إن طبيعة الاندماج الجاري لا تتجه نحو الذوبان الكامل ولا نحو الفيدرالية التامة، بل ترسو في منطقة رمادية نستطيع أن نسميها بـالاندماج الإداري والعسكري الجزئي .
فعسكرياً يميل الاتجاه نحو دمج العناصر الكوردية فرادى أو تشكيلات ضمن القوات البرية للجيش السوري، وليس ككتل عسكرية مستقلة تماماً تحافظ على عقيدتها المنفصلة.
وإدارياً وخدمياً، تسليم المعابر الدولية والمطارات والمؤسسات الخدمية والنفطية تدريجياً لسيادة الحكومة المركزية مع بقاء إدارات محلية خدمية مرتبطة بالهيكلية العامة للدولة.
أما سياسياً ودستورياً فحدود الاندماج تصطدم برفض دمشق القاطع لمفهوم اللامركزية السياسية أو الإدارة الذاتية الموسعة، مقابل تمسك الكورد بصيغة تضمن عدم العودة إلى سياسات التهميش والإنكار السابقة.
بدون شك ان الاندماج سوف يطوي صفحة الاقتتال الداخلي،وتوحد (الجغرافيا السورية) بين قوسين ، وتحقق استقراراً أمنياً نسبياً يمنع استغلال الفراغ من قبل الخلايا المتطرفة أو الأطراف الخارجية.
وكوردياً ستحمي الشعب والمجتمع الكوردي من أخطار الإبادة أو التهجير القسري الناتج عن الصراعات الإقليمية المفتوحة، ودمج الكورد شرعياً في مؤسسات الدولة السياسية والمجتمعية.
لكن مع ذلك فإن احتمالية التهميش قائمة،فخشية القيادات الكوردية من أن يؤدي الاندماج الفعلي إلى تآكل الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية التي انتزعوها خلال سنوات الحرب كبيرة أيضا.
وكذلك التوجس من إمكانية ظهور توترات واحتكاكات محلية واجتماعية مع المكونات العربية العشائرية في المناطق الشرقية مثل دير الزور والرقة ،وأجزاء من جنوب محافظة الحسكة. وقبل عدة أيام رأينا ما يشير الى امكانية حدوث ذلك من خلال إقامة بعض العشائر العربية بما يسمى (خيمةالكرامة)،وإنما كانت تعبر فعليا عن(خيمةالحرب)،رافضة القيادات الكوردية في إدارة المناطق،حتى قبل استكمال الاندماج.
إن لتركيا وسياساتها وأهدافها الدور الأكبر في هذه التوترات فهي تُعد اللاعب الإقليمي الأثقل وزناً في هندسة هذا الملف، بحكم تحالفها الاستراتيجي وتأثيرها البالغ على مسار الحكومة الانتقالية في دمشق، ولديها هاجس أمني وخشية كبيرة من تنامي الدور الكوردي في إدارة مناطقها،إذ تعتبر أنقرة الوحدات الكوردية المسلحة تهديداً مباشراً لأمنها القومي على الحدود الجنوبية،لذلك تستخدم تركيا نفوذها العسكري والسياسي للضغط على دمشق لحسم ملف (ق.س.د) إما بالحل العسكري أو بالاستسلام لشروط الاندماج الكامل وغير المشروط، مع رفض أي اعتراف بكيان سياسي أو إداري ذو صبغة كوردية مستقلة قرب حدودها، محولةً الملف برمته إلى معركة تطهير أمني من منظورها للقضاء على ما تصفه بالإرهاب.
من جهة أخرى،لقد كان العديد من الجهات تتوقع أن يكون لإسرائيل رأي أو دور فيما يجري على الساحة السورية،لكن اسرائيل اكتفت بمراقبة المشهد بعين الحذر والبراغماتية فمن جهة تخشى قيام دولة سورية مركزية قوية ومستقرة ومتحالفة مع قوى إقليمية مثل تركيا أوحتى مع قوى أو تنظيمات عربية معادية لإسرائيل بحيث تصبح قادرة على توحيد الجبهات واستعادة دورها الإقليمي،ومن جهة أخرى، لطالما نظرت تل أبيب إلى ورقة الأقليات في المنطقة (بما فيها المكون الكوردي) كأداة محتملة لإبقاء الدول العربية والإقليمية منشغلة بصراعاتها الداخلية، رغم إن تراجع النفوذ الميداني المباشر لإسرائيل في شمال وشرق سوريا يجعلها عاجزة عن تغيير مسارات التسويات الكبرى التي ترعاها أطراف دولية وإقليمية كالولايات المتحدة وروسيا وتركيا.
إزاء كل هذا فقراءة الواقع التاريخي والسياسي يؤكد بوضوح وبما لا يقبل الشك أن الطموحات الكوردية الثقافية والقومية ( بما فيها قيام دولة كوردستان الكبرى) لن تزول أبداً، بغض النظر عن مآلات الاتفاقيات العسكرية أو السياسية الراهنة، فقط ما قد يتراجع هو السقف السياسي العسكري المرتفع تحت ضغط الضرورات الجيوسياسية وانسداد الأفق الدولي في حماية الكورد.
لكن القوى والشريحة الواسعة من الكورد لن تكف عن المطالبة بحقوقها، بل سيغير شكل نضالها ليتحول من المشروع الإداري المستقل إلى النضال المدني والدستوري المستدام في سبيل انتزاع حقوق المواطنة المتساوية، والاعتراف الدستوري بالهوية الكوردية، واللامركزية الإدارية الثقافية ضمن دولة سورية موحدة جامعة لكل مكوناتها.
لكن السؤال الذي سيشغل البال : هل الضغوط الإقليمية والدولية الحالية لإنجاز الاندماج قادرة حقاً على فرض استقرار طويل الأمد في مناطق شمال وشرق سوريا (روجاڤا/غرب كوردستان) أم إن صيغة الاندماج الحالية ستكون قنبلة موقوتة لتجدد الصراع مستقبلاً ؟.