بارزان… بداية الإبادة

مهند محمود شوقي

 

تبدأ بعض التحولات التاريخية بأحداث تبدو محدودة في زمانها ومكانها، لكنها تكشف مع مرور الزمن عن سياسة متكاملة. وهذا ما ينطبق على جريمة أنفال بارزان في الحادي والثلاثين من تموز عام 1983، التي لم تكن مجرد حملة اعتقالات جماعية طالت آلاف المدنيين، بل شكلت أول مؤشر واضح على انتقال النظام البعثي من مواجهة خصومه السياسيين إلى استهداف جماعات سكانية بأكملها بسبب هويتها، في نهج بلغ ذروته لاحقًا بحملات الأنفال التي شهدتها كوردستان.

لم يكن اختيار بارزان قرارًا عشوائيًا. فالمنطقة لم تكن تمثل هدفًا عسكريًا استثنائيًا بقدر ما كانت تمثل رمزًا للحركة التحررية الكوردية، ومنها انطلقت واحدة من أبرز التجارب السياسية في تاريخ العراق الحديث بقيادة الزعيم الراحل الملا مصطفى بارزاني. ولهذا، فإن استهداف آلاف المدنيين من أبناء بارزان لم يكن موجّهًا إلى منطقة جغرافية أو عشيرة بعينها، بل إلى رمز وطني ارتبط في الوعي الكوردي بالنضال من أجل الحرية والحقوق المشروعة. في صباح الحادي والثلاثين من تموز 1983، اقتادت سلطات النظام البعثي أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى من أبناء بارزان، بعد أن كانوا قد هُجّروا من قراهم وأُسكنوا في مجمعات قسرية. ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخبارهم، لتبدأ رحلة طويلة من الألم عاشتها آلاف العائلات التي بقيت سنوات تبحث عن إجابة لسؤال واحد: أين اختفى أبناؤها؟

ولم تبدأ الحقيقة بالظهور إلا بعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، عندما كشفت المقابر الجماعية في مناطق متفرقة من العراق أن آلاف المختفين كانوا قد أُعدموا ودفنوا سرًا. ومع ذلك، ما يزال مصير عدد من الضحايا مجهولًا، لتبقى الجريمة جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الوطنية.

تكشف هذه الجريمة أن النظام لم يعد يكتفي بملاحقة خصومه السياسيين أو العسكريين، بل انتقل إلى استهداف جماعات مدنية بأكملها على أساس انتمائها القومي والرمزي. فالضحايا لم يُستهدفوا بسبب أفعال ارتكبوها، وإنما بسبب انتمائهم إلى مجتمع ارتبط بالحركة الكوردية. وهذا التحول في طبيعة الاستهداف يجعل من جريمة بارزان واحدة من أخطر محطات القمع التي شهدها العراق في تاريخه الحديث.

ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة أنفال بارزان بمعزل عن سياقها التاريخي. فقد كانت البداية العملية لسياسة توسعت لاحقًا خلال حملات الأنفال بين عامي 1987 و1988، عندما شملت عمليات التهجير والتدمير والقتل الجماعي مناطق واسعة من كوردستان، بالتزامن مع قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية. وعند النظر إلى هذه الجرائم كوحدة واحدة، يتضح أنها لم تكن سلسلة أحداث منفصلة، بل مراحل متتابعة من مشروع استهدف إخضاع المجتمع الكوردي باستخدام أدوات الدولة، وهي سياسة صنّفتها المحاكم العراقية بعد عام 2003 ضمن جرائم الإبادة الجماعية.

لقد كانت الخسارة الإنسانية هائلة؛ آلاف الأسر فقدت أبناءها وآباءها في أيام قليلة، وتحولت سنوات الانتظار إلى جزء من معاناة عائلات لم تكن تعرف إن كان أحباؤها أحياء أم أمواتًا. لكن الجريمة حملت أيضًا رسالة سياسية واضحة، أراد النظام من خلالها أن يثبت أن أي مجتمع يرتبط بالحركة الكوردية يمكن أن يواجه المصير ذاته. غير أن النتائج جاءت على عكس ما أراد؛ إذ تحولت بارزان إلى رمز أكثر حضورًا في الوجدان الكوردي، وأصبحت تضحيات أبنائها جزءًا من الذاكرة الوطنية التي عززت التمسك بالهوية والحقوق.

ورغم أن القضاء العراقي اعترف بحملات الأنفال بوصفها جريمة إبادة جماعية، فإن العدالة لا تكتمل بالأحكام القضائية وحدها. فما زالت هناك عائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها، وما زالت مواقع دفن عديدة بحاجة إلى الكشف عنها، كما أن إنصاف الضحايا يتطلب استمرار جهود التوثيق، وتعويض ذويهم، وحفظ الذاكرة الوطنية باعتبارها مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تسقط بمرور الزمن.

وفي الذكرى الثالثة والأربعين للجريمة، أكد رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني أن إبادة آلاف الأبرياء من أبناء بارزان تمثل واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي السابق، مشددًا على أن شعب كوردستان لن ينسى هذه الفظائع، وسيبقى وفيًا لتضحيات الشهداء الذين بذلوا أرواحهم دفاعًا عن الحقوق المشروعة. كما أكد أن الإنجازات الوطنية التي تحققت لن يتم التفريط بها، وأن الإقليم سيواصل الدفاع عنها بكل السبل.

وجدد رئيس الحكومة دعوته إلى الحكومة الاتحادية للوفاء بالتزاماتها الدستورية ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه أسر ضحايا الإبادة الجماعية وحملات الأنفال، وسائر ضحايا النظام السابق، مؤكدًا أن إنصاف الضحايا لا يتحقق بالاستذكار وحده، بل باتخاذ خطوات عملية تعيد الاعتبار لحقوقهم وتكرس مبادئ العدالة وسيادة القانون. ولعل استذكار أنفال بارزان لا يعني استحضار الماضي من أجل تأجيج مشاعر الكراهية، بل يعني صون الحقيقة وحماية الذاكرة الوطنية. فالإبادة الجماعية لا تبدأ بالمقابر الجماعية، وإنما تبدأ عندما تتحول الدولة إلى أداة لإقصاء مواطنيها، ويُستبدل القانون بمنطق القوة، ويُنظر إلى التنوع باعتباره تهديدًا بدلًا من كونه مصدرًا للثراء الوطني.

وبعد أكثر من أربعة عقود، لم تعد أنفال بارزان مجرد ذكرى سنوية، بل أصبحت شاهدًا تاريخيًا على مرحلة من أكثر مراحل العراق قسوة، ورسالة متجددة بأن العدالة والاعتراف بالحقيقة وإنصاف الضحايا واحترام كرامة الإنسان ليست مطالب تخص الماضي وحده، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل لا تتكرر فيه مثل هذه المآسي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا منذ سنوات طويلة، وأنا أكتب على صفحات موقع «ولاتي مه» Welatê Me، وأزرع فيه شيئاً من روحي: شعراً، وحواراً ثقافياً، وقراءات انطباعية متواضعة. لم يكن «ولاتي مه» بالنسبة إليّ مجرد موقع إلكتروني عابر، بل كان، وما يزال، بيتاً ثقافياً وفكرياً وسياسياً جامعاً، يحمل رؤية واضحة، ورسالة نبيلة، وخطاً هادفاً يحترم عقل القارئ…

مهند محمود شوقي الوطن ليس حدوداً مرسومة على الخريطة فقط، ولا هو حكومة تتغير، أو حزب يصل إلى السلطة ثم يغادرها. الوطن أوسع من ذلك كله. هو المكان الذي يفترض أن يشعر فيه الإنسان بأنه ينتمي، وأن حقوقه مصانة، وأن هويته ليست سبباً للانتقاص من مواطنته. لكن في العراق، بعد عام 2003، ظهر سؤال مختلف: هل تغير مفهوم الوطن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ وربما كانت الجامعات هي النفط الحقيقي إيران الحالية ليست مجتمعًا عديم التعليم. على العكس، تمتلك قاعدة علمية وتعليمية مهمة، وهذا بالذات ما يجعل الفارق المحتمل أكثر إيلامًا. حرية الأكاديميا والتعبير ما تزال مقيدة؛ وقد وثقت تقارير 2026 فصل أساتذة وتقييد الطلاب والرقابة على الصحافة والإنترنت. وتحصل إيران…

سيروان حجي بركو سلطة قسد كانت سلطة أمر واقع، وُلدت في زمن الحرب وغياب الدولة، من دون أن يُسأل الناس عن شكل الحكم الذي يريدونه. واليوم تنتهي أيضاً كأمر واقع، من دون أن يُسأل الناس عن شكل اليوم التالي. لكن الإنصاف يقتضي ألا نختصر أكثر من عشر سنوات بكلمتين: نجاح أو فشل. لقسد ما لها وعليها ما عليها. لها أنها…