، ص 57. وأنبت المرء أي صار بالغاً.

([43]اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص  17.

([44])  الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 250. قصة هذه المرأة هي أن خُريم بن أوس بن حارثة الطائي قال للنبي (ص): إن فتح الله عليك الحِيرة، فاعطني بنتَ نُفَيلة. فلما أراد خالد بن الوليد صلح أهل الحيرة قال له خُريم: إن رسول الله (ص) قد جعل لي بنت نُفيلة فلا تدخلها في صلحك، وشهد له بشير بن سعد ومحمد بن مسلمة، فاستثناها من الصلح ودفعها إلى خُريم، فاشْتُرِيَت منه بألف درهم. انظر الصفحة نفسها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مسلم شيخ حسن – كوباني لم تؤسس الأحزاب الكردية عام 1957 لكي ترتدي نائبة كردية الزي الكردي تحت قبة مجلس الشعب، أو تلقي كلمة شكر باللغة الكردية لأعضاء المجلس، ثم يسوق ذلك على أنه إنجاز سياسي أو انتصار تاريخي للشعب الكردي. فالقضايا القومية الكبرى لا تقاس بالمظاهر الرمزية ولا تختزل في صور بروتوكولية، مهما كانت أهميتها المعنوية. أما التصفيق الذي…

مهند محمود شوقي تبدأ بعض التحولات التاريخية بأحداث تبدو محدودة في زمانها ومكانها، لكنها تكشف مع مرور الزمن عن سياسة متكاملة. وهذا ما ينطبق على جريمة أنفال بارزان في الحادي والثلاثين من تموز عام 1983، التي لم تكن مجرد حملة اعتقالات جماعية طالت آلاف المدنيين، بل شكلت أول مؤشر واضح على انتقال النظام البعثي من مواجهة خصومه السياسيين…

جمعة عكاش ديرك.. مدينة تحتفل بمدير منطقتها الجديد وبلديتها الغراء في ظل غياب كل مقومات الحياة ديريك تعيش في ظل انقطاع تام للمحروقات وانقطاع شبه كامل للكهرباء ويحتفل سكانها بمدير منطقتهم الجديد. لا احد يستطيع ان يفسر سر الحفاوة بمدير منطقة جديد مدينته مشلولة بالكامل، سيارات سكانها مركونة امام البيوت لانعدام وجود البنزين والمازوت في محطات الوقود منذ ايام، السوق…

شادي حاجي في المراحل الانتقالية، لا يكفي أن تكون القضية عادلة، بل يجب أن تُدار بكفاءة. واليوم، ومع ما تشهده سوريا من تحولات سياسية ودستورية، تجد الحركة السياسية الكردية نفسها أمام استحقاق لا يقل أهمية عن أي استحقاق تفاوضي، وهو تطوير أدوات عملها والانتقال من الإدارة الفردية إلى العمل المؤسسي. فالمرحلة المقبلة تتطلب وجود منظومة استشارية متخصصة داخل قيادات…