الشيوعيون الكرد: وحياة الوهم والضياع

أكرم محمد

إن أزمة الحركة الشيوعية الكردية نشأت من محاولة إسقاط الأيديولوجيا الماركسية اللينينية على واقع كردستان المختلف تاريخياً واجتماعياً وسياسياً. فقد تبنى الشيوعيون الكرد مقولة ماركس “العامل لا وطن له”، رغم أن الكرد كانوا شعباً خاضعاً للاحتلال والتقسيم، لا طبقة عاملة في دولة صناعية مستقرة. وبدلاً من توجيه الصراع نحو الأنظمة التي أنكرت وجودهم القومي، جرى تحويله إلى صراع مع ما سُمّي بالإقطاع والرأسمالية الكردية، الأمر الذي أضعف الجبهة الداخلية وأبعدهم عن مشروع التحرر القومي.

كما آمنوا بشعار لينين حول “حق الأمم في تقرير مصيرها”، دون إدراك أن تطبيقه ارتبط عملياً بمصالح الاتحاد السوفيتي. فكلما تعارضت المطالب القومية الكردية مع حسابات موسكو، كان يُطلب من الشيوعيين الكرد خفض سقف مطالبهم والقبول بشعارات عامة كالديمقراطية أو الحكم الذاتي، على أمل أن تحل الأنظمة اليسارية في المنطقة القضية الكردية، وهو ما كذبه الواقع مراراً.

وتكشف أحداث تاريخية عديدة، مثل سقوط جمهورية مهاباد، والدخول في الجبهة الوطنية مع حزب البعث العراقي، والموقف السوفيتي خلال مأساة الأنفال وحلبجة، كيف قُدمت المصالح الدولية والإقليمية على حساب الدم الكردي، بينما ظل كثير من الشيوعيين الكرد ملتزمين بخط الحزب أكثر من التزامهم بقضية شعبهم.

ومن الناحية النفسية والسياسية، عاش كثير منهم حالة من الاغتراب؛ إذ انشغلوا بالدفاع عن قضايا أممية وثورات بعيدة، في الوقت الذي كانت فيه قراهم تتعرض للقمع والتهجير. كما أدى تبني الخطاب الماركسي الصدامي مع الدين والبنية الاجتماعية التقليدية إلى اتساع الفجوة بينهم وبين المجتمع الكردي، دون أن يمنحهم ذلك مكانة حقيقية داخل الأحزاب المركزية.

ولم ينته هذا المسار بانهيار الاتحاد السوفيتي، بل أعيد إنتاجه بصيغ جديدة من خلال مشاريع مثل “الأمة الديمقراطية” و”الكونفدرالية الديمقراطية”، التي ترفض الدولة القومية الكردية وتطرح بديلاً عابراً للقوميات. ويرى أصحاب هذا النقد أن هذه المشاريع تواصل استنزاف الطاقات الكردية في خدمة رؤى لا تنتهي إلى تحقيق الاستقلال أو الحقوق القومية الكاملة.

وفي المحصلة، يرى هذا الاتجاه النقدي أن تجربة الشيوعية الكردية كانت تجربة غلبت فيها الأيديولوجيا الأممية على المصلحة القومية، فانتهت إلى تهميش المشروع الوطني الكردي وإهدار جزء كبير من طاقات الكرد في صراعات لم تحقق لهم التحرر، بينما جاءت أبرز المكاسب القومية عبر الحركات التي جعلت الهوية والأرض والحق الوطني في مقدمة أولوياتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…